قال البوصيري: «هذا إسناد حسن، شَهر وسويد مختلف فيهما، وباقي رجال الإسناد ثقات».1 وحسنه الألباني في «صحيح الأدب المفرد».2 وقال محققو المسند: «حسن بشواهده، وهذا إسناد ضعيف لضعف شهر بن حوشب».3
لكن للألباني حكم آخر بتضعيفه؛ فضعفه في «السلسلة الضعيفة».4 وكذلك حكم على إسناده بالضعف في تخريج «مشكاة المصابيح»5 ثم حسن الحديث في مواضع أخرى بالنظر إلى شواهده.6 وضعف إسناده العدوي.7
المصادر والمراجع
1مصباح الزجاجة (273/3)
2صحيح الأدب المفرد (رقم 246 ط دار الصديق)
3مسند أحمد (575/45 رقم 27599 ط الرسالة)
4السلسلة الضعيفة (رقم 1861 ط مكتبة المعارف)
5هداية الرواة (رقم 4799)
6
رواه إسحاق بن راهويه،1 وأحمد،2 والبخاري في «الأدب المفرد»،3 وابن ماجه -مختصرًا-،4 والطبراني،5 والبيهقي،6 من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن شَهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، مرفوعًا.
فهذا هو مدار حديث أسماء: عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن شَهر، عنها. وقد ثبت هذا الطريق عن ابن خُثيم من رواية جماعة؛ فرواه عنه مَعمر، وبِشر بن المفضل، وداود بن عبد الرحمن العطار، ويحيى بن سُليم، وإسماعيل بن عياش، فلا علة فيما دون ابن خُثيم.
وعبد الله بن عثمان بن خُثيم مقبول الحديث، بل وثقه جماعة من النقاد؛ قال يحيى بن معين: «ثقة حجة»، وقال العجلي: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «ما به بأس، صالح الحديث»، وقال النسائي في موضع: «ثقة»، وقال في موضع آخر: «ليس بالقوي».7 فمثله يحتج به في مرتبة الحسن، ولا يظهر في هذا الخبر أنه خالف من هو أوثق منه.
وموضع النظر إنما هو شَهر بن حوشب، وقد اختلف فيه النقاد؛ فضعفه موسى بن هارون، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال أبو حاتم: «لا يحتج به»، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه.8 لكن في مقابلة ذلك وثقه أحمد وقال: «ما أحسن حديثه»، وقال في موضع آخر: «ليس به بأس»، وقال البخاري: «شهر حسن الحديث» وقوى أمره، وقال يحيى بن معين: «ثقة»، وفي رواية: «ثبت»، وقال أبو زرعة: «لا بأس به».9
والأهم هنا أن أحمد لم يكتف بالحكم العام عليه، بل قال في روايته عن أسماء بنت يزيد خاصة: «وروى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانًا».10 وشَهر مولى أسماء بنت يزيد، وقد صرحت بعض طرق هذا الحديث بسماعه منها؛ ففي رواية ابن ماجه: «عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله ﷺ...».11 وفي رواية البيهقي: «عن أسماء بنت يزيد حدثته».12 فلا إشكال في أصل اتصاله بها.
ورُوي الحديث عن شَهر على وجه آخر؛ رواه أحمد،13 وأبو نعيم،14 من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، عن شَهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، يبلغ به النبي ﷺ، بلفظ: «خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ».
وهذا الوجه مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن غَنْم لم يذكر الصحابي. لكنه لا يصلح وحده لإعلال رواية أسماء؛ إذ ليس الاختلاف واقعًا على شيخ واحد عن شَهر، بل رواه ابن خُثيم عنه عن أسماء، ورواه ابن أبي حُسين عنه عن عبد الرحمن بن غَنْم، ومن الجائز أن يكون شَهر سمع المتن من الوجهين، لا سيما أنه قد لقي أسماء وروى عنها، ولم أقف على إمام من المتقدمين رجح رواية عبد الرحمن على رواية أسماء أو حكم بأن ذكر أسماء وهم.
ومع ذلك فوجود الوجهين يمنع من المبالغة في تصحيح الخبر؛ لأن شَهرًا معروف بالأفراد والأوهام، وقد قال صالح بن محمد البغدادي فيه: إنه «روى أحاديث يتفرد بها لم يشركه فيها أحد»، وذكر له غرائب.15 فهذه قرينة تجعل رتبة الحسن أنسب من الصحيح.
وله طريق مستقل من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه؛ رواه الخرائطي من طريق مروان بن معاوية، عن محمد بن أبي موسى، عن هُبيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك الأشعري، مرفوعًا بنحوه.16 وهذا الطريق لا يستقل بالحجة؛ فإن محمد بن أبي موسى لم يتبين حاله، وهُبيرة بن عبد الرحمن لم يوثقه إلا ابن حبان، ولذلك إسناده ضعيف، لكنه مستقل عن شَهر بن حوشب، فيستأنس به ولا يجعل أصل التصحيح عليه.
ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، من طريق ابن لَهيعة، عن محمد بن عَجلان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، عن ابن عمر، مرفوعًا.17 وهذا ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، مع عدم ثبوت سماع ابن أبي حُسين من ابن عمر، فلا يصلح طريقًا قويًا للمتابعة.
وله شاهد من حديث عُبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ رواه البزار،18 والشاشي،19 من طريق يزيد بن ربيعة، عن يزيد بن أبي مالك، عن الأزهر، عن عبادة، مرفوعًا. ويزيد بن ربيعة متروك؛ ولذلك قال الهيثمي: «فيه يزيد بن ربيعة وهو متروك».20 فهذا الطريق شديد الضعف، ولا يعتمد عليه في التقوية.
فالحديث من طريق أسماء يدور على شَهر بن حوشب، عن أسماء، وقد رواه عنه عبد الله بن عثمان بن خُثيم، وحُفظ عن ابن خُثيم من طرق متعددة، فلا علة فيما دونه. وابن خُثيم مقبول بل وثقه جماعة، وإنما محل البحث شَهر، وهو مختلف فيه، وليس ساقط الحديث؛ فقد وثقه أحمد وابن معين والعجلي، وقوى البخاري أمره، وفي المقابل ضعفه آخرون ولم يجعلوه حجة. ويقوي طريقه هنا خصوصًا أن أسماء مولاته، وأن أحمد وصف أحاديثه عنها بأنها «حسان». وأما روايته للمتن عن عبد الرحمن بن غَنْم مرسلًا فلا تكفي وحدها للحكم بوهم روايته عن أسماء؛ لعدم ورود ترجيح من أئمة العلل بين الوجهين، وإمكان تعدد السماع. أما الشواهد من أبي مالك وابن عمر وعُبادة ففيها ضعف متفاوت، وأقواها طريق أبي مالك، لكنها لا تستقل. فأقوى حجة للتضعيف هي حال شَهر والاختلاف عليه، وأقوى حجة للتحسين ثبوت طريق أسماء عنه من جهة ابن خُثيم، وتصريح أحمد بحسن أحاديثه عن أسماء، مع تقوية البخاري ويحيى بن معين لشَهر، وانضمام الطرق الأخرى إلى أصل الخبر. فالراجح: مرفوع حسن، ولا يبلغ الصحيح.
المصادر والمراجع
1مسند إسحاق بن راهويه (180/5 رقم 24 ت عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي)
2مسند أحمد (575/45 رقم 27599 ط الرسالة)
3الأدب المفرد (ص119 رقم 323 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4سنن ابن ماجه (1379/2 رقم 4119 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5المعجم الكبير (167/24 رقم 423 ت حمدي بن عبد المجيد السلفي)
6
(أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟) ألا أخبركم بأفضل الناس وأحسنهم حالًا وأثرًا (الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا، ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى) الذين تظهر عليهم آثار الإيمان والتقوى والسكينة، فإذا رآهم الناس تذكروا الله وطاعته، لما يرونه من صلاح سمتهم واستقامتهم، لا لمجرد الهيئة واللباس (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟) ألا أخبركم بأسوأ الناس أخلاقًا وأشدهم فسادًا بين الخلق (الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ) الذين ينقلون الكلام بين الناس بقصد الإفساد وإشعال العداوة، فيحملون إلى هذا ما قاله ذاك ليوقعوا بينهم (الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ) الذين يسعون بالتفريق بين المتحابين، من زوجين أو أقارب أو أصدقاء، بالكذب والنميمة وإثارة الشكوك (الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ) الذين يطلبون للأبرياء المشقة والفساد والاتهام، ويلتمسون لهم الزلات ليوقعوهم في البلاء، و«الْعَنَتَ» المشقة والهلاك والفساد.
في الحديث أن صلاح الإنسان يعرف بأثره في الناس؛ فخيارهم من يذكرك بالله حاله، وشرارهم من يعيش على نقل الكلام وتمزيق القلوب وتتبع الأبرياء. ومن كان حضوره يجمع القلوب فهو أقرب إلى الخير، ومن كان دخوله بين اثنين يورث العداوة فليخف على نفسه من وصف الشرار.
صحيح الترغيب والترهيب (رقم 2824 ط مكتبة المعارف)
7المنتخب من مسند عبد بن حميد ت مصطفى العدوي (2/ 416 رقم 1578)
شعب الإيمان (444/13 رقم 10596 ط الرشد)
7تهذيب الكمال (280-282/15 رقم 3417 ت بشار عواد معروف)
8تهذيب الكمال (583-586/12 رقم 2781 ت بشار عواد معروف)
9تهذيب الكمال (584-585/12 رقم 2781 ت بشار عواد معروف)
10تهذيب الكمال (584/12 رقم 2781 ت بشار عواد معروف)
11سنن ابن ماجه (1379/2 رقم 4119 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
12شعب الإيمان (444/13 رقم 10596 ط الرشد)
13مسند أحمد (521/29 رقم 17998 ط الرسالة)
14معرفة الصحابة (1867/4 رقم 4700 ت عادل بن يوسف العزازي)
15تهذيب الكمال (585-586/12 رقم 2781 ت بشار عواد معروف)
16مساوئ الأخلاق للخرائطي (ص113 رقم 225)
17شعب الإيمان (77/9 رقم 6282 ط الرشد)
18البحر الزخار (158/7 رقم 2719 ط مكتبة العلوم والحكم)