تخريج حديث 1990: «حُبُّ الثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ يُعْمِي…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حُبُّ الثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ يُعْمِي وَيُصِمُّ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حُبُّ الثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ يُعْمِي وَيُصِمُّ.”
ضعفه العراقي،1 والمناوي، وذكر أن فيه حميد بن عبد الرحمن وهو مجهول، والفضل بن عيسى وهو ضعيف، وعِباد بن منصور وفيه ضعف.2 وضعفه الفَتَّني،3 والعجلوني،4 والألباني.5
رواه الديلمي1 من طريق حمد بن نصر، عن أبي سعد بن أبي الليث، عن أحمد بن إبراهيم بن تركان، عن علي بن محمد بن عامر، عن حميد بن عبد الرحمن بن عبد الله، عن خُداش بن مخلد، عن الفضل بن عيسى، عن عِباد بن منصور، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا. ولم أقف على طريق آخر لهذا اللفظ عن ابن عباس.
حميد بن عبد الرحمن بن عبد الله؛ لم أقف له على ترجمة معتبرة، ونقل المناوي عن الخطيب أنه مجهول.2 فلا يعرف حاله بما تقوم به الحجة.
وأما خُداش بن مخلد البصري فليس هو علة الحديث؛ قال أبو حاتم: «صدوق».3 وإنما تقع العلل تحته.
والفضل بن عيسى الرَّقاشي شديد الضعف؛ قال أحمد: «ضعيف»، وقال ابن عيينة: «لا شيء»، وقال أبو زرعة: «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث، في حديثه بعض الوهن، ليس بقوي»، وقال أبو داود: «كان هالكًا»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال ابن عدي: «الضعف بيّن على ما يرويه».4 فليس الفضل ممن يصلح حديثه للانفراد، فضلًا عن أن ينضم إليه مجهول فوقه.
ثم إن عِباد بن منصور نفسه مختلف فيه، والراجح أنه ضعيف يعتبر به في بعض حديثه، لكنه كان يدلس، وروايته عن عِكرمة بالذات أشد إشكالًا؛ قال أبو حاتم: «كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ونرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس».5 وقال البخاري: «عَبّاد، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود، عن عكرمة، وربما دلَّسها فجعلها عن عكرمة».6 ونقل ابن حبان أن ما كان يرويه عن عكرمة إنما أخذه بواسطة إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، ثم دلسه عن عكرمة.7 وإبراهيم بن أبي يحيى متروك.
وهذا الحديث من رواية عِباد عن عِكرمة بالعنعنة، فلا يجوز تجاوز هذه العلة، ولا سيما مع خصوص كلام النقاد في روايته عن عكرمة. وحتى لو أسقطنا من الاعتبار جهالة حميد وضعف الفضل، لبقيت رواية عِباد عن عكرمة غير صالحة للاحتجاج بمفردها؛ فكيف وقد اجتمعت العلل الثلاث؟.
وله في أصل عبارة «يعمي ويصم» حديث قريب من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه بلفظ: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»؛ رواه أبو داود،8 وأحمد،9 من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، مرفوعًا. وهذا الإسناد ضعيف؛ فأبو بكر بن أبي مريم ضعيف مختلط، وقد ضعفه غير واحد.
لكن المحفوظ في حديث أبي الدرداء موقوف؛ رواه البيهقي،10 من طريق يزيد بن هارون، عن حَريز بن عثمان، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه قال: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ». وقال البيهقي: «وكذلك رواه سعيد بن أبي أيوب... موقوفًا».11 فهذا يقوي كون هذه الجملة حكمة معروفة عن أبي الدرداء، ولا يقوي رفع حديث ابن عباس.
ولا يصلح حديث أبي الدرداء شاهدًا تامًا للفظ محل البحث من جهتين: أن المحفوظ فيه الوقف، وأن لفظه عام في مطلق الحب: «حبك الشيء»، بينما حديث ابن عباس يخص «حب الثناء من الناس»، وهذه زيادة في المعنى لا يثبتها الأثر الموقوف.
فالحديث لا يعرف مرفوعًا عن ابن عباس إلا من طريق الديلمي المذكور، وفيه حميد بن عبد الرحمن وهو مجهول، والفضل بن عيسى وهو منكر الحديث شديد الضعف، ثم عِباد بن منصور وهو ضعيف مدلس، وروايته عن عِكرمة بالذات محل علة خاصة عند النقاد؛ إذ كان يدلس فيها بواسطة إبراهيم بن أبي يحيى المتروك. ولم يوجد لهذا اللفظ شاهد مرفوع معتبر، وأما «حبك الشيء يعمي ويصم» فالمحفوظ فيه الوقف على أبي الدرداء، وهو أعم من حديث الباب.
(حُبُّ الثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ) المراد شدة تعلق القلب بمدح الناس وإطرائهم وطلب المنزلة في نفوسهم، (يُعْمِي) على فرض ثبوت الحديث: يحجب الإنسان عن رؤية عيوب نفسه وعن إدراك الحق إذا خالف ما يحبه الناس منه، (وَيُصِمُّ) يجعله معرضًا عن سماع الناصح والنقد الذي يكرهه. وهذا المعنى صحيح في الجملة من جهة التجربة والآثار، لكنه لا يثبت عن النبي ﷺ بهذا اللفظ.