تخريج حديث 2000: «أَتَرْعَوْنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟. مَتَى…»
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَتَرْعَوْنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟. مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ؟. اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرُهُ النَّاسُ.”
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَتَرْعَوْنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟. مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ؟. اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرُهُ النَّاسُ.”
قال أبو إسماعيل الهروي: «هذا حديث حسن».1 وقال الهيثمي في طريق الطبراني: «إسناده حسن، رجاله موثقون، واختلف في بعضهم اختلافًا لا يضر».2
لكن قال العُقيلي: «ليس له من حديث بَهز أصل، ولا من حديث غيره، ولا يتابع عليه».3 وقال ابن عدي: إن البلاء فيه من الجارود بن يزيد.4 وقال ابن حبان: «والخبر في أصله باطل، وهذه الطرق كلها بواطيل لا أصل لها».5 وقال الخَليلي: «لم يروه عن بهز غيره»، وذكر أن أهل الحديث ضعفوا الجارود.6 وقال البيهقي: «هذا حديث يعد في إفراد الجارود بن يزيد عن بهز»، وذكر أن أهل الحديث أنكروه عليه، وأن من رواه عن غيره من الضعفاء سرقه منه، ثم قال: «ولم يصح فيه شيء».7 وحكم الدارقطني عليه بالوضع،8 وقال الذهبي: «له طرق باطلة عن بهز بن حكيم، وأمثلها الجارود وهو ساقط».9 وحكم أحمد بن الصديق الغماري عليه بالوضع،10 وكذلك الألباني.11
رواه ابن أبي الدنيا،1 والعُقيلي،2 والطبراني،3 وابن عدي،4 والبيهقي،5 والخطيب،6 من طريق الجارود بن يزيد، عن بَهز بن حكيم، عن أبيه حكيم بن معاوية، عن جده معاوية بن حيدة رضي الله عنه، مرفوعًا، بألفاظ متقاربة: «أترعون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه يحذره الناس». وهذا هو الطريق الذي عرف به الحديث عند المتقدمين.
والجارود بن يزيد ساقط الحديث؛ قال البخاري: «منكر الحديث»، وكان أبو أسامة يرميه بالكذب، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال أبو داود: «غير ثقة»، وقال النسائي والدارقطني: «متروك»، وقال أبو حاتم: «كذاب».7 ولهذا لم يكتف النقاد بقولهم إن إسناده ضعيف، بل جعل العُقيلي هذا الحديث من مناكيره، وحكم ابن حبان بأن أصله باطل.
وقد روي الحديث عن بَهز من طرق أخرى؛ منها طريق سليمان بن عيسى السِّجزي، عن الثوري، عن بَهز، وطريق عَمرو بن الأزهر، عن بَهز، وغيرهما، لكن ابن حبان،8 والبيهقي،9 بينوا أن هذه الطرق لم تثبت، وأن جماعة من الضعفاء سرقوا الحديث من الجارود ثم ركبوه على أسانيد أخرى. ولذلك لا تعد هذه الطرق متابعات أصلًا؛ إذ المتابعة المسروقة أو المركبة لا تقوي الحديث، بل تزيد قرينة الوضع قوة.
لكن بقي طريق مهم يحتاج إلى مناقشة؛ رواه الطبراني في «الأوسط»10 و«الصغير»11 من طريق عبد الله بن محمد بن أبي السَّري العسقلاني، عن أبيه محمد بن المتوكل بن أبي السَّري، عن عبد الوهاب بن هَمّام أخي عبد الرزاق، عن مَعمر، عن بَهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا بلفظ: «حَتَّى مَتَى تَزَعُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟ اهْتِكُوهُ حَتَّى يَحْذَرَهُ النَّاسُ». وقال الطبراني: «لم يروه عن معمر إلا عبد الوهاب بن همام»، وفي «الأوسط»: «تفرد به محمد بن أبي السري».12
وهذا الطريق هو الذي قد يوهم أن الجارود قد توبع متابعة مستقلة، وهو أيضًا مأخذ تحسين الهيثمي فيما يظهر؛ لكن التحقيق أنه لا يصلح لمعارضة حكم النقاد المتقدمين.
فعبد الوهاب بن هَمّام ليس متهمًا؛ وثقه ابن معين مع قوله: «كان مغفلًا»، وقال يعقوب الفَسوي: «ليس بالقوي»، وذكره ابن حبان في الثقات. فالعلة لا يصح تعليقها عليه وحده.
لكن الطريق لم يثبت عن عبد الوهاب بثبوت يحتج به؛ فلم يروه عنه إلا محمد بن أبي السَّري فيما وقفت عليه، وهو محمد بن المتوكل العسقلاني، وقد وثقه ابن معين، لكن قال أبو حاتم: «لين الحديث»، وقال ابن عدي: «كثير الغلط»، وقال ابن حجر: «صدوق عارف له أوهام كثيرة».13 وفوقه في الطريق ابنه عبد الله بن محمد بن أبي السري، ولم أقف له على توثيق معتبر، فهو مجهول الحال.
وهنا تظهر قرينة نقدية أقوى من مجرد ضعف أفراد هذا الإسناد: هذا خبر اشتهر عند أئمة النقد بأنه من بلايا الجارود عن بَهز، حتى قال العُقيلي: «ليس له من حديث بهز أصل»، وقال ابن حبان: «الخبر في أصله باطل»، وقال البيهقي: إن من رواه عن غير الجارود من الضعفاء إنما سرقه منه، وقال الدارقطني بالوضع. ثم يأتي بعد ذلك وجه غريب جدًا ينقل الحديث عن مَعمر، لا يعرفه أصحاب مَعمر المشهورون، ولا أصحاب بَهز، ويتفرد به محمد بن أبي السري - وهو كثير الغلط - من طريق ابنه المجهول. فهذا لا يصلح أن يقلب حكم النقاد المتقدمين، بل هو أشبه بالطرق التي حذروا منها في هذا الحديث.
ولا يكفي هنا قول الهيثمي: «رجاله موثقون»؛ لأن محل العلة ليس مجرد البحث عن توثيق كل رجل مفردًا، بل في تاريخ هذا الحديث وتفرده ونكارته وانتقاله بين أسانيد لم يعرفه بها الحفاظ. فالحكم على ظاهر رجال طريق مَعمر لا يجيب عن قول العُقيلي: «ليس له أصل»، ولا عن حكم ابن حبان والدارقطني والبيهقي على مجموع طرقه.
ولهذا كان تحسين أبي إسماعيل الهروي أيضًا مبنيًا على اعتبار الطرق متابعات، وقد نبه النقاد إلى أن هذه المتابعات ليست حقيقية؛ لأن بعضها سرقات من طريق الجارود، وما لم يثبت أنه مستقل لا يصلح أن يعضده.
فالحديث أصله المعروف عن الجارود بن يزيد، عن بَهز بن حكيم، والجارود متهم بالكذب ومتروك، وقد حكم أئمة العلل على هذا الخبر بعينه بأنه لا أصل له، وبأن الطرق الأخرى عن بَهز مسروقة أو باطلة. وأما الطريق الظاهر عن مَعمر فلا ينهض لمعارضة ذلك؛ لأنه غريب جدًا عن مَعمر، تفرد به محمد بن أبي السري عن عبد الوهاب بن همام، وفي الطريق ابنه عبد الله وهو مجهول الحال، ومحمد نفسه كثير الغلط، فضلًا عن مخالفة هذا الوجه للحكم النقدي القديم بأن الحديث لا أصل له عن بَهز.