قال الترمذي في حديث ثوبان: «هذا حديث حسن».1 وصحح الألباني أصل الحديث بمجموع طرقه،2 وحسنه آل عيد،3 وضياء الرحمن.4
لكن البخاري أعل طريق ثوبان؛ فسأله الترمذي: «سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟» فقال: «لا».5 وقال أحمد في سالم بن أبي الجعد: «لم يسمع من ثوبان ولم يلقه، بينهما مَعدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح».6 وقال أبو حاتم: «لم يسمع من ثوبان شيئًا، يدخل بينهما مَعدان».7 فهؤلاء الأئمة متفقون على أن رواية سالم عن ثوبان غير متصلة.
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (رقم 3094 ت بشار عواد معروف)
2صحيح سنن الترمذي (رقم 3094 ط مكتبة المعارف)
3فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (516/21 ط دار ابن الجوزي)
4الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (6/ 64)
5العلل الكبير للترمذي (ص163 ت صبحي السامرائي وآخرين)
6تهذيب الكمال (132/10 رقم 2177 ت بشار عواد معروف)
7المراسيل لابن أبي حاتم (ص80 ت شكر الله نعمة الله قوجاني)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 والبيهقي،2 من طريق شُعبة بن الحجاج، عن سَلْم بن عَطية الفُقيمي، قال: سمعت عبد الله بن أبي الهُذيل، قال: حدثني صاحب لي، أن رسول الله ﷺ قال: «تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، قال: فحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، قولك: «تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» ماذا؟ فقال: «لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الْآخِرَةِ».
وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن يبدأ به تحقيق هذا اللفظ؛ لأنه مستقل عن طريق ثوبان، ولا يمر بسالم بن أبي الجعد، فلا تلحقه علة الانقطاع التي نص عليها أحمد والبخاري وأبو حاتم.
وسَلْم بن عَطية الفُقيمي روى عنه شُعبة، وقال أبو حاتم: «شيخ يكتب حديثه»، وذكره ابن حبان في «الثقات».3 فهو ليس متروكًا ولا منكر الحديث، لكنه دون مرتبة الثقات الحفاظ الذين يحتج بتفردهم بمثل هذا الخبر، فحديثه صالح للاعتبار والتقوية.
وأما قول عبد الله بن أبي الهُذيل: «حدثني صاحب لي»، فالراوي مبهم، لكن سياق الخبر يدل على أنه من أصحاب النبي ﷺ؛ لأنه قال إنه انطلق مع عمر إلى رسول الله ﷺ، وسمع الخطاب منه، وجهالة الصحابي لا تضر بعد ثبوت صحبته.
وقد وقع في «الزهد» لأحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شُعبة: «عن سليمان -يعني ابن عبد الرحمن النخعي- عن عبد الله بن أبي الهذيل».4 وظاهر هذه الرواية أنها طريق آخر غير طريق سَلْم بن عَطية، لكن هذا غير محفوظ، وقد نبه صاحب «فضل الرحيم الودود» إلى أن «سليمان» تحريف من «سَلْم»، ثم فسر بعض الرواة أو النساخ الاسم بأنه «ابن عبد الرحمن النخعي»، فقال: «ففيه تحريف من سَلْم إلى سليمان، ثم أحد الرواة أو النساخ فسروا بأنه ابن عبد الرحمن النخعي، فرجع الإسناد إلى سَلْم بن عطية».5
وهذا تحرير مهم؛ فلا يجوز عد رواية «الزهد» متابعةً لسَلْم بن عَطية، ولا بناء تحسين الحديث على طريقين عن عبد الله بن أبي الهُذيل؛ إذ المحفوظ أنه طريق واحد، مداره على سَلْم.
وله طريق مشهور من حديث ثوبان رضي الله عنه؛ رواه أحمد،6 وابن ماجه،7 والترمذي،8 من طرق عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك، فأوضع على بعير فأدرك النبي ﷺ وأنا في أثره، فقال: يا رسول الله، أي المال نتخذ؟ فقال: «لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ» بألفاظ متقاربة.
وهذا الطريق ظاهره جيد، ولذلك حسنه الترمذي، لكن أئمة العلل كشفوا انقطاعه؛ فقد نفى البخاري سماع سالم من ثوبان.9 وكذلك أحمد، بل عين الواسطة بينهما فقال: «بينهما مَعدان بن أبي طلحة»، ثم قال: «وليست هذه الأحاديث بصحاح».10 ووافقهما أبو حاتم فنص على أنه لم يسمع من ثوبان شيئًا.11
وهذا التعليل لا يقف عند مجرد دعوى عدم السماع؛ فقد روي أصل الخبر عن سالم مرسلًا، فرواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن مَنصور بن المُعتمر، عن عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: لما نزلت هذه الآية في الذهب والفضة قال المهاجرون: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك، ثم ذكر سؤال النبي ﷺ، وفيه: «لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ».12
فهذه الرواية المرسلة تؤيد تعليل أحمد والبخاري وأبي حاتم؛ إذ روي الحديث عن سالم بلا ذكر ثوبان أصلًا. ومنهج النقاد هنا أوضح من الاكتفاء بظاهر الإسناد: الطريق الموصول لا يصح عن ثوبان، والمحفوظ عن سالم أنه لم يسمعه منه.
ولا يصح أن يقال: إن تحسين الترمذي يرفع هذه العلة؛ لأن الترمذي نفسه نقل عن البخاري نفي السماع، والنقد الخاص المتعلق باتصال الإسناد مقدم على الحكم الإجمالي بالحسن.
وقد عُزي حديث بمعناه إلى علي رضي الله عنه من طريق الثوري، عن أبي حُصين، عن أبي الضحى، عن جَعدة بن هُبيرة، عنه، وفيه: «تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، وعزاه بعض المصنفين إلى عبد الرزاق.1314 لكن الموجود في المطبوع من «تفسير عبد الرزاق» بهذا الإسناد هو قول علي رضي الله عنه في مقدار الكنز، ثم أورد عبد الرزاق بعده مرسل سالم بن أبي الجعد المتقدم.15
وجاء من حديث بُريدة رضي الله عنه بطريق الحكم بن ظُهير، عن علقمة بن مَرثد، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، بنحو معناه، وعزاه الزيلعي إلى ابن مردويه.16 والحكم بن ظهير متروك الحديث، فلا يصلح طريقه للتقوية.
ويشهد لبعض معنى الحديث حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة آية الكنز، وفيه أن النبي ﷺ قال لعمر: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ...».17 فهذا يشهد لفضل الزوجة الصالحة وأنها خير ما يدخره المرء، لكنه لا يشهد للفظ الحديث كله، ولا لخصوص اجتماع «اللسان الذاكر والقلب الشاكر والزوجة المعينة»؛ فهو شاهد لبعض المعنى فقط.
فالتحقيق أن طريق ثوبان لا يصح موصولًا؛ فقد اتفق أحمد والبخاري وأبو حاتم على أن سالم بن أبي الجعد لم يسمع منه، وجاءت الرواية المرسلة عن سالم بما يؤيد حكمهم، فلا يجوز تصحيح هذا الطريق بمحض ظاهر رجاله. وأما حديث الرجل من أصحاب النبي ﷺ فطريق مستقل عن طريق ثوبان، ومداره على سَلْم بن عَطية، وهو شيخ يكتب حديثه ويعتبر به، ورواية «سليمان بن عبد الرحمن» في «الزهد» ليست متابعة أخرى، بل هي تصحيف يرجع إلى سَلْم نفسه، كما حرره صاحب «فضل الرحيم الودود». فليس في الباب طريق صحيح مستقل، لكن لدينا طريق سَلْم وفيه ضعف محتمل، ومعه أصل محفوظ مرسلًا عن سالم بن أبي الجعد، وطريق ثوبان المعلول بالانقطاع، وما يشهد لبعض المعنى من غيرهما. وهذه الطرق لا تصحح بعضها على طريقة التساهل في جمع الأسانيد، لكنها ترفع خبر سَلْم -وضعفه غير شديد- إلى مرتبة الحسن لغيره. فالراجح: مرفوع حسن لغيره، مع بقاء حكم أئمة العلل على طريق ثوبان بأنه منقطع غير صحيح.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (38/ 189 رقم 23101 ط الرسالة)
2شعب الإيمان (2/ 105 رقم 584 ط الرشد)
3تهذيب الكمال (230-232/11 رقم 2432 ت بشار عواد معروف)
4الزهد لأحمد (رقم 104)
5فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (516/21 ط دار ابن الجوزي)
6مسند أحمد (رقم 22392 ط الرسالة)
7سنن ابن ماجه (596/1 رقم 1856 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
8سنن الترمذي (رقم 3094 ت بشار عواد معروف)
9العلل الكبير للترمذي (ص163 ت صبحي السامرائي وآخرين)
10تهذيب الكمال (132/10 رقم 2177 ت بشار عواد معروف)
11المراسيل لابن أبي حاتم (ص80 ت شكر الله نعمة الله قوجاني)
12تفسير عبد الرزاق (274/1 ط دار الكتب العلمية)
13تفسير القرآن العظيم (140/4 ت سامي بن محمد سلامة)
14تخريج أحاديث الكشاف (70/2 ت عبد الله بن عبد الرحمن السعد)
15تفسير عبد الرزاق (274/1 ط دار الكتب العلمية)
16تخريج أحاديث الكشاف (70/2 ت عبد الله بن عبد الرحمن السعد)
17سنن أبي داود (رقم 1664 ت شعيب الأرناؤوط)
شرح الحديث
(تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) أي الخسران والذم لمن جعل الذهب والفضة غايته، وكنزهما ومنع حق الله فيهما، وليس المقصود تحريم اقتنائهما أو المال في ذاته؛ فقد سأل الصحابة بعد ذلك عما ينبغي للإنسان أن يتخذه، (لِسَانًا ذَاكِرًا) أي لسانًا ملازمًا لذكر الله تعالى، وهو خير للعبد من المال الذي يشغله عن ربه، (وَقَلْبًا شَاكِرًا) قلبًا يعرف نعمة الله ويقر بها ويستعملها في مرضاته، (وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الْآخِرَةِ) زوجة صالحة تعين زوجها على الإيمان والطاعة والاستعداد للقاء الله، فهذه نعم يكون نفعها باقيًا في الدين والآخرة، بخلاف المال إذا صار سببًا للغفلة والكنز والبخل.
فوائد الحديث
أفضل ما يحرص عليه المسلم ما ينفعه في دينه وآخرته، لا مجرد كثرة المال.
ذكر الله باللسان وشكره بالقلب من أجل نعم الله على عبده.
الزوجة الصالحة من أعظم نعم الدنيا؛ لأنها تكون عونًا على الطاعة والاستقامة.
قيمة المال في الإسلام تابعة لاستعماله؛ فهو نعمة إذا أدى صاحبه حقه واستعان به على الخير، وقد يكون فتنة إذا شغله عن الله.
صلاح الأسرة يقوم على التعاون على الآخرة، لا على المصالح الدنيوية وحدها.