تخريج حديث 2004: «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ…»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
ثَلَاثٌ فِيهِنَّ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ: السَّنَا وَالسَّنُوتُ.”
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
ثَلَاثٌ فِيهِنَّ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ: السَّنَا وَالسَّنُوتُ.”
أورده الضياء في «المختارة»1 وذكر أن محمد بن عُمارة روى عنه مالك وغيره، ووثقه يحيى بن معين. وحسنه الألباني.2
لكن أبا حاتم نبه على خطأ وقع في تسمية شيخ محمد بن عُمارة في بعض الروايات؛ فليس هو عبد الله بن عبد الرحمن أبو طُوالة، وإنما هو عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة.3 وقال الدارقطني: «تفرد به محمد بن عمارة الحَزمي عن عبد الله عن عمه أنس».4
رواه النسائي،1 وابن لال،2 وأبو نُعيم،3 والضياء،4 من طريق حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عمه أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا. وفيه: «ثلاث فيهن شفاء من كل داء إلا السام: السنا والسنوت»، قال محمد بن عُمارة: «ونسيت الثالثة»، ثم سئل النبي ﷺ عن السنوت فقال: «لو شاء الله لعرفكموه».
ورواه عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، عن محمد بن عُمارة، واختلف في تسمية شيخ محمد؛ فروى إسحاق بن موسى الأنصاري هذا الحديث فقال: عن محمد بن عُمارة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس. فسأل ابن أبي حاتم أباه عن ذلك، فقال أبو حاتم: «ليس هو: عبد الله بن عبد الرحمن، أبو طُوالة؛ إنما هو: عبد الله بن أبي طلحة»، ثم كشف سبب الوهم فقال: «وكان حدث بهذا الحديث إسحاق بن موسى بين أحاديث عاصم بن عبد العزيز، عن محمد بن عمارة، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة».5
وهذا من دقائق العلل؛ فأبو حاتم لم يعل أصل الحديث، ولا رفعه، ولا محمد بن عُمارة، وإنما كشف انتقال اسم راوٍ من أسانيد مجاورة إلى إسناد هذا الخبر؛ لأن محمد بن عُمارة يروي فعلًا عن أبي طُوالة عبد الله بن عبد الرحمن، وكانت هذه الرواية واقعة بين أحاديث بذلك الإسناد، فدخل اسم أبي طُوالة في هذا الحديث، والصواب «عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة»، وهو الوجه الذي حفظه حاتم بن إسماعيل وأخرجه النسائي وغيره.
وبذلك يتبين أن كلام أبي حاتم يقوي تحرير الطريق ولا يضعفه؛ فالرواية المحفوظة توافق ما أثبته أبو حاتم: محمد بن عُمارة، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس.
فالحديث يدور على محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عمه أنس. وقد نص الدارقطني على تفرد محمد بن عُمارة به عن عبد الله.6 ورواه عن محمد حاتم بن إسماعيل، كما جاء عنه من طريق عاصم بن عبد العزيز، فتعدد الرواة عن محمد يثبت الحديث عنه، لكنه لا يزيل تفرده عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة.
وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ثقة؛ قال يحيى بن معين: «إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأخواه إسماعيل وعبد الله ثقات»، وقال أبو زرعة والنسائي: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صالح».7 فلا إشكال في طبقته ولا في روايته عن عمه أنس.
وموضع النظر الحقيقي هو محمد بن عُمارة؛ فقد وثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث، ليس بذاك القوي»، وذكره ابن حبان في «الثقات».8 فهو ليس ضعيفًا ساقطًا، ولا هو من طبقة الحفاظ الذين يقبل كل تفرد لهم بلا نظر؛ بل حديثه يدور بين القبول والتحسين إذا لم يخالف ولم يأت بمنكر.
وهذا الحديث من أفراده كما نص الدارقطني، ومتنه فيه إطلاق واسع: «شفاء من كل داء إلا السام»، ولذلك لا يصح رفعه إلى مرتبة الصحيح بمجرد سلامة ظاهر الإسناد؛ فتفرد محمد بن عُمارة، مع قول أبي حاتم فيه: «ليس بذاك القوي»، يقتضي التوقف عن التصحيح لذاته. لكن لا تظهر في الخبر مخالفة لثقة أحفظ، ولم يعل أبو حاتم أصل الحديث، بل صحح اسم راويه، كما أن للخبر أصلًا من صحابي آخر.
فقد روي عن أبي أُبيّ ابن أم حرام رضي الله عنه مرفوعًا: «عليكم بالسنا والسنوت؛ فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام». رواه ابن ماجه،9 والطبراني،10 والحاكم،11 من طريق عمرو بن بكر السَّكسكي، عن إبراهيم بن أبي عَبلة، عن أبي أُبيّ. وصححه الحاكم، لكن تصحيحه لا يستقيم من هذا الطريق؛ فعمرو بن بكر شديد الضعف، قال ابن عدي: له أحاديث مناكير، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الأوابد والطامات ولا يحل الاحتجاج به.12 وقال الذهبي: «واه»، وقال: «أحاديثه شبه موضوعة».13 فلا يصلح طريق عمرو وحده شاهدًا.
لكن عمرو بن بكر لم ينفرد بأصل الخبر عن إبراهيم بن أبي عَبلة؛ فرواه أبو نُعيم،14 من طريق إبراهيم بن محمد الفريابي، عن شَدّاد بن عبد الرحمن الأنصاري وعمرو بن بكر، كلاهما عن إبراهيم بن أبي عَبلة، عن أبي أُبيّ، مرفوعًا. فمتابعة شداد تزيل تفرد عمرو بأصل الحديث.
وأوضح من ذلك ما رواه البيهقي،15 من طريق عبد الله بن مروان بن معاوية، قال: سمعت شَدّاد بن عبد الرحمن -من ولد شداد بن أوس- قال: حدثني إبراهيم بن أبي عَبلة، قال: انطلقت مع ابن الديلمي حتى دخلنا على أبي أُبيّ الأنصاري، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «السنا والسنوت فيهما دواء من كل داء». ثم قال البيهقي: «ورواه عمرو بن بكر بن تميم عن إبراهيم بن أبي عبلة وزاد فيه: إلا السام».16
وهذه الرواية تثبت أصل «السنا والسنوت فيهما دواء من كل داء» من غير طريق عمرو بن بكر، لكنها تدل أيضًا على أن زيادة «إلا السام» في طريق أبي أُبيّ انفرد بها عمرو بن بكر المتروك، فلا يصح اتخاذ طريق أبي أُبيّ شاهدًا مستقلًا لهذه الزيادة خاصة. وإنما يصلح شاهدًا لأصل فضل السنا والسنوت وكونهما دواء.
فالحديث عن أنس مداره على محمد بن عُمارة، وقد تفرد به عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة. ومحمد مختلف فيه، لكنه أقرب إلى الصدق والقبول؛ وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث، ليس بذاك القوي»، ولم يعل أبو حاتم هذا الخبر من جهة رفعه أو متنه، وإنما صحح خطأ وقع في اسم شيخ محمد، وهذا فرق مهم. كما جاء أصل المتن من حديث أبي أُبيّ بطريق آخر لا يمر بمحمد بن عُمارة، وإن كانت زيادة «إلا السام» في ذلك الطريق غير محفوظة إلا من رواية عمرو بن بكر. لذلك لا يظهر لي تصحيح حديث أنس لذاته مع تفرد محمد بن عُمارة بهذا المتن الواسع، ولا تضعيفه مع قبول محمد عند جماعة وعدم وجود مخالفة، ومع وجود أصل مستقل يشهد لمعناه.
(ثَلَاثٌ فِيهِنَّ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ) ذكر النبي ﷺ ثلاثة أشياء فيها نفع وشفاء، ونسي محمد بن عُمارة الثالث، و«السَّام» الموت. و(كل) على الأغلب كقول ربنا :﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فهي لم تدمر كل شيء. (السَّنَا) نبات معروف يستعمل في التداوي، ولا سيما في تليين البطن، (وَالسَّنُوتُ) اختلف أهل اللغة في تفسيره، فقيل: الشِّبِت، وقيل: العسل، وقيل غير ذلك، ولم يحفظ في الحديث المرفوع تفسير قاطع له؛ بل جاء في بعض الروايات تفسيره عن إبراهيم بن أبي عَبلة أو من دونه، (وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ) هذا من كلام محمد بن عُمارة، فالمحفوظ من الحديث اثنان من الثلاثة، ولم يثبت تعيين الثالث من هذا الطريق.