تخريج حديث 1985: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى…»
عنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ.”
عنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ.”
أصلحه أبو داود،1 وقال الترمذي: «حديث وابصة حديث حسن».2 وقال ابن المنذر: «وقد ثبت هذا الحديث أحمد وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يدفعان عنه».3 وأورده ابن حبان في «صحيحه» من طرقه، ورأى أن الوجهين عن هِلال محفوظان.4 وحسنه أحمد كما نقل الأثرم.5
لكن قال الشافعي: «وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هِلال بن يَساف ووابصة فيه رجلًا، ومنهم من يرويه عن هِلال، عن وابصة، سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت».6 وقال ابن عبد البر: «حديث وابصة مضطرب الإسناد، لا يثبته جماعة من أهل الحديث».7 وأما أبو حاتم فسئل عن رواية حُصين، عن هِلال، عن زِياد بن أبي الجعد، عن وابصة، ورواية عَمرو بن مُرّة، عن هلال، عن عَمرو بن راشد، عن وابصة، أيهما أشبه؟ فقال: «عَمرو بن مُرّة أحفظ».8 وليس في كلام أبي حاتم تصريح بأن طريق زِياد خطأ، وإنما رجح عَمرو بن مُرّة من جهة الحفظ عند المقارنة بحُصين.
رواه أبو داود،1 والترمذي،2 وأحمد،3 وابن حبان،4 والبيهقي،5 من طرق عن شُعبة، عن عَمرو بن مُرّة، عن هِلال بن يَساف، عن عَمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، مرفوعًا. وتابع شعبةَ في روايته عن عَمرو بن مُرّة زيدُ بن أبي أُنيسة وأبو خالد الدالاني، فثبت هذا الوجه عن عَمرو بن مُرّة.
وعَمرو بن راشد هو موضع الضعف في هذا الطريق؛ فإنه غير معروف بما يرفع جهالته، ولذلك فهذه الطريق بمفردها لا تبلغ الصحيح، وإن كان الوجه محفوظًا عن عَمرو بن مُرّة.
وخالف عَمروَ بن مُرّة في شيخ هِلال: حُصين بن عبد الرحمن؛ فرواه الترمذي،6 وابن ماجه،7 وأحمد،8 وابن حبان،9 من طرق عن حُصين، عن هِلال بن يَساف، قال: أخذ زِياد بن أبي الجعد بيدي، فأوقفني على وابصة بن معبد، فقال زِياد: «حدثني هذا الشيخ» - والشيخ يسمع - أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة.
ولو انفرد حُصين بهذا الوجه لأمكن تقوية ترجيح أبي حاتم؛ لأن عَمرو بن مُرّة أحفظ من حُصين، لكن حُصينًا لم ينفرد بإدخال زِياد بين هِلال ووابصة؛ فرواه ابن المنذر،10 وابن الجارود،11 والطبراني،12 من طريق سفيان الثوري، عن مَنصور بن المعتمر، عن هِلال بن يَساف، عن زِياد بن أبي الجعد، عن وابصة، مرفوعًا. ومَنصور إمام حافظ، فموافقته لحُصين تدفع أن يكون ذكر زِياد وهمًا من حُصين.
وهذه قرينة مهمة في مناقشة ترجيح أبي حاتم: فهو رجح رواية عَمرو بن مُرّة لأن عَمرو أحفظ من حُصين، وهذا صحيح من حيث المفاضلة بين الرجلين، لكن موضع الاختلاف لم يبق منحصرًا في عَمرو وحُصين بعد ثبوت رواية مَنصور بن المعتمر عن هِلال على وجه حُصين، فصار وجه زِياد محفوظًا عن هِلال من رواية أكثر من ثقة، ولم يعد من المقبول رده بمجرد كون عَمرو بن مُرّة أحفظ من حُصين.
ثم إن أصل رواية زِياد عن وابصة ثابت من طريق لا يمر بهِلال أصلًا؛ فرواه أحمد،13 وابن حبان،14 والطبراني،15 من طريق يزيد بن زِياد بن أبي الجعد، عن عمه عُبيد بن أبي الجعد، عن زِياد بن أبي الجعد، عن وابصة، مرفوعًا. ويزيد بن زِياد هذا ليس يزيد بن أبي زياد الهاشمي الضعيف، بل هو يزيد بن زِياد بن أبي الجعد؛ وثقه أحمد ويحيى بن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: «ما بحديثه بأس»، وقال النسائي: «ليس به بأس، صالح الحديث». فهذه متابعة معتبرة تثبت أن زِيادًا كان يحمل الخبر عن وابصة، وتزيد رواية حُصين ومَنصور عن هِلال قوة.
ورواه الطبراني أيضًا من طريق عبد الواحد بن زِياد، عن الأعمش، عن عُبيد بن أبي الجعد، عن زِياد بن أبي الجعد، عن وابصة بنحوه.16 وهذه طريق أخرى ترجع إلى زِياد ولا تمر بهِلال، وإن كان لا يحتاج إليها بعد الطريق المتقدم.
وزِياد بن أبي الجعد ليس من المشاهير، وقد روى عنه هِلال بن يَساف وأخوه عُبيد، وذكره ابن حبان في «الثقات». فلا ينفرد بما يحتج به في الأصول عند التشدد، لكن الخبر هنا لم يقم عليه وحده؛ فقد حفظه عنه أهل بيته، ورواه عنه هِلال، وأقر وابصة زِيادًا وهو يحدث به بين يديه، ثم جاء الشاهد المستقل من حديث علي بن شيبان.
وأما قول ابن حبان إن هِلالًا سمع الحديث من عَمرو بن راشد عن وابصة، وسمعه من زِياد بن أبي الجعد عن وابصة، وأن «الطريقين جميعًا محفوظان»، فهو أقرب من دعوى الاضطراب؛ لأن اختلاف الشيخين عن هِلال لا يلزم أن يكون خطأً إذا قامت القرائن على حفظ الوجهين، وطريق عَمرو بن راشد ثابت عن عَمرو بن مُرّة، وطريق زِياد ثابت عن حُصين ومَنصور، ثم ثبت أصل الخبر عن زِياد من غير هِلال. فالجمع هنا أقوى من طرح أحد الوجهين.17
وأما رواية شَمِر بن عطية، عن هِلال، عن وابصة بلا واسطة؛ رواها أحمد،18 فهي لا توجب اضطرابًا مؤثرًا؛ فقد ثبت لقاء هِلال لوابصة في قصة زِياد، فإسقاط الواسطة هنا محتمل بعد حضوره المجلس وسماعه القصة بحضرة وابصة، ولا يُجعل هذا الوجه أصلًا في الحكم مع وجود الطرق المبينة للواسطة.
وقد اختلف بعض الروايات في تعيين المصلي؛ فجاء في أكثرها: «رأى رجلًا»، وجاء في بعضها ما يوهم أن وابصة نفسه هو الذي صلى خلف الصف. وهذا التعيين غير محفوظ؛ والمحفوظ في جمهور الطرق أنه «رجل» غير مسمى، وهو اللفظ الذي عليه حديث الباب. فلا يحمل اختلاف هذا التفصيل على أصل الحديث.
وللحديث شاهد صحيح مستقل من حديث علي بن شَيبان رضي الله عنه؛ رواه أحمد،19 وابن ماجه،20 وابن خزيمة،21 من طريق مُلازم بن عَمرو، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي فردًا خلف الصف، فقال له: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ». ورجال هذا الطريق معروفون؛ مُلازم وثقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو زرعة، وعبد الله بن بدر ثقة، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان وثقه العجلي وغيره. فهو شاهد قوي لأصل حديث وابصة ولخصوص الأمر بإعادة الصلاة، وليس شاهدًا لمجرد أصل النهي فقط.
وأما قول ابن عبد البر: «حديث وابصة مضطرب الإسناد»؛ فالنظر في مجموع الطرق لا يساعد عليه. نعم، وقع اختلاف على هِلال بن يَساف، ولو لم يكن لدينا إلا رواية عَمرو بن مُرّة ورواية حُصين لأمكن التوقف؛ لكن متابعة مَنصور لحُصين، ثم ثبوت الحديث عن زِياد من طريق عُبيد بن أبي الجعد من غير هِلال، يجعل الوجه الثاني أصلًا محفوظًا لا خطأ راوٍ. والاضطراب إنما يعل الحديث إذا تعذر الترجيح أو الجمع وكانت الوجوه متساوية، أما هنا فيمكن حفظ الوجهين، بل توجد قرائن مستقلة تقوي طريق زِياد.
وأما قول الشافعي: «لو ثبت حديث وابصة لقلت به»، فهو مبني على ما بلغه من اختلاف الطريق، ولا يلزم منه ضعف الحديث بعد ظهور طرق لم تكن في ذلك السياق الذي ناقشه؛ ولهذا ثبت الحديث أحمد وإسحاق، وهما من أئمة العلل، كما نقل ابن المنذر.22 كما أن الشاهد المستقل من حديث علي بن شيبان يحسم ثبوت أصل الحكم مرفوعًا، ولو فرضنا بقاء ضعف في بعض طرق وابصة.
فالحديث عن وابصة لم يسلم كل إسناد مفرد من مقال؛ فطريق عَمرو بن مُرّة فيه عَمرو بن راشد، وهو غير معروف، وطريق زِياد فيه زِياد وهو قليل الحديث. لكن طريق زِياد ثبت عن هِلال من رواية حُصين ومَنصور، وثبت عن زِياد من غير طريق هِلال من رواية عُبيد بن أبي الجعد، فظهر أن إدخال زِياد ليس وهمًا، وأن ترجيح أبي حاتم لطريق عَمرو بن مُرّة من جهة حفظه لا يستلزم إبطال الطريق الآخر. وله شاهد صحيح مستقل من حديث علي بن شيبان بنفس القصة والأمر باستقبال الصلاة. فالقول بالاضطراب المعل للحديث لا يستقيم بعد جمع الطرق.
(رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ) كان الرجل مأمومًا منفردًا عن صف المأمومين، وليس المراد من صلى صلاة منفردة لا جماعة فيها، (فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ) أمره النبي ﷺ باستقبال الصلاة من جديد، وقد جاء هذا المعنى صريحًا في حديث علي بن شيبان: «استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف». والحديث من جهة الرواية يدل على أن الانفراد خلف الصف ليس مجرد ترك للأفضل، وأما تفصيل الحكم عند امتلاء الصف أو وجود العذر فمسألة فقهية أخرى لا يحمل الحديث عليها إلا بجمع بقية الأدلة.
الأصل أن المسلم إذا دخل المسجد فإنه يدخل مع الصف، لكن لو صلى وحده فهل تصح صلاته؟. خلاف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها باطلة، وهو قول النخعي، والحكم، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة.1 واستدلوا:
ورد عليهم بأن الحديث لا تصريح فيه أنه أمره بإعادتها بسبب صلاته منفردا، فقد يكون لتركه ركنا.
وعن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، وكان أحد الوفد قال:«قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته إذا رجل فرد فوقف عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قضى الرجل صلاته، ثم قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم:"استقبل صلاتك؛ فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف».3
ورد عليهم بأن هذا دليل عليكم لا لكم، إذ فيه (حين انصرف) ولو كانت باطلة ما أمهله حتى تركها. ثم النهي محمول على الكمال لا الصحة، فيحتمل أن يكون ذلك كقوله:«لا وضوء لمن لم يسم» وكالحديث الآخر «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وليس ذلك على أنه إذا صلى كذلك، كان في حكم من لم يصل، ولكنه قد صلى صلاة تجزئه، ولكنها ليست بمتكاملة الأسباب في الفرائض والسنن، لأن من سنة الصلاة مع الإمام، اتصال الصفوف وسد الفرج، هكذا ينبغي للمصلي خلف الإمام أن يفعل، فإن قصر عن ذلك فقد أساء، وصلاته تجزئه ولكنها ليست بالصلاة المتكاملة في فرائضها وسننها.4
ثم اختلفوا إذا دخل المسجد ولم يجد رجلا، قال قوم يجذب رجلا من الصف، لحديث ورد عليهم بأنه ضعيف. وقيل يقف عن يمين الإمام، ورد عليهم أنه لم يرد دليل خاص بمسألتنا.
القول الثاني: أنها صحيحة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية.5 واستدلوا:
-عن أبي بكرة:«أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: زادك الله حرصا ولا تعد».6 ففيه أن من صلى خلف الصف منفردا بصلاة الإمام تصح صلاته؛ لأن أبا بكرة ركع خلف الصف، فقد أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ثم لم يأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة، وأرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل.7
ورد عليهم أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة كما في حديث أبي بكرة، وإلا فتجب على عموم حديث وابصة وعلى بن شيبان.
-عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بت عند ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجته غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها،ثم توضأ وضوءا بين وضوأين لم يكثر وقد أبلغ فصلى، فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه. فتوضأت، فقام يصلي، فقمت عن يساره فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه.8
وأجيب بأنه لم يكن واقفا بل كان مارا.
-عن أنس بن مالك:«أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم انصرف».9
ورد عليهم بأن النساء صلاتهن خلف الصفوف أصالة فلا وجه للقياس.
-القول الثالث: لا تصح إلا لعذر فإن انفرد لعذر صحت صلاته وإلا بطلت، وهو قول الحسن البصري وقول عند الحنفية واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. وهؤلاء جمعوا بين الأدلة وقالوا: أن الأركان تسقط عند العذر فهذا لا يستطيع القيام يصلي جالسا بل من لم يستطع الوضوء صلى بغير طهارة ومن لم يجد ثوبا طاهرا صلى بنجاسته.
ولعل هذا الأرجح، وهو: أن المسلم يصلي في الصف فإن لم يجد مكانا صلى وحده.