علقه البخاري بصيغة الجزم من طريق عُبيد الله بن عُمر، عن ثابت، عن أنس،1 وقال الترمذي عن هذا الوجه: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وأورده الضياء في «المختارة».4 وحسنه الوادعي،5 وقال الألباني في الطريق المطول: «هو على شرط مسلم»، وقال في طريق مُبارك بن فضالة: «إسناده حسن».6 وصححه الحويني،7 وآل عيد.8
لكن أعل الدارقطني وصله، فقال: «يرويه عُبيد الله بن عُمر، ومُبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ، وخالفهما حماد بن سلمة؛ فرواه عن ثابت، عن حبيب بن سبيعة، عن الحارث مرسلًا، وحماد بن سلمة أشبه بالصواب».9 وانتهى العدوي مع بعض الباحثين إلى أن المرسل أصح من هذا الوجه. لكن انظر شاهده في مسلم من حديث عائشة.10
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (155/1 رقم 774 م ط السلطانية)
2سنن الترمذي (26/5 رقم 2901 ت بشار عواد معروف)
3صحيح ابن حبان (73/3 رقم 794 ت شعيب الأرناؤوط)
4الأحاديث المختارة (129/5 رقم 1751)
5الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (79/1)
6أصل صفة صلاة النبي ﷺ (400-401/1)
7المنيحة بسلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 262)
8فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (18/ 52)
9علل الدارقطني (37/12 رقم 2381)
10سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (2/ 262)
تخريج الحديث
رواه أبو يعلى،1 والترمذي،2 وابن حبان،3 من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، عن عُبيد الله بن عُمر، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا، مطولًا في قصة رجل من الأنصار كان يؤم قومه في مسجد قباء، فيفتتح في كل ركعة بسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم يقرأ سورة أخرى، فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك قال: «إني أحبها»، فقال: «إن حبها أدخلك الجنة». وعلق البخاري هذا الوجه بصيغة الجزم فقال: «وقال عبيد الله، عن ثابت، عن أنس...» وساق القصة.4
والدَّراوردي وإن كان صدوقًا، ففي روايته عن عُبيد الله بن عُمر خاصة كلام؛ قال النسائي: «حديثه عن عبيد الله بن عمر منكر».5 فلا يصح الاعتماد على روايته وحدها في هذا الموضع. لكن الدَّراوردي لم ينفرد بالحديث عن عُبيد الله؛ فقد تابعه سليمان بن بلال، فرواه أبو عوانة،6 والبيهقي،7 وابن منده،8 والضياء،9 من طريق سليمان بن بلال، عن عُبيد الله بن عُمر، عن ثابت، عن أنس، بنحوه. فهذه متابعة حقيقية تتجاوز الدَّراوردي، وتسقط الاعتراض الخاص بروايته عن عُبيد الله؛ فالوجه الموصول ثابت عن عُبيد الله نفسه من طريق اثنين عنه.
وتابع عُبيد اللهَ بن عُمر عن ثابت: مُبارك بن فَضالة؛ رواه أحمد،10 وعبد بن حُميد،11 والدارمي،12 والترمذي عقب الحديث (2901)، من طرق عن مُبارك، عن ثابت، عن أنس، باللفظ المختصر محل التخريج: «إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾»، فقال ﷺ: «حبك إياها أدخلك الجنة».
ومُبارك بن فَضالة صدوق فيه لين، وكان يدلس، لكن ثبت تصريحه بالسماع في هذا الحديث؛ فرواه أحمد من طريق خَلَف بن الوليد، عن مُبارك قال: «سمعت ثابتًا، عن أنس...».13 ورواه الدارمي من طريق يزيد بن هارون، عن مُبارك قال: «حدثنا ثابت».14 فانتفت علة تدليسه في خصوص هذا الخبر.
فهنا صار عن ثابت البُناني وجهان موصولان مستقلان من جهة الراوي عنه: عُبيد الله بن عُمر، وهو ثقة ثبت، ومُبارك بن فَضالة، وهو دون عُبيد الله، لكنه صرح بالسماع من ثابت.
وخالفهما حماد بن سلمة؛ فرواه عن ثابت، عن حبيب بن سُبيعة، عن الحارث، عن النبي ﷺ مرسلًا. ورجح الدارقطني هذا الوجه فقال: «وحماد بن سلمة أشبه بالصواب».15 وهذه المخالفة هي علة الحديث الحقيقية، ولا يصح تجاوزها بمجرد أن الطريق الموصول رجاله ثقات.
وترجيح الدارقطني له مأخذ قوي؛ فحماد ليس مجرد ثقة خالف ثقتين، بل هو إمام مختص بحديث ثابت؛ قال أحمد: «أثبت الناس في حديث ثابت»، وقال ابن معين: «أثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة»، وقال علي بن المديني: «لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة».16 فالقاعدة النقدية تقتضي أن مخالفة مثل حماد في شيخ هو من أثبت الناس فيه لا تدفع بمجرد كثرة العدد.
لكن ترجيح الإرسال ليس قاطعًا أيضًا؛ لأن الوجه الموصول لم ينفرد به راو متوسط حتى يقال: أخطأ على ثابت، بل رواه عُبيد الله بن عُمر، وهو حافظ حجة، ووافقه مُبارك بن فضالة مع تصريحه بالسماع. كما أن رواية عُبيد الله نفسها ثبتت عنه من طريق الدَّراوردي وسليمان بن بلال، فلا مجال لتعليلها بتفرد الدَّراوردي.
ولهذا ناقش ابن حجر ترجيح الدارقطني فقال: «وإنما رجحه لأن حماد بن سلمة مقدم في حديث ثابت، لكن عبيد الله بن عمر حافظ حجة، وقد وافقه مبارك في إسناده، فيحتمل أن يكون لثابت فيه شيخان».17 وهذا الجواب محتمل من جهة الصناعة؛ إذ ليس بين الروايتين تعارض يستحيل معه أن يكون ثابت قد حمل الخبر على وجهين: سمع القصة عن أنس، وسمع خبرًا قريبًا منها من حبيب عن الحارث. لكن مجرد إمكان تعدد الشيخ لا يثبت أنه وقع فعلًا، ولذلك لا ينبغي إسقاط ترجيح الدارقطني بهذه الدعوى وحدها.
وهنا يظهر وجه دقيق آخر: البخاري لم يسق حديث عُبيد الله موصولًا في «الصحيح»، وإنما علقه بصيغة الجزم.18 وهذه الصيغة قرينة قبول عنده لأصل الخبر، لكنها ليست في قوة إدخاله في أصول الصحيح بإسناده المتصل، وقد نبه ابن رجب عند الكلام على الحديث إلى طريق حماد واختلافه على ثابت.19
وأما الترمذي فإنه ساق طريق عُبيد الله موصولًا، ثم أشار بنفسه إلى طريق مُبارك عن ثابت، وقال في طبعة بشار عن طريق عُبيد الله: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني».20 فهذا حكم له وزنه؛ لأنه عرف الطريقين الموصولين، ولم يكن حكمه مبنيًا على الدَّراوردي وحده.
ولا أرى أن حديث عائشة رضي الله عنها في أمير السرية الذي كان يختم قراءته بـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: «لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها»، فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» شاهد تام لهذا الحديث؛ فالقصة مختلفة والجزاء مختلف، وكذلك حديث أبي هريرة فيمن قرأ سورة الإخلاص فقال ﷺ: «وجبت» أي الجنة، يشهد لفضل السورة ولأصل ارتباط قراءتها بدخول الجنة، لكنه لا يشهد لخصوص قوله: «حبك إياها أدخلك الجنة». فهذه الأحاديث تؤيد المعنى العام، ولا تحسم الاختلاف في سند حديث أنس.
فالحديث يدور على ثابت البُناني، وقد اختلف عليه: فرواه عنه عُبيد الله بن عُمر موصولًا عن أنس، وثبت هذا الوجه عن عُبيد الله من رواية الدَّراوردي وسليمان بن بلال، فلا يضره الكلام الخاص في رواية الدَّراوردي عنه. وتابع عُبيد اللهَ مُباركُ بن فضالة عن ثابت، وقد صرح مُبارك بسماعه من ثابت في هذا الحديث. وخالفهما حماد بن سلمة، فرواه عن ثابت، عن حبيب بن سبيعة، عن الحارث مرسلًا، وحماد هو أثبت أصحاب ثابت، ولذلك كان ترجيح الدارقطني للإرسال قويًا وليس علة شكلية. لكن في المقابل لا يسهل طرح رواية عُبيد الله الحافظ، ومعه مُبارك، ولا سيما مع ثبوت وجه عُبيد الله من طريقين عنه، وتعليق البخاري له بصيغة الجزم، وتحسين الترمذي. ولهذا لا أرى الجزم بأن الموصول خطأ، كما لا أرى رفعه إلى الصحيح مع وجود مخالفة حماد وترجيح الدارقطني.
المصادر والمراجع
1مسند أبي يعلى (83/6 رقم 3335 ت حسين سليم أسد)
2سنن الترمذي (24-26/5 رقم 2901 ت بشار عواد معروف)
3صحيح ابن حبان (73/3 رقم 794 ت شعيب الأرناؤوط)
4صحيح البخاري (155/1 رقم 774 م ط السلطانية)
5تهذيب التهذيب (354/6)
6المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم (151-152/11 رقم 4392)
7السنن الصغير (343/1 رقم 972)
8التوحيد (ص84 رقم 5)
9الأحاديث المختارة (129/5 رقم 1751)
10مسند أحمد (421/19 رقم 12432 ط الرسالة)
11المنتخب من مسند عبد بن حميد (رقم 1306)
12سنن الدارمي (2162/4 رقم 3478)
13مسند أحمد (رقم 12433 ط الرسالة)
14سنن الدارمي (2162/4 رقم 3478)
15علل الدارقطني (37/12 رقم 2381)
16الجرح والتعديل (140-142/3 ط دائرة المعارف العثمانية)
17فتح الباري (258/2 ط السلفية)
18صحيح البخاري (155/1 رقم 774 م ط السلطانية)
19فتح الباري لابن رجب (72-74/7)
20سنن الترمذي (26/5 رقم 2901 ت بشار عواد معروف)
شرح الحديث
(إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ) المراد سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وكان سبب محبته لها ما اشتملت عليه من توحيد الله وإثبات كماله وتنزيهه عن الولد والوالد والنظير، وقد جاء في الطريق المطول أن الرجل كان يلتزم قراءتها في كل ركعة ثم يقرأ بعدها سورة أخرى، (حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) أي أن محبته الصادقة لهذه السورة وما اشتملت عليه من توحيد الله كانت من أسباب دخوله الجنة، وليس المراد أن مجرد دعوى محبة سورة الإخلاص مع ترك الفرائض وارتكاب ما يناقض التوحيد كاف لدخول الجنة.
فوائد الحديث
في الحديث فضل سورة الإخلاص، وعظيم منزلة ما اشتملت عليه من توحيد الله تعالى.
وفيه أن محبة كلام الله وما تضمنه من الإيمان والتوحيد من أعمال القلوب التي يثاب عليها العبد.
وفيه جواز قراءة سورتين في ركعة واحدة؛ فقد كان الرجل يقرأ سورة الإخلاص ثم يقرأ سورة أخرى، وأقره النبي ﷺ.