1سنن أبي داود (رقم 816 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2نتائج الأفكار (443/1)
3خلاصة الأحكام (1/ 389 رقم 1226)
4الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (2/ 444)
5صحيح سنن أبي داود (رقم 816)
6
رواه أبو داود،1 والبيهقي،2 من طريق عبد الله بن وَهب، عن عَمرو بن الحارث، عن سَعيد بن أبي هِلال، عن مُعاذ بن عبد الله بن خُبيب الجهني، أن رجلًا من جهينة أخبره أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح سورة الزلزلة في الركعتين كلتيهما، ثم قال الرجل: «فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا». وهذا هو الوجه الموصول محل التخريج.
وخالف سَعيدَ بن أبي هِلال سَعدُ بن سعيد الأنصاري؛ فرواه أبو داود في «المراسيل»،3 وعلي بن حجر،4 والمستغفري،5 من طرق عن سَعد بن سعيد، عن مُعاذ بن عبد الله بن خُبيب، عن سعيد بن المُسيب، أن رسول الله ﷺ صلى الفجر فقرأ في الركعة الأولى بـ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ ثم أعادها في الثانية، مرسلًا. وقد رواه عن سَعد جماعة، منهم أبو معاوية محمد بن خازم، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن نُمير؛ فالإرسال محفوظ عن سَعد، وليس وهمًا من راو واحد دونه.
فالحديث يدور على مُعاذ بن عبد الله بن خُبيب، واختلف عنه على وجهين: رواه سَعيد بن أبي هِلال، عن مُعاذ، عن رجل من جُهينة، عن النبي ﷺ. ورواه سَعد بن سعيد، عن مُعاذ، عن سعيد بن المُسيب، عن النبي ﷺ مرسلًا.
ومُعاذ بن عبد الله نفسه صدوق، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال الدارقطني: «ليس بذاك»6 وقال ابن حجر: «صدوق ربما وهم». 7
والنظر في الاختلاف لا يصح أن يقتصر على قاعدة: «المرسل أصح»؛ لأن الراويين عن مُعاذ متفاوتان. فسَعيد بن أبي هِلال أوثق من سَعد بن سعيد في الجملة. وسَعد بن سعيد قد تكلم الأئمة في حفظه؛ ضعفه أحمد، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وتكلم فيه الترمذي من جهة الحفظ. ولذلك فإن كون روايته المرسلة محفوظة عنه لا يلزم منه أن تكون أرجح من رواية سَعيد بن أبي هِلال الموصولة؛ غاية ما تثبته أنها وجه آخر ثابت عن مُعاذ.
وهذه نقطة مهمة: كثرة من روى المرسل عن سَعد لا تجعل سَعدًا أحفظ من سَعيد بن أبي هِلال؛ فهي تثبت أن سَعدًا حدث به هكذا، ولا تحسم أي الروايتين عن مُعاذ هي المحفوظة.
ومن جهة أخرى، لا يصح أن نجزم بأن الوجهين لا يمكن اجتماعهما؛ فقد يكون مُعاذ سمع أصل القصة من سعيد بن المُسيب مرسلًا، وسمعها كذلك من رجل من جُهينة يذكر سماعه من النبي ﷺ. ولا توجد عندنا قرينة قاطعة تمنع تعدد المخرج. ولذلك فدعوى الاضطراب وحدها لا تكفي لإسقاط الموصول.
ويبقى الإشكال الأهم في الطريق الموصول: قول مُعاذ: «أن رجلًا من جُهينة أخبره أنه سمع النبي ﷺ». فهذا الرجل غير مسمى، ولم يقل مُعاذ: «رجل من أصحاب النبي ﷺ». ومن ثم ناقش بعض الباحثين دعوى أن جهالته لا تضر، وقالوا: مجرد قول مجهول «سمعت النبي ﷺ» لا يكفي وحده لإثبات صحبته وعدالته؛ لأن ثبوت الصحبة لا ينبغي أن يبنى على دعوى الرجل لنفسه فقط. وهذه علة معتبرة لا ينبغي تجاهلها.
لكن في مقابل ذلك، ظاهر الرواية أن الرجل يخبر عن سماع مباشر من النبي ﷺ، وقد تلقى جماعة من أهل الحديث هذا الإسناد بالقبول؛ فأصلحه أبو داود، ووصف ابن حجر رجاله بالتوثيق، كما أن المُرسل عن سعيد بن المُسيب، وإن كان طريقه أضعف من الموصول، يشهد لأصل القصة من جهة أخرى عن مُعاذ، فلا يبقى المتن غريبًا مجردًا لا يعرف إلا من دعوى الرجل المجهول.
ولا أرى أن رواية سَعد المرسلة تصلح لإعلال الموصول إعلالًا قاطعًا؛ لأن سَعدًا دون سَعيد بن أبي هِلال في الضبط.
فالراجح عندي أن الحديث مرفوع حسن: طريق سَعيد بن أبي هِلال هو أقوى الوجهين عن مُعاذ، والوجه المرسل لا يكفي لإسقاطه، لكنه مع جهالة الرجل الجهني يمنع من التشدد في تصحيحه. ومن ثم فتحسينه أقرب عندي من تصحيح الإسناد على الإطلاق، كما أن تضعيف الحديث لمجرد رواية سَعد المرسلة بعيد؛ لأن المقارنة بين الراويين تميل إلى سَعيد بن أبي هِلال.
وأما قوله: «فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا»، فهو من كلام الرجل الجهني الراوي، لا من كلام النبي ﷺ، وهو نفسه متردد في سبب التكرار. ولذلك فالحديث -على ثبوته- يثبت وقوع قراءة سورة الزلزلة في الركعتين مرة، لكنه لا يثبت أن النبي ﷺ قصد تخصيص صلاة الفجر بتكرار سورة الزلزلة، ولا أنه اتخذ ذلك سنة راتبة؛ لأن الراوي نفسه لم يدر أكان عن قصد أم عن نسيان.
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (رقم 816 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2السنن الكبرى للبيهقي (390/2)
3المراسيل لأبي داود (ص93 رقم 40)
4حديث علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر (ص473 رقم 418)
5فضائل القرآن للمستغفري (681/2 رقم 1009-1010)
6
(يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ) المراد صلاة الفجر، (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾) أي سورة الزلزلة كاملة، (فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) قرأ السورة نفسها بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية، (فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا) شك الراوي هل وقع التكرار نسيانًا أم تعمده النبي ﷺ، ولذلك لا يصح جعل الحديث دليلًا على استحباب تخصيص الفجر بتكرار هذه السورة؛ وإنما غايته إثبات أن ذلك وقع منه ﷺ مرة على الراجح.
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (2/ 510)