تخريج حديث 1973: «الْجِنُّ لَا تَخْبِلُ أَحَدًا فِي…»
عَنْ عَرِيبٍ الْمُلَيْكِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
الْجِنُّ لَا تَخْبِلُ أَحَدًا فِي بَيْتِهِ عَتِيقٌ مِنَ الْخَيْلِ.”
عَنْ عَرِيبٍ الْمُلَيْكِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
الْجِنُّ لَا تَخْبِلُ أَحَدًا فِي بَيْتِهِ عَتِيقٌ مِنَ الْخَيْلِ.”
قال ابن أبي حاتم عن إسناد عريب: «ليس بالقائم».1 وذكره ابن عدي ضمن مناكير سعيد بن سنان،2 وقال الهيثمي: «فيه مجاهيل».3 وقال ابن القيسراني: «سعيد بن سنان متروك الحديث».4 وقال ابن كثير: «هذا الحديث منكر، لا يصح إسناده ولا متنه».5 وذكر ابن حجر أن الحديث «مرفوع وله شاهد مرسل».6 وقال الذهبي في سعيد بن سنان في سياق هذا الخبر: «بيّن الضعف».7 وحكم الألباني عليه بالوضع.8
رواه ابن سعد،1 وابن أبي عاصم،2 والطبراني،3 وأبو الشيخ،4 من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده عريب، مرفوعًا بنحوه. وهذا هو الوجه المشهور للحديث.
ورواه الحارث بن أبي أسامة،5 وابن قانع،6 من طريق أبي حيوة شريح بن يزيد، عن سعيد بن سنان، عن ابن المليكي، عن أبيه، عن جده، وفي رواية ابن قانع صرح به فقال: «عمرو بن عريب»، بدل «يزيد بن عبد الله بن عريب».7 ورواه ابن عدي،8 من طريق بقية، عن سعيد بن سنان، عن عمرو بن عريب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا بلفظ: «لَنْ يَخْبِلَ الشَّيْطَانُ إِنْسَانًا فِي دَارِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ». فهذه الطرق لا تتعدد عند المدار، وإنما ترجع كلها إلى سعيد بن سنان، مع اختلاف شديد عليه في اسم شيخه: أهو يزيد بن عبد الله بن عريب، أم عمرو بن عريب.
وحكى ابن حجر أن ابن منده رواه من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج، عن بقية، عن عبد الله بن عريب، عن أبيه، عن جده، ثم قال ابن حجر: «وأظنه سقط منه رجل»، وذكر رواية عمرو ورواية يزيد، ونقل عن العلائي قوله: «هذا اختلاف شديد مع ما في روايته من الجهالة»، يعني عبد الله ويزيد وعمرو.9 فطريق ابن منده لا يصلح أن يجعل متابعة مستقلة تتجاوز علة سعيد؛ لاحتمال سقوطه أو سقوط راو آخر منه، مع بقاء جهالة عبد الله واضطراب تسمية الراوي عن عريب.
وسعيد بن سنان أبو مهدي الحمصي شديد الضعف؛ قال أحمد: «ضعيف»، وقال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال أيضًا: «ليس بشيء»، وقال الجوزجاني: «أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة، لا تشبه أحاديث الناس»، ونقل عن يحيى في أحاديثه: «تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «متروك الحديث».10 وقال الدارقطني في التفريق بينه وبين سعيد بن سنان الكوفي الثقة: «أبو مهدي حمصي يضع الحديث».11
فالعلة ليست سعيدًا وحده؛ بل انضم إلى شدة ضعفه اضطراب الإسناد فوقه، وجهالة يزيد بن عبد الله بن عريب وأبيه، واختلاف الرواة فيه بين يزيد وعمرو وعبد الله.
وروي للمعنى ما يشبه الشاهد عن سليمان بن موسى في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أنه قال: «الجن، ولن يخبل الشيطان إنسانًا في داره فرس عتيق»، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.12 لكنه قول تابعي ليس مرفوعًا، فلا يقوي هذا المرفوع الساقط. وروى أبو الشيخ عن أبي الهدى، عن أبيه، عمن حدثه، عن النبي ﷺ معنى قريبًا، وفيه راو مبهم فلا يصلح عاضدًا.13
كما روي مرسلًا عن سليمان بن يسار بلفظ قريب، لكن طريقه يمر بطلحة بن زيد، وهو متروك متهم بالوضع، فلا ينهض شاهدًا.14
فالحديث مداره في الطريق المرفوع المشهور على سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي، وهو متروك شديد الضعف، بل رماه الدارقطني بالوضع، وقد اضطرب فيمن فوقه؛ فرواه تارة عن يزيد بن عبد الله بن عريب، وتارة عن عمرو بن عريب، وجاء وجه عن عبد الله بن عريب يحتمل السقط، وهؤلاء مجاهيل. وأما ما روي مرسلًا أو مقطوعًا فلا ينجبر به هذا الإسناد لشدة ضعفه، وبعض طرقه أشد سقوطًا. لذلك فحكم ابن كثير عليه بأنه «منكر لا يصح إسناده ولا متنه» هو الأقرب.
(الْجِنُّ لَا تَخْبِلُ أَحَدًا) الخَبْل فساد العقل واضطرابه، ويطلق على إصابة الإنسان بما يغير إدراكه، لكن هذا الإخبار عن الجن لم يثبت بهذا الحديث، (فِي بَيْتِهِ عَتِيقٌ مِنَ الْخَيْلِ) العتيق من الخيل الكريم الأصيل الجيد، والمعنى على فرض ثبوت الخبر أن وجود الفرس العتيق في الدار يكون سببًا في دفع أذى الجن، وهذا التخصيص لا يثبت عن النبي ﷺ بهذا الحديث، فلا يجوز جعله فضيلة شرعية للخيل أو سببًا شرعيًا للحفظ من الجن.