تخريج حديث 1991: «حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْكُلُ السَّيِّئَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْكُلُ السَّيِّئَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.”
قال الخطيب البغدادي عقب روايته: «رجال إسناده الذين بعد محمد بن مسلمة كلهم معروفون ثقات، والحديث باطل مركب على هذا الإسناد».1 وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» محتجًا بكلام الخطيب.2 وقال الذهبي: «باطل».3 وقال ابن حجر: «محمد بن سلمة سيأتي ترجمته وأنه ضعيف، والراوي عنه أحمد بن شبويه هذا مجهول، فالآفة من أحدهما».4 وقال الألباني: «باطل».5
رواه الخطيب البغدادي،1 من طريق أحمد بن شَبُويه بن يقين الموصلي، عن محمد بن مَسلمة الواسطي، عن يزيد بن هارون، عن حَمّاد بن سَلمة، عن أَيوب السختياني، عن عَطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا بلفظ: «حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْكُلُ السَّيِّئَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ». ثم قال الخطيب: «رجال إسناده الذين بعد محمد بن مسلمة كلهم معروفون ثقات، والحديث باطل مركب على هذا الإسناد».2
ورواه ابن عساكر من الطريق نفسه، من طريق تمام بن محمد، عن الحسن بن حجاج، عن محمد بن عبد الله بن إبراهيم، عن أحمد بن شَبُويه، عن محمد بن مَسلمة -وفي رواية ابن السمسار: محمد بن سَلمة- عن يزيد بن هارون، به.3 فطريق ابن عساكر ليس متابعة مستقلة؛ لأنه يرجع إلى أحمد بن شَبُويه ومحمد بن مَسلمة نفسيهما.
وأورده الديلمي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْكُلُ الذُّنُوبَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ».4 وكتاب «الفردوس» لا يسوق أسانيد أحاديثه، فلا يمكن عد هذا العزو بمجرده طريقًا آخر مستقلًا حتى يظهر إسناده.
فالحديث مداره في الطريق المسند الذي وقفنا عليه على أحمد بن شَبُويه، عن محمد بن مَسلمة، ثم يرتفع بعدهما بإسناد مشهور من الثقات: يزيد بن هارون، عن حَمّاد بن سَلمة، عن أَيوب، عن عَطاء، عن ابن عباس. ولهذا لم يغتر الخطيب بنظافة ظاهر الجزء الأعلى من الإسناد، بل حكم على الخبر نفسه بأنه «باطل مركب على هذا الإسناد».5
وأحمد بن شَبُويه مجهول؛ لم يعرف ابن حجر فيه ما يرفعه عن الجهالة، فقال في هذا الحديث نفسه: «الراوي عنه أحمد بن شبويه هذا مجهول، فالآفة من أحدهما».6
وأما محمد بن مَسلمة الواسطي، صاحب يزيد بن هارون، فقد تكلم فيه النقاد؛ قال الخطيب: «في حديثه مناكير بأسانيد واضحة»، ونقل عن هبة الله بن الحسن الطبري أنه كان يضعفه، وعن الحسن بن محمد الخلال أنه قال: «محمد بن مسلمة ضعيف جدًا».7 وإن كان الدارقطني قد قال فيه: «لا بأس به»، فإن وجود المناكير الباطلة في روايته عن الأثبات، مع جهالة الراوي عنه هنا، يمنع من احتمال هذا الخبر.8
وعليه فلا يصح الجزم بأن واضع الحديث محمد بن مَسلمة بعينه؛ لأن أحمد بن شَبُويه لم تثبت عدالته أيضًا، وهذا هو احتياط ابن حجر حين قال: «فالآفة من أحدهما».9 لكن الثابت أن العلة واقعة قبل يزيد بن هارون؛ لأن الخطيب نص على أن من بعد محمد بن مَسلمة معروفون بالثقة، وحكم مع ذلك بأن الحديث مركب على هذا الإسناد.
ولا يصلح ما ثبت في فضل علي رضي الله عنه شاهدًا لهذا المتن؛ لأن محل النكارة ليس أصل محبة علي وفضله، وإنما هذا الثواب الخاص: أن محبته تمحو السيئات كما تأكل النار الحطب. وقد صح عن علي رضي الله عنه أنه قال: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ».10 فهذا يثبت فضل محبة علي رضي الله عنه، ولا يثبت أن محبته بنفسها تكفر الذنوب بهذا الوصف الخاص.
فالخبر المسند لا يعرف إلا من طريق أحمد بن شَبُويه، عن محمد بن مَسلمة، وكلاهما لا يحتمل هذا الخبر؛ أحمد مجهول، ومحمد ضعيف له مناكير، وقد حكم الخطيب -وهو أعرف بطريقه- بأن الحديث «باطل مركب على هذا الإسناد»، وأقره ابن الجوزي والذهبي، ولم نقف على متابعة حقيقية تتجاوز موضع العلة. أما رواية ابن عساكر فترجع إلى الطريق نفسه، وعزو الديلمي لا يكشف إسنادًا مستقلًا. وصحة أصل فضل علي رضي الله عنه لا تشهد لهذا الثواب الخاص.