تخريج حديث 1977: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ.”
رواه البخاري،1 من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتبه، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ». وقال البخاري عقب الحديث: «تابعه الأويسي، عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة». فتابع أبا إسحاق الفزاري عبد الرحمن بن أبي الزناد في روايته عن موسى بن عقبة.
ورواه مسلم،2 وعبد الرزاق،3 من طريق ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن أبي النضر، عن كتاب عبد الله بن أبي أوفى، وفيه أن النبي ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، ثم دعا بالنصر.4
ورواه أبو داود،5 من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، عن كتاب عبد الله بن أبي أوفى، بنحو لفظ مسلم. وأصلحه أبو داود بسكوته عنه.
فالطريق المحفوظ المشهور يدور على موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، عن كتاب عبد الله بن أبي أوفى، وقد رواه عن موسى جماعة، منهم أبو إسحاق الفزاري وابن جريج وعبد الرحمن بن أبي الزناد، فالحديث محفوظ عنه.
وله طريق آخر عن أبي حيان التيمي؛ رواه أحمد،6 من طريق إسماعيل بن علية، عن أبي حيان، قال: سمعت شيخًا بالمدينة يحدث أن عبد الله بن أبي أوفى كتب إلى عبيد الله حين أراد غزو الحرورية، فذكر الكتاب وفيه الحديث. ورواه ابن أبي شيبة،7 من طريق يعلى بن عبيد، عن أبي حيان بنحوه، ورواه عبد الرزاق،8 من طريق الثوري، عن أبي حيان، عن شيخ من أهل المدينة، عن كاتب عبيد الله بن معمر، به. ورواه ابن صاعد من طريق جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيان التيمي، عمن حدثه، عن عبد الله بن أبي أوفى، مرفوعًا بنحوه.9 ورواه أيضًا من طريق الثوري عن أبي حيان بأوجه تبين الاختلاف في تسمية الشيخ، وفي بعضها قال سفيان: «أظنه سالمًا أبا النضر».10
وسئل أبو حاتم عن الشيخ المدني المبهم في رواية أبي حيان فقال: «نرى أنه أبو النضر؛ رواه موسى بن عقبة، عن أبي النضر».11
فقرينة أبي حاتم أن طريق أبي حيان يرجع كذلك إلى أبي النضر أو يوافق طريقه، ولا توجد هنا علة تقدح في الطريق المشهور المحفوظ عن موسى بن عقبة.
وأما المكاتبة في الإسناد، فإن عبد الله بن أبي أوفى كتب بالحديث إلى عمر بن عبيد الله، وكان سالم أبو النضر كاتبه فقرأ كتابه ونقله. وقد أخرج البخاري ومسلم الحديث من هذا الوجه واحتجا به.
ونبه الدارقطني إلى أن أبا النضر لم يسمع الحديث مشافهة من ابن أبي أوفى، وإنما تلقاه من كتابه، وهذا من رواية المكاتبة المعروفة عند المحدثين، ولا يقدح في صحة الحديث؛ لثبوت الكتاب وقراءته.12
فالحديث ثابت من كتاب عبد الله بن أبي أوفى، ومحفوظ من طريق سالم أبي النضر، عنه موسى بن عقبة، ورواه عن موسى جماعة، واحتج به البخاري ومسلم. وطريق أبي حيان يؤيد أصل الرواية، وقد رأى أبو حاتم أن الشيخ المبهم فيه هو أبو النضر نفسه. فلا علة مؤثرة في الحديث.
(وَاعْلَمُوا) تنبيه إلى أمر عظيم ينبغي استحضاره عند لقاء العدو، وقد جاء الحديث في سياقه الكامل بالنهي عن تمني القتال والأمر بسؤال الله العافية ثم بالصبر إذا وقع اللقاء، (أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) المراد أن الجهاد المشروع والثبات عند التحام القتال من أسباب دخول الجنة، و«الظلال» إشارة إلى شدة قرب المتقاتلين حتى يكون كل واحد تحت ظل سيف صاحبه؛ ولذلك قال ابن حجر: «المراد أن الجنة تحصل بالجهاد» وذكر أن اللفظ يتضمن الحض على الثبات ومقاربة العدو عند الزحف.1 وليس في الحديث دعوة إلى تمني الحرب؛ بل صدر الحديث نفسه: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ».