تخريج حديث 1966: «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةُ مَا…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهُمَا مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهُمَا مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ.”
احتج مسلم بالحديث من هذا الوجه بلفظ أتم،1 وقال الترمذي: «حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح».2 وأورده ابن خزيمة في صحيحه،3 وابن حبان في صحيحه،4 وقال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم».5 وصحح الألباني لفظ ابن ماجه المختصر.6
رواه ابن ماجه،1 من طريق محرز بن سلمة العدني، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهُمَا مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ». وهذا هو اللفظ المختصر محل التخريج.
ورواه مسلم،2 والترمذي،3 وابن خزيمة،4 وابن حبان،5 من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ أتم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ». وقال الترمذي عقبه: «حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح».
ورواه أحمد،6 من طريق زهير بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «صَلَوَاتُ الْخَمْسِ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ». فليس إسماعيل بن جعفر منفردًا به عن العلاء؛ بل تابعه زهير بن محمد، وجاء لفظ ابن ماجه من رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء مختصرًا بذكر الجمعة وحدها.
وعليه فلفظ ابن ماجه ليس حديثًا آخر مستقلًا، وإنما هو اختصار للخبر المحفوظ عن العلاء بن عبد الرحمن؛ فعبد العزيز بن أبي حازم اقتصر على جملة الجمعة، بينما رواه إسماعيل بن جعفر وزهير بن محمد بذكر الصلوات الخمس معها، والجملة التي اقتصر عليها عبد العزيز ثابتة بعينها في الرواية المطولة، فلا مخالفة بين الألفاظ.
ولم ينحصر أصل الحديث في طريق العلاء عن أبيه؛ فرواه مسلم أيضًا من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ».7
وجاء هذا الطريق عند أحمد من طريق عباد بن العوام، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وفيه قيد اجتناب الكبائر بلفظ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ».8
ورواه مسلم كذلك من طريق أبي صخر، عن عمر بن إسحاق مولى زائدة، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».9
فأصل الحديث ثابت عن أبي هريرة من طرق مستقلة: طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وطريق محمد بن سيرين، وطريق عمر بن إسحاق عن أبيه. وأما طريق العلاء ـ وهو مدار اللفظ الذي أخرجه ابن ماجه ـ فقد رواه عنه جماعة، منهم إسماعيل بن جعفر وزهير بن محمد وعبد العزيز بن أبي حازم، فاقتصر عبد العزيز على جملة «الجمعة إلى الجمعة»، وحفظ الآخرون السياق الأطول، ولا تعارض بينهما. كما أن قيد الكبائر محفوظ، فجاء «ما لم تغش الكبائر»، وجاء من طريق مستقل «ما اجتنبت الكبائر» و«إذا اجتنب الكبائر».
(الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ) المراد صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة التي تليها، فصلاة الجمعة سبب من أسباب محو الذنوب الواقعة بين الجمعتين، (كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهُمَا) تمحو ما يقع بينهما من صغائر الذنوب بفضل الله تعالى، وليس المراد أن مجرد مرور الأسبوع مكفر، وإنما الفضل متعلق بالعبادة التي شرعها الله، (مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ) «تغش» بمعنى تُرتكب وتؤتى، والمراد أن هذا التكفير الموعود لا يتناول الكبائر. قال النووي: «معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر»، ثم بين أن المراد ليس أن وقوع الكبيرة يمنع تكفير الصغائر أيضًا، بل الصغائر تكفر وتبقى الكبيرة.1 فالكبائر لا تدخل في هذا الوعد بالتكفير، وإنما تحتاج إلى توبة، وهي فيما دون الشرك تحت مشيئة الله تعالى.