احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وأخرج ابن حبان في «صحيحه» شاهدًا له من حديث أبي هريرة بطريق آخر.3 وثبت معناه أيضًا من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.4
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (115/2 رقم 1442 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (700/2 رقم 1010 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3صحيح ابن حبان (124/8 رقم 3333 ت شعيب الأرناؤوط)
4صحيح ابن حبان (121/8 رقم 3329 ت شعيب الأرناؤوط)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 ومسلم،2 والنسائي في «الكبرى»،3 من طريق سليمان بن بلال، عن معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن أبي الحُباب سعيد بن يَسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
فهذا هو الطريق المحفوظ للفظ المذكور، وهو يدور على معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن سعيد بن يَسار، عن أبي هريرة، ورواه عن معاوية سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبت، وحُفظ عنه من غير وجه؛ فرواه عنه أبو بكر عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أُويس عند البخاري والنسائي، وخالد بن مَخلد عند مسلم.
ومعاوية بن أبي مُزَرِّد المدني ثقة، روى عنه مالك وسليمان بن بلال وغيرهما، واحتج به الشيخان. وأبو الحُباب هو سعيد بن يَسار المدني، ثقة، من رجال الجماعة. فلا يظهر في هذا الطريق موضع علة من انقطاع أو تفرد ممن لا يحتمل تفرده، ولم أقف على اختلاف مؤثر فيه رفعًا ووقفًا أو وصلًا وإرسالًا.
وله عن أبي هريرة طريق آخر مستقل يشهد لأصل دعاء الملكين؛ رواه أحمد،4 والنسائي في «الكبرى»،5 والطبراني،6 وابن حبان،7 من طريق حماد بن سَلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عَمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «إِنَّ مَلَكًا بِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضِ الْيَوْمَ يُجْزَ غَدًا، وَمَلَكًا بِبَابٍ آخَرَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».
وهذا طريق مستقل عن طريق معاوية بن أبي مُزَرِّد؛ فإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة، وعبد الرحمن بن أبي عَمرة ثقة، والإسناد متصل. لكنه شاهد للجملتين المتعلقتين بالمنفق والممسك، لا لنفس صدر الرواية: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان»، فلا ينبغي دمج اللفظين وكأنهما رواية واحدة.
وله شاهد مستقل من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه؛ رواه أحمد،8 وابن حبان،9 من طريق قَتادة، عن خُلَيد بن عبد الله العَصري، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، مرفوعًا: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ... وَلَا غَرَبَتْ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».
وخُلَيد بن عبد الله العَصري ذكره ابن حبان في «الثقات»، وروى عنه قَتادة وعوف الأعرابي وأبو الأشهب، وروى له مسلم وأبو داود.10 وطريقه يصلح شاهدًا قويًا لأصل دعاء الملكين، وإن كان حديث أبي هريرة لا يحتاج إليه في أصل صحته.
فاللفظ المذكور محفوظ من طريق سليمان بن بلال، عن معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن سعيد بن يَسار، عن أبي هريرة، وإسناده متصل برجال ثقات، وقد احتج به البخاري ومسلم، ولم يظهر فيه اختلاف يوجب التعليل، ولا وقف أو إرسال يعارض الرفع. ثم جاء عن أبي هريرة طريق مستقل من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة يثبت دعاء الملك للمنفق بالخلف وللممسك بالتلف، وجاء المعنى نفسه من حديث أبي الدرداء. فصحة الحديث ليست لمجرد إخراج الصحيحين له، بل لأن طريقه محفوظ سالم من العلة، وقد عضد أصل معناه أكثر من طريق مستقل.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (115/2 رقم 1442 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (700/2 رقم 1010 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3السنن الكبرى للنسائي (375/5 رقم 9178 ت حسن عبد المنعم شلبي)
4مسند أحمد (419/13 رقم 8054 ط الرسالة)
5السنن الكبرى للنسائي (425/10 رقم 11929 ت حسن عبد المنعم شلبي)
6المعجم الأوسط (380/8 رقم 8935 ط دار الحرمين)
7صحيح ابن حبان (124/8 رقم 3333 ت شعيب الأرناؤوط)
8مسند أحمد (52/36 رقم 21721 ط الرسالة)
9صحيح ابن حبان (121/8 رقم 3329 ت شعيب الأرناؤوط)
10تهذيب الكمال (172-173/8 رقم 1717 ت بشار عواد معروف)
شرح الحديث
(مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ) يخبر النبي ﷺ عن أمر غيبي يقع كل يوم، وهو نزول ملكين يدعوان بدعوتين متقابلتين، (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا) أي عوِّض من بذل ماله في وجوه الخير والحقوق المشروعة خيرًا مما أنفق؛ والخلف قد يكون في المال، أو في البركة، أو في الأجر، أو في مجموع ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) أي من أمسك ماله بخلًا عن الحقوق التي شرع الله بذلها فدعا عليه الملك بذهاب ما أمسك أو ذهاب بركته أو بما يكون جزاءً لإمساكه، وليس المراد أن كل من لم يتصدق كل يوم تطوعًا يستحق تلف ماله؛ وإنما الوعيد متوجه إلى الإمساك المذموم والبخل بالحقوق المشروعة.
فوائد الحديث
الإنفاق في وجوه الخير سبب للخلف والبركة، فلا ينبغي للمؤمن أن يمنعه الخوف من الفقر من البذل المشروع.
المال الذي يبذل في طاعة الله لا يضيع؛ فالله وعد بالخلف، ودعاء الملائكة للمنفق زيادة في البشارة.
البخل بالحقوق الواجبة سبب لمحق المال أو بركته، وإن بقيت صورته وكثر عدده.
الملائكة تدعو للمؤمنين بأمر الله، وفي ذلك فضل عظيم لمن كان من أهل الإنفاق.
الميزان في المال ليس بكثرته وحدها، وإنما ببركته وأداء حق الله تعالى فيه.