أخرج ابن حبان الحديث في «صحيحه».1 ورجح الحاكم الوصل، فقال: «الذي يؤدي إليه اجتهادي أن معمر بن راشد حدث به على الوجهين، أرسله مرة، ووصله مرة»، ورأى أن الوصل أولى لقبول زيادة الثقة.2 ودافع ابن حزم عن رواية مَعمر فقال: «معمر ثقة مأمون، فمن ادعى عليه أنه أخطأ فعليه البرهان».3 ومال البيهقي إلى تقوية الوصل، واحتج برواية الحديث عن مَعمر من غير أهل البصرة، وذكر الطريق الآخر عن نافع وسالم، عن ابن عمر.4 وقال ابن القطان في تعليل رواية مَعمر: «وما ذلك بالبين»، وجوز أن يكون الحديث عند الزهري على الوجوه المختلفة.5 وقال الألباني عن طريق سَرّار بن مُجشِّر: «فهو شاهد جيد، ودليل قوي على أن للحديث موصولًا أصيلًا عن سالم، عن ابن عمر».6
لكن يحيى بن معين قال في رواية مَعمر الموصولة: «خطأ، إنما كان معمر أخطأ فيه».7 وقال أحمد: «ما هو صحيح»، وبيّن أن مَعمر حدث به بالبصرة، وقال: «والناس يهمون».8 وقال البخاري: «هذا حديث غير محفوظ»9 ثم رجح رواية شُعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري منقطعة، وقال: «وهذا أصح».10 وقال أبو زرعة: «مرسل أصح».11 وحكم مسلم على مَعمر بالوهم في هذا الخبر، وقرر أن أهل اليمن أعرف بحديثه من غيرهم؛ لأن روايته في بلده كانت أضبط من حديثه في الرحلة.12 وقال الدارقطني في الطريق الآخر عن سَرّار: «تفرد به سيف بن عبيد الله الجرمي، عن سرار».13 وقال ابن عبد البر: «الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية».14 وقال ابن قدامة: «غير محفوظ، غلط فيه معمر، وخالف فيه أصحاب الزهري».15 وقال ابن القيم في طريق سَرّار: «ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة».16 وقال ابن حجر في طريق سَرّار: «في إسناده مقال».17
المصادر والمراجع
1صحيح ابن حبان (463/9 رقم 4156 ت شعيب الأرناؤوط)
2المستدرك على الصحيحين (193/2 ت مصطفى عبد القادر عطا)
3المحلى (441/9 ط دار الفكر)
4السنن الكبرى للبيهقي (182-183/7 ت محمد عبد القادر عطا)
5بيان الوهم والإيهام (497-498/3 ت الحسين آيت سعيد)
6إرواء الغليل (293/6 ط المكتب الإسلامي)
7تاريخ ابن أبي خيثمة (328/1)
8أحكام أهل الملل للخلال (ص172 رقم 490)
9التاريخ الأوسط للبخاري (208-211/3 ط مكتبة الرشد)
10العلل الكبير للترمذي (ص164 ت صبحي السامرائي وآخرين)
11علل ابن أبي حاتم (400/1 رقم 1199)
12السنن الكبرى للبيهقي (292/7 ت محمد عبد القادر عطا)
13علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية (13/ 124)
14التمهيد (434/7 ت بشار عواد معروف)
15المغني (15/10 ط مكتبة القاهرة)
16تهذيب السنن (156-157/3)
17التلخيص الحبير (168/3 ط دار الكتب العلمية)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وابن ماجه،2 والترمذي،3 وابن حبان،4 من طرق عن مَعمر بن راشد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا. واختصر بعضهم الخبر على قصة إسلام غَيْلان، وجمع بعضهم إليها قصة طلاقه نساءه وتقسيم ماله في زمن عمر.
وهذا الطريق هو أصل الإشكال؛ فإن ظاهر إسناده قوي، لكن أئمة العلل لم يقفوا عند ظاهره، سأل الترمذي البخاري عن حديث مَعمر هذا، فقال: «هو حديث غير محفوظ، إنما روى هذا معمر بالعراق»، ثم ذكر أن شُعيب بن أبي حمزة وغيره رووه عن الزهري قال: «حُدِّثت عن محمد بن سُويد الثقفي: أن غَيْلان بن سَلَمة أسلم»، وقال البخاري: «وهذا أصح».5
وزاد البخاري بيان موضع الوهم، فقال إن المحفوظ عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر هو قصة أخرى: أن غَيْلان طلق نساءه في زمن عمر، فقال له عمر: «لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم النبي ﷺ قبر أبي رغال».6 فاجتماع قصة غَيْلان في الطريقين، مع كون إسناد الزهري عن سالم عن أبيه محفوظًا في قصة عمر، يقوي أن مَعمرًا أدخل قصة إسلام غَيْلان في إسناد القصة الأخرى، فوصَل ما كان الزهري يرويه بلاغًا أو منقطعًا.
ويؤيد هذا أن أحمد لما سئل عن الحديث قال: «ما هو صحيح»، وقال إن مَعمر حدث به بالبصرة، وأشار إلى أن الخطأ وقع في حديثه هناك.7 وقال يحيى بن معين صراحة: «خطأ، إنما كان معمر أخطأ فيه».8 وكذلك حكم مسلم على مَعمر بالوهم في هذا الخبر، وقرر أن أهل اليمن أعرف بحديثه من غيرهم؛ لأن روايته في بلده كانت أضبط من حديثه في الرحلة.9
ورواه مالك عن ابن شهاب بلاغًا: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة: «أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ»، فلما عرض أبو زرعة الوجه الموصول والمرسل قال: «مرسل أصح».10 وهذا موافق لترجيح البخاري، لا مخالف له؛ فالاختلاف في تعيين الواسطة أو صيغة البلاغ لا يثبت وجه سالم عن ابن عمر، بل تتفق هذه الروايات على أن الزهري لم يحفظه بهذا الإسناد الموصول.
وأما احتجاج الحاكم بأن مَعمرًا يمكن أن يكون وصله مرة وأرسله مرة، وأن زيادة الثقة مقبولة، فلا يكفي هنا؛ لأن المسألة ليست مجرد راو ثقة زاد وصلةً في مقابل راو أسقطها، بل اجتمعت قرائن خاصة: تفرد مَعمر بالوصل عن الزهري، ورواية أصحاب الزهري للخبر على الانقطاع، وتصريح الحفاظ بأن هذا من أوهام مَعمر خارج بلده، وثبوت إسناد الزهري عن سالم عن ابن عمر في قصة أخرى لغيلان. ولهذا كان حكم البخاري وأحمد وابن معين ومسلم وأبي زرعة أخص من القاعدة العامة التي استند إليها الحاكم.
وكذلك لا يدفع العلة كون بعض من روى الوصل عن مَعمر من أهل الكوفة أو خراسان أو اليمامة؛ فقد ناقش ابن حجر هذا فقال إن هؤلاء إنما سمعوه منه بالبصرة، وحتى على فرض سماع بعضهم له خارجها فإن علة حديث مَعمر في أسفاره باقية؛ لأنه كان يحدث خارج بلده من حفظه فيقع له الوهم.11 ومن هنا لا يتعدد الطريق بتعدد الرواة عن مَعمر؛ فجميعهم يرجعون إلى مَعمر، والعلة فيه قبلهم.
وله طريق آخر مستقل يتجاوز مَعمرًا والزهري؛ رواه الدارقطني،12 والبيهقي،13 من طريق سيف بن عُبيد الله الجَرمي، عن سَرّار بن مُجشِّر، عن أيوب السختياني، عن نافع وسالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن غَيْلان بن سَلَمة كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا.
وهذا الطريق مهم؛ لأنه متابعة حقيقية تتجاوز مَعمرًا والزهري، فلا يجوز رده بعلة طريق مَعمر، وسَرّار بن مُجشِّر ثقة، ولهذا قواه بعض المتأخرين. لكن الإشكال في غرابة الطريق؛ فقد نص الدارقطني على تفرد سيف بن عُبيد الله به عن سَرّار، ونقل أبو علي الحافظ أن سَرّارًا تفرد به، مع كون أيوب السختياني واسع الرواية كثير الأصحاب. فاجتمع فيه تفرد سيف عن سَرّار، وغرابة رواية سَرّار لهذا الخبر عن أيوب، ولذلك قال ابن حجر: «في إسناده مقال»، ورأى ابن القيم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته.14
ومن ثم فقول الألباني إن طريق سَرّار «شاهد جيد» يقوي وجود أصل موصول للحديث، لكنه لا يكفي عندي لترجيح الوصل؛ لأن هذا الطريق نفسه محل تعليل، وليس طريقًا سالمًا حتى يعارض به ترجيح أئمة العلل في طريق مَعمر. نعم، هو أخف حالًا من طريق مَعمر المعلول بالوهم، لكنه لا ينهض وحده لتصحيح المرفوع من حديث ابن عمر.
وله شواهد في الباب من حديث قيس بن الحارث وغيره، إلا أن أسانيد أحاديث الباب لا تخلو من مقال؛ ولهذا قال ابن عبد البر بعد جمعها: «الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية، ولكنها لم يرو شيء يخالفها عن النبي ﷺ، والأصول تعضدها، والقول بها والمصير إليها أولى».15 وهذه عبارة دقيقة؛ فهي تفرق بين ثبوت الحكم الفقهي وبين صحة كل خبر مرفوع بعينه.
فالحديث المشهور عن ابن عمر من طريق مَعمر، عن الزهري، عن سالم، عنه غير محفوظ؛ فقد اجتمع على تعليله يحيى بن معين وأحمد والبخاري ومسلم وأبو زرعة، وبيّنوا وجه الخطأ، والمحفوظ عن الزهري فيه الإرسال أو الانقطاع. وأما طريق سيف، عن سَرّار، عن أيوب، عن نافع وسالم، فهو مستقل حقيقة، لكنه غريب معلول بالتفرد، فلا يبلغ من القوة ما يرد به حكم أولئك النقاد، ولا سيما مع غرابته عن أيوب. وأما شواهد الباب فتقوي أصل الحكم ولا تسلم أسانيدها من المقال.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (251/8 رقم 4631 ط الرسالة)
2سنن ابن ماجه (628/1 رقم 1953 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن الترمذي (رقم 1128 ت بشار عواد معروف)
4صحيح ابن حبان (463/9 رقم 4156 ت شعيب الأرناؤوط)
5العلل الكبير للترمذي (ص164 ت صبحي السامرائي وآخرين)
6العلل الكبير للترمذي (ص164 ت صبحي السامرائي وآخرين)
7أحكام أهل الملل للخلال (ص172 رقم 490)
8تاريخ ابن أبي خيثمة (328/1)
9السنن الكبرى للبيهقي (292/7 ت محمد عبد القادر عطا)
10علل ابن أبي حاتم (400/1 رقم 1199)
11التلخيص الحبير (168/3 ط دار الكتب العلمية)
12سنن الدارقطني (403/4 رقم 3686 ت شعيب الأرناؤوط وآخرين)
13السنن الكبرى للبيهقي (325/14 رقم 14165 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
14التلخيص الحبير (168/3 ط دار الكتب العلمية)
15التمهيد (434/7 ت بشار عواد معروف)
شرح الحديث
(أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ) على فرض ثبوت الخبر مرفوعًا: دخل غَيْلان رضي الله عنه في الإسلام، (وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) كان قد جمع في نكاحه قبل الإسلام أكثر من أربع، (فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ) دخلن في الإسلام معه، (فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ) أي يستبقي أربعًا ويفارق من زاد عليهن؛ لأن الشريعة لا تقر اجتماع أكثر من أربع زوجات للرجل الواحد، وأصل هذا الحكم تؤيده نصوص الشرع وإن كان هذا الطريق المرفوع عن ابن عمر لا يثبت على الراجح.