تخريج حديث 1964: «الْجُلُوسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ مِنَ التَّوَاضُعِ،…»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجُلُوسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ.”
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجُلُوسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ.”
قال المناوي: «فيه محمد بن الحسين السلمي الصوفي، قال الخطيب: قال لي محمد بن يوسف القطان: كان يضع الحديث».1 وقال العجلوني: «الديلمي عن أنس، وفيه وضاع كما قال المناوي».2 وقال الصنعاني في إسناده: «فيه محمد بن الحسين السلمي الصوفي، قال الخطيب: قال لي محمد بن يوسف القطان: كان يضع الحديث».3 وقال الألباني: «موضوع».4 وحكم عليه الغماري بالوضع.5
رواه الديلمي،1 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا: «الجلوس مع الفقراء من التواضع، وهو من أفضل الجهاد».
وقد حُفظ إسناده في «مسند الفردوس»، وساقه أحمد الغماري فقال: أخبرنا يزيد، أخبرنا البجلي، أخبرنا السلمي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الفقيه، حدثنا محمد بن علي بن الأشعث، حدثنا جعفر بن محمد العلوي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عروة بن ثابت، عن طاهر بن عبيد الله، عن أنس بن مالك، مرفوعًا.2 وقد جاء في بعض نسخ «الغرائب الملتقطة» لابن حجر: «طاهر بن عبد الله»، بينما ساقه أحمد الغماري: «طاهر بن عبيد الله»، فينبغي إثبات هذا الاختلاف.
ومدار الخبر في هذا الطريق على سلسلة من الرواة المجهولين أو غير المحررين، ولهذا قال أحمد الغماري بعد سوق الإسناد: «والسند فيه مجاهيل لا يعرفون».3 وهذه العلة قائمة ولو لم نقبل اتهام أبي عبد الرحمن السلمي بالوضع.
وفي الإسناد محمد بن الحسين بن محمد السلمي، أبو عبد الرحمن النيسابوري الصوفي، وقد نقل الخطيب عن محمد بن يوسف القطان أنه قال فيه: «كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة... وكان يضع للصوفية الأحاديث».4 إلا أن هذا الجرح لم يسلم من المنازعة؛ فالذهبي مع نقله الكلام فيه قال عنه في موضع آخر ما يدل على أنه لا يجزم بتعمده الكذب، وإن أقر بوجود أحاديث وحكايات موضوعة في تصانيفه. ولذلك فالأحوط ألا نجعل ثبوت الوضع في هذا الخبر قائمًا على السلمي وحده.
وفي الإسناد أيضًا محمد بن علي بن الأشعث، لا يعرف. كما أن جعفر بن محمد العلوي لم يتحرر تعيينه بما يرفع جهالته، وقد احتمل الألباني أن يكون هو رجلًا جرحه الجورقاني، لكن تعيينه بذلك غير مقطوع به، فلا يعتمد عليه علة مستقلة.5
ولم أقف على طريق مستقل عن أنس أو عن صحابي آخر يروى بهذا اللفظ، وإنما تدور النقول المتأخرة على رواية الديلمي نفسها؛ فعزو السيوطي والمناوي والعجلوني والصنعاني والمتقي الهندي لا يمثل طرقًا جديدة للخبر.
وقد وردت أحاديث وآثار صحيحة أو مقبولة في التواضع للفقراء ومجالسة الضعفاء، لكن لا شيء مما وقفت عليه يشهد لخصوص قوله: «وهو من أفضل الجهاد». فلا يصح تقوية هذا اللفظ لمجرد صحة أصل التواضع ومجالسة المساكين.
فالحديث لا يعرف إلا من هذا الطريق الواهي عن أنس، وفي إسناده عدة رواة مجهولين، مع الكلام الشديد في أبي عبد الرحمن السلمي، ولا يوجد له شاهد معتبر.
(الْجُلُوسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ) المراد مجالستهم من غير استعلاء عليهم ولا استنكاف لفقرهم، وإيناسهم وجبر خواطرهم، غير أن هذا اللفظ المرفوع لا يثبت. (مِنَ التَّوَاضُعِ) أي إن عدم الترفع على الفقير بسبب فقره من أخلاق المتواضعين، وهذا المعنى صحيح في الجملة بأدلة أخرى. (وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ) المراد -لو ثبت- جهاد النفس على ترك الكبر والتعاظم، لكن وصف ذلك بأنه «من أفضل الجهاد» حكم شرعي في التفضيل، فلا يثبت بهذا الإسناد الواهي.