تخريج حديث 2005: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ.”
رواه البخاري من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ».1 وهذا هو اللفظ المذكور.
ورواه أحمد،2 ومسلم،3 وابن حبان،4 من طريق وَرْقاء، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ».
فطريق مالك ووَرْقاء يلتقيان في أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، واختلف اللفظ بينهما: رواه مالك بـ«حُجِبَت»، ورواه وَرْقاء بـ«حُفَّت»، ولا تعارض بينهما؛ فالحجاب ساتر للشيء، والحِفاف ما أحاط به، والمعنى متقارب.
وجاء عن أبي هريرة من طريق آخر يفسر معنى «حُفَّت»؛ رواه أحمد، وأبو داود،5 والترمذي،6 والنسائي،7 من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا في قصة خلق الجنة والنار، وفيه أن الله أمر بالجنة «فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ»، وأمر بالنار «فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ». وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».8
وثبت أصل الحديث عن أنس؛ رواه مسلم،9 والترمذي،10 من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت وحُميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».
فالحديث عن أبي هريرة ثابت من الطريق الصحيح المشهور: أبي الزِّناد، عن الأعرج، عنه؛ رواه عن أبي الزِّناد مالك بلفظ «حُجِبَت»، ووَرْقاء بلفظ «حُفَّت»، وكلا اللفظين يؤدي المعنى نفسه، ولا اختلاف بينهما يوجب التعليل. ثم جاء عن أبي هريرة من طريق آخر، عن أبي سلمة، ما يثبت أن الجنة حُفَّت بالمكاره والنار حُفَّت بالشهوات، وثبت أصل الخبر كذلك من حديث أنس بإسناد صحيح. فلا تظهر في الحديث علة مؤثرة، واللفظ المذكور محفوظ من رواية مالك، عن أبي الزِّناد.
(حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) أي جُعلت الشهوات المحرمة وما يجر إلى المعصية حجابًا أمام النار، فمن استرسل معها واقتحمها وصل إلى ما وراءها، (وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ) أي جُعل بينها وبين العبد ما تشق على النفس مباشرته من الطاعات والصبر عن المحرمات ومجاهدة الهوى، فمن صبر عليها وصل إلى الجنة. وليس المراد ذم كل شهوة؛ فإن من الشهوات ما أباحه الله، وإنما المذموم ما حرمه الشرع أو أدى إلى ترك واجب.