تخريج حديث 1969: «الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ…»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ.”
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ.”
قال المنذري في طريق سلمان: «رواته ثقات وفيهم أبو عبد الله البصري لا يدري من هو».1 وقال العراقي: «رجاله معروفون بالثقة إلا أبا عبد الله البصري».2 وقال الهيثمي: «فيه أبو عبد الله البصري قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله ثقات».3 وحسنه الألباني لغيره من حديث سلمان،4 وقواه في «السلسلة الصحيحة» بمجموع الشواهد.5
لكن قال أبو أحمد الحاكم في أبي عبد الله البصري، راوي حديث سلمان: «حديثه ليس بالقائم»، ثم ساق هذا الحديث بعينه.6 وقال الدارقطني عن طريق سلمان: «تفرد به داود العطار، عن أبي عبد الله البصري، عن التيمي».7 وقال الدمياطي عن إسناده: «سنده سقيم».8 وضعف الألباني لفظ أنس: «الجماعة بركة، والسحور بركة، والثريد بركة».9 بل قال عن طريقه في موضع آخر: إن فيه الحسن بن علي بن زكريا العدوي «وهو وضاع».10
رواه ابن شاذان من طريق الحسن بن علي بن زكريا العدوي، عن إبراهيم بن سليمان السلمي، عن سلم بن مسلم، عن أنس رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ».1 وهذا الطريق ساقط؛ فالحسن بن علي العدوي متهم بالوضع، وقال ابن عدي فيه: «يضع الحديث ويسرق الحديث ويلزقه على قوم آخرين».2 وقال الدارقطني: «متروك».3 فلا يصلح طريق أنس للاعتبار.
وروي من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بلفظ: «الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْجَمَاعَةِ، وَالثَّرِيدِ، وَالسَّحُورِ»، رواه الطبراني،4 وأبو أحمد الحاكم،5 والبيهقي،6 من طريق داود بن عبد الرحمن العطار، عن أبي عبد الله البصري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، مرفوعًا. وهذا أقوى طرق السياق الثلاثي، لكن علته أبو عبد الله البصري؛ فهو مجهول، ولم يعرف له إلا نحو هذا الخبر، وقال أبو أحمد الحاكم عقب ترجمته: «حديثه ليس بالقائم». كما أشار الدارقطني إلى غرابة الطريق وتفرد داود العطار به عن أبي عبد الله.7 فلا يستقيم تصحيح الطريق بنفسه.
وروي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «السُّحُورُ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ، وَالْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ»، رواه أبو يعلى،8 من طريق أبي ياسر عمار بن هارون، عن مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، مرفوعًا. وقال الهيثمي: «فيه أبو ياسر عمار بن هارون وهو ضعيف».9 بل قال أبو حاتم في عمار: «متروك الحديث»، ولم يرضه علي بن المديني، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه غير محفوظ».10 كما أن مسلمة بن علقمة نفسه مختلف فيه، وقد قال أحمد فيه خاصة في حديثه عن داود بن أبي هند: «شيخ ضعيف الحديث، حدث عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير».11 فهذا الطريق لا يصلح عاضدًا قويًا لطريق سلمان.
وروي عن أبي هريرة أيضًا من طريق أسد بن عيسى المعروف برفغين، عن أرطأة بن المنذر، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عنه. وقد وقع اضطراب في لفظه؛ فرواه الخطيب في موضع بلفظ: «الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْجَمَاعَةِ وَالثَّرِيدِ وَالسَّحُورِ»، وروي من الإسناد نفسه بلفظ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْبَرَكَةَ فِي السَّحُورِ وَالْكَيْلِ»، وفي بعض الروايات: «دعا بالبركة في ثلاثة: الثريد والسحور والكيل».12 وقد قال الدارقطني: «تفرد به أسد بن عيسى».13 وأسَدٌ قليل الحديث، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: «يغرب».14 فمع التفرد والاختلاف في نفس الألفاظ لا يصلح هذا الطريق لتثبيت اجتماع «الجماعة والثريد والسحور» على وجه يعتمد عليه.
ورواه أبو يعلى من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا بِالْبَرَكَةِ فِي السَّحُورِ وَالثَّرِيدِ».15 ورواه أحمد كذلك،16 وابن أبي ليلى سيئ الحفظ؛ ومع ذلك فهذا الطريق لو اعتبر به فإنما يشهد لـ«السحور والثريد»، ولا ذكر فيه للجماعة، والشاهد لا يقوي إلا القدر الذي وافق فيه.
وروي مرسلًا عن أبي سعيد الإسكندراني بلفظ أطول: «الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، تَسَحَّرُوا فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْقُوَّةِ...» رواه ابن الجعد،17 وابن أبي الدنيا،18 والحارث.19 من طريق بحر بن كنيز السقاء، عن عمران القصير، عن أبي سعيد الإسكندراني مرسلًا. وبحر بن كنيز متروك، ورواية الحارث من طريق داود بن المحبر وهو متهم بالوضع؛ فهذا الطريق لا يصلح للتقوية.
وروي بنحو ذلك من حديث علي رضي الله عنه بطريق فيه مجهولان والحارث الأعور، وهو شديد الضعف.
وأما قوله: «السُّحُورُ بَرَكَةٌ» فثابت من دليل صحيح مستقل؛ فعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».رواه اابخاري، 20 ومسلم،21 وقد سبق تخريجه في «ديوان الحديث» برقم: 1255. فلا يصح جعل صحة هذه الجملة عاضدًا لإثبات «الثريد بركة والجماعة بركة»، لأن صحة بعض السياق لا تثبت بقيته.
فاللفظ عن أنس ساقط؛ لأن مداره على العدوي الوضاع. وأقوى ما في الباب حديث سلمان، ومداره على أبي عبد الله البصري المجهول الذي قال أبو أحمد الحاكم في حديثه: «ليس بالقائم»، وأشار الدارقطني إلى تفرده. وطريق أبي هريرة عند أبي يعلى شديد الضعف بعمار بن هارون، ومعه كلام مخصوص في رواية مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند. وطريق رفغين مضطرب في ذكر الثلاثة؛ فتارة الجماعة والثريد والسحور، وتارة السحور والكيل، وتارة الثريد والسحور والكيل. وما بقي إما ساقط أو يشهد لبعض المتن فقط. ولذلك فالراجح أن جمع «الجماعة والسحور والثريد» في حديث واحد مرفوع لا يثبت، وتصحيح مجموع السياق بالشواهد فيه تساهل. وأما بركة السحور فصحيحة ثابتة استقلالًا.
(الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ) المراد على فرض ثبوت اللفظ أن الاجتماع على الخير سبب لزيادة النفع والخير، لكن هذه الجملة بهذا الإطلاق ضمن هذا السياق لا تثبت، (وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ) السحور ما يتناوله الصائم في آخر الليل، وبركته ثابتة بدليل صحيح مستقل؛ لما فيه من اتباع السنة والتقوي على الصيام، (وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ) الثريد خبز يفت في المرق، وقد ثبت فضله في أحاديث صحيحة، لكن وصفه بالبركة بهذا اللفظ في هذا الحديث لا يثبت مرفوعًا.