تخريج حديث 1997: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ.»
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ.”
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ.”
أصلحه أبو داود،1 وحسنه القسطلاني،2 والزرقاني.3
لكن البيهقي عقب المرفوع بقوله: «وقد روي هذا موقوفًا»، ثم ساق الطريق الموقوف.4 وذكر المنذري أن رواية الوقف أشبه بالصواب.5 وضعفه الألباني،6 والعدوي.7
رواه أبو داود،1 وأحمد،2 وعبد بن حُميد،3 والبخاري في «التاريخ الكبير»،4 والبزار،5 والطبراني،6 والبيهقي،7 من طرق عن أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه أبي الدرداء رضي الله عنه، مرفوعًا. فهذا هو الطريق المشهور للرفع، ومداره على أبي بكر بن أبي مريم.
وقد رواه عن أبي بكر جماعة؛ منهم عِصام بن خالد، وعبد الله بن المبارك، ويحيى البابلتي، ومحمد بن حرب، وشُريح بن يزيد، وغيرهم، وأكثرهم رفعوه، فليس الرفع وهمًا من راوٍ واحد دون أبي بكر؛ وإنما موضع النظر في أبي بكر نفسه، وفي اختلاف الرواية عنه، ثم في مخالفته لمن هو أوثق منه عن بلال.
واختلف أيضًا على أبي بكر في إسناده؛ فرواه الأكثر عنه عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال، ورواه الوليد بن مسلم8 عنه عن بلال بلا خالد، ورواه بَقِيّة عنه مرة عن حبيب بن عُبيد بدل خالد. 9 وهذا الاضطراب فيمن بين أبي بكر وبلال لا يوجب وحده إسقاط أصل الخبر، لكنه يؤكد أن أبا بكر لم يضبط إسناده على وجه واحد.
وأبو بكر بن أبي مريم هو موضع ضعف ظاهر؛ قال أحمد: «ضعيف»، وقال أيضًا: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث... اختلط»، وقال أبو زرعة: «ضعيف الحديث، منكر الحديث»10 وضعفه ابن معين والنسائي والدارقطني.11 ونقل ابن عدي أن الغالب على حديثه الغرائب، وأنه ممن لا يحتج به.12
وهنا لا يكفي أن نقول: «أبو بكر ضعيف، فالحديث ضعيف»؛ لأن الصناعة تقتضي النظر: هل خولف في الرفع والوقف؟ والجواب: نعم.
فقد روى أحمد الحديث من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، عن أبي بكر بن أبي مريم، موقوفًا، ثم قال أحمد: «وحدثناه أبو اليمان، لم يرفعه، ورفعه القرقساني محمد بن مصعب».13 وهذه عبارة بالغة الأهمية؛ فإن أحمد لم يذكر الاختلاف عبثًا، بل أبرز أن أبا اليمان وقف الحديث وأن محمد بن مصعب رفعه.
وأبو اليمان ثقة ثبت، أما محمد بن مصعب القَرقساني فكثير الغلط؛ قال الدارقطني: «لم يكن حافظًا»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث ليس بقوي»، وقال أبو زرعة: صدوق لكنه حدث بمناكير، ورجح أن ذلك من غلطه. فمقارنة الوجهين وحدها تجعل وقف أبي اليمان أقوى من رفع محمد بن مصعب.
لكن هذه ليست أقوى علة في الحديث؛ لأن أكثر أصحاب أبي بكر رفعوه، فلا يصح أن نجعل محمد بن مصعب وحده مسؤولًا عن الرفع، وإنما العلة الأقوى أن أبا بكر بن أبي مريم خولف عن بلال بن أبي الدرداء نفسه، فرواه البيهقي،14 من طريق حَريز بن عثمان، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه أبي الدرداء قال: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»، موقوفًا. وإسناده صحيح؛ حريز ثقة، وبلال بن أبي الدرداء ثقة.
ورواه البخاري في «التاريخ الكبير»15 من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن حميد بن مسلم الدمشقي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه، موقوفًا. وفي حميد جهالة، فلا يستقل هذا الطريق بالحجة، لكنه يوافق طريق حريز الصحيح على الوقف.
فهنا صارت صورة العلة واضحة: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف سيئ الحفظ، يروي عن بلال الخبر مرفوعًا، بينما حَريز بن عثمان الثقة يرويه عن بلال نفسه موقوفًا، ويتابعه على الوقف طريق آخر، كما جاء الوقف أيضًا من رواية أبي اليمان عن أبي بكر نفسه.
وهذا على طريقة النقاد هو موضع الترجيح الحقيقي؛ فالزيادة بالرفع ليست مقبولة لمجرد أن جماعة رووها عن أبي بكر، لأن هؤلاء جميعًا أخذوها من الراوي الضعيف نفسه، فلا يتحول ضعفه إلى حفظ بكثرة تلاميذه، العبرة بمن خالف أبا بكر عند شيخه بلال، وهنا المخالف ثقة، وروايته موقوفة.
وله طريق مرفوع آخر ظاهره القوة؛ رواه أبو الشيخ،16 من طريق الحسن بن أحمد بن فيل، عن محمد بن مُصفّى، عن بَقِيّة بن الوليد قال: حدثنا صَفوان بن عَمرو، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن بلال بن أبي الدرداء، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حبك الشيء يعمي ويصم».
وهذا الطريق يحتاج إلى توقف، ولا يصح إسقاطه لمجرد قولنا: «بقية ضعيف»؛ فبَقِيّة صرح بالتحديث عن صفوان، وصفوان من شيوخه المعروفين، وقد قال ابن معين في بقية: إذا حدث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو ونحوه قُبل حديثه في الجملة. لكن مع ذلك لا أراه صالحًا لمعارضة الوقف الصحيح؛ لأمرين:
أولهما: أن هذا الوجه غريب جدًا عن بَقِيّة، والمحفوظ عنه في هذا الحديث من طرق جماعة أنه يرويه عن أبي بكر بن أبي مريم بالطريق الأول، حتى رواه ابن أبي داود عن محمد بن مُصفّى نفسه، عن بقية، عن أبي بكر، بخلاف رواية أبي الشيخ عن محمد بن مصفى، عن بقية، عن صفوان. فهذا اختلاف واقع على محمد بن مصفى عن بقية في الحديث نفسه.17
وثانيهما: أن بَقِيّة، وإن صرح بالتحديث عن صفوان، معروف بالمناكير والتدليس والتسوية، وقد قال أحمد: «توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به».18 فلا يقوى هذا الفرد الغريب عند الاختلاف على دفع الرواية الصحيحة الموقوفة عن بلال.
ولا أقول إن مجرد كونه من رواية بَقِيّة يجعله باطلًا؛ فهذا تعليل سطحي. وإنما العلة في مجموع القرائن: غرابة هذا الوجه عنه، ومخالفته للرواية المشهورة عنه، ووقوع الاختلاف فيه عن محمد بن مصفى، مع ثبوت الوقف عن بلال بإسناد صحيح.
وأما خالد بن محمد الثقفي في الطريق المشهور فليس هو علة الحديث؛ فقد وثقه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في «الثقات».19 ولذلك فقول البزار: «خالد بن محمد ليس بمعروف» لا يقدم على معرفة أبي حاتم به وتوثيقه له. والعلة قبل خالد في أبي بكر بن أبي مريم وفي الرفع نفسه.
وأما الشواهد عن غير أبي الدرداء فلا يثبت منها شيء يصلح لترجيح الرفع؛ فحديث عبد الله بن أنيس حكم ابن عساكر عليه بأنه «منكر بهذا الإسناد، وفيه غير واحد من المجاهيل»، وسائر ما روي في الباب لا ينهض لمعارضة الوقف الصحيح.20
فالحديث محفوظ عن أبي الدرداء رضي الله عنه، ولكن المحفوظ عنه الوقف؛ فقد رواه حَريز بن عثمان الثقة، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه موقوفًا بإسناد صحيح، وجاء الوقف من وجه آخر، ووقفه أبو اليمان أيضًا عن أبي بكر بن أبي مريم. وأما الرفع فمداره المشهور على أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف سيئ الحفظ، وقد اضطرب في إسناده، ولا تقوي كثرة الرواة عنه رفعه؛ لأنهم جميعًا يرجعون إليه. والطريق المرفوع الآخر عن بَقِيّة وصفوان فرد غريب مضطرب بالنسبة إلى الرواية المشهورة عن بقية، فلا ينهض لدفع الوقف الصحيح.
(حُبُّكَ الشَّيْءَ) المراد شدة التعلق بالشيء والإفراط في محبته، (يُعْمِي) أي يحمل صاحبه على أن لا يرى عيوب محبوبه أو لا يبصر الحق إذا خالف هواه فيه، (وَيُصِمُّ) يجعله لا يسمع النقد والنصيحة فيما أحبه. وهذا المعنى ثابت حكمةً من كلام أبي الدرداء رضي الله عنه، أما رفعه إلى النبي ﷺ فلا يثبت على الراجح.