4الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (12/ 216)
5الصحيح المسند من الأحاديث القدسية (ص175 رقم 110)
6
رواه أحمد،1 والطبراني،2 والبيهقي،3 وأبو عبيد،4 من طرق عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه، مرفوعًا.
ومن أوضح ألفاظه رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، عن هشام بن سعد، عند أحمد، وفيها الحديث كاملًا: «إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة...».5 وكذلك رواه الليث بن سعد، عن هشام، بالسياق نفسه عند الطبراني.6 فصدر الحديث لم ينفرد به أبو عامر عن هشام، بل حفظه الليث أيضًا عنه.
وجاء عن هشام أيضًا مختصرًا من بعض الطرق، فاقتصر بعض رواته على قوله: «لو أن لابن آدم واديًا...» دون صدر «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة». وهذا اختلاف لفظ لا يكفي وحده للحكم على الزيادة بالنكارة؛ لأن الزيادة محفوظة عن هشام من أكثر من وجه، ومن رواية أبي عامر والليث، وحذف بعض الرواة جزءًا من الخبر محتمل في باب الرواية بالاختصار، ولا سيما مع اتحاد أصل الإسناد.
وهشام بن سعد هو موضع النظر في الوجه المحفوظ؛ فقد تكلم فيه النقاد من جهة الضبط، فقال أحمد: «ليس بمحكم الحديث»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وفي المقابل قال أبو زرعة: «شيخ محله الصدق»، وقال العجلي: «جائز الحديث، حسن الحديث»، وأهم من ذلك هنا قول أبي داود: «هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم».7 وهذا جرح وتعديل خاص بموضع الرواية، فلا يصح أن يعامل هشام في حديثه عن زيد كحديثه عمن لم يختص به؛ فقد أكثر عن زيد ولازمه حتى كان معروفًا بذلك.
وقد اختلف على زيد بن أسلم؛ فرواه هشام بن سعد عنه، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد. وخالفه ربيعة بن عثمان، فرواه عن زيد بن أسلم، عن أبي مُراوح، عن أبي واقد؛ رواه الطبراني،8 وأبو نعيم،9 من طريق ابن أبي فُديك، عن ربيعة بن عثمان، بهذا الوجه، وفيه المتن نفسه، ومنه: «قال الله عز وجل: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة...».
وهذا الوجه لا يُعد متابعة مستقلة لطريق هشام؛ لأن الاختلاف وقع على زيد بن أسلم نفسه: أهو عن عطاء بن يسار، أم عن أبي مُراوح؟ وقد عرض ابن أبي حاتم الوجهين على أبيه، فقال أبو حاتم بعد ذكر رواية ربيعة: «وحديث هشام أشبه».10 وفي موضع آخر قال: «إنما هو زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، عن النبي ﷺ».11 وكذلك جمع الدارقطني الاختلاف ثم قال: «وحديث هشام بن سعد أشبه بالصواب».12 فاتفقت كلمة أبي حاتم والدارقطني على أن الوجه المحفوظ عن زيد هو طريق عطاء بن يسار.
وهذا الترجيح مهم؛ فليس الأمر أن هشامًا تفرد بوجه وخالفه راو مثله ثم بقي الاختلاف بلا مرجح، بل نص إمامان من أئمة العلل على أن رواية هشام هي الأشبه بالصواب، ويؤيد ذلك اختصاص هشام بزيد، مع قول أبي داود إنه أثبت الناس فيه. ولذلك لا يصح إعلال الحديث بمجرد وجود طريق ربيعة؛ لأن النقد الخاص قد رجح أحد الوجهين.
وروي الوجه المحفوظ عن زيد من غير طريق هشام؛ فرواه محمد بن عبد الرحمن بن مُجَبَّر، عن زيد، عن عطاء، عن أبي واقد عند الطبراني،13 لكنه متروك أو شديد الضعف، فلا يُفرح بمتابعته، ولا ينبغي أن يجعل عمدة في تحسين الحديث. ورواه أيضًا عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني، والد علي بن المديني، عن زيد، عن عطاء، عن أبي واقد، وقد ذكر البيهقي هذا الوجه، إلا أن عبد الله بن جعفر ضعيف.14 فهاتان المتابعتان تؤيدان صورة الوجه الذي رجحه النقاد، لكنهما لا ترفعان الحديث بقوتهما الذاتية.
ويبقى النظر في صدر الحديث خاصة: «إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة»؛ لأن أصل قوله: «لو كان لابن آدم واديان...» ثابت من وجوه صحيحة كثيرة، فلا يجوز أن تُستعار صحة ذلك الأصل لإثبات هذه الزيادة الخاصة.
وقد جاء لهذه الزيادة شاهد مستقل من حديث عائشة رضي الله عنها؛ رواه أحمد،15 وأبو يعلى،16 والبيهقي،17 من طريق مُجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يتمثل إذا دخل البيت: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا... وما جعلنا المال إلا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ويتوب الله على من تاب».
وهذا الشاهد لا يصح بمفرده؛ لأن مجالد بن سعيد ضعيف، وقد ضعف شعيب الأرناؤوط خصوص هذه الزيادة في طريق عائشة، مع تصحيحه أصل «لو كان لابن آدم واديان...».18 لكنه شاهد مستقل لمعنى الزيادة، لا يمر بزيد بن أسلم ولا بهشام بن سعد، فيُعتبر به من جهة التقوية، دون أن يرتقي وحده إلى إثبات اللفظ القدسي «إن الله قال».
وأما أصل «لو كان لابن آدم واديان...» فهو صحيح محفوظ من غير هذا الطريق، ومن ذلك حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في صحيح مسلم: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب».19 وله شواهد صحيحة عن جماعة من الصحابة. لكن هذه الأحاديث تشهد لأصل ذم الشره والاستكثار من المال، ولا تشهد وحدها لصدر حديث أبي واقد: «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة».
فالحديث يدور على زيد بن أسلم، والمحفوظ عنه رواية هشام بن سعد، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد، كما رجحه أبو حاتم والدارقطني. ومخالفة ربيعة بن عثمان لا تُعد طريقًا ثانيًا يقوي الحديث؛ لأنها اختلاف على المدار نفسه، وقد رجح النقاد خلافها. أما متابعة ابن مُجَبَّر فشديدة الضعف، ومتابعة عبد الله بن جعفر ضعيفة، فلا يعتمد عليهما في أصل التصحيح.
وأقوى حجة لمن يصحح الحديث أن هشام بن سعد وإن تكلم فيه مطلقًا، فقد اختص بزيد بن أسلم، حتى قال أبو داود: «أثبت الناس في زيد بن أسلم»، ثم جاء النقد الخاص من أبي حاتم والدارقطني مؤيدًا لروايته في هذا الحديث بعينه، وحُفظ صدر المتن عنه من رواية أبي عامر والليث، فلا يظهر أنه زيادة انفرد بها راو واحد عنه. ولهذا كان تصحيح العراقي للحديث له مأخذ قوي.
وأقوى حجة لمن يضعفه أن المدار المحفوظ يبقى على هشام بن سعد، وهو دون طبقة الحفاظ المحتج بهم مطلقًا، والمتابعات التي توافقه ضعيفة، بينما الزيادة الخاصة «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» ليست موجودة في الشواهد الصحيحة الكثيرة لأصل «لو كان لابن آدم...»، وشاهد عائشة لهذه الزيادة يدور على مجالد، وهو ضعيف. فدعوى تصحيح جميع ألفاظ الحديث بمجرد «كثرة الشواهد» فيها توسع؛ لأن أكثر تلك الشواهد إنما تشهد لآخر الحديث لا لصدره.
والأقرب أن ترجيح أبي حاتم والدارقطني يثبت أن رواية هشام هي الوجه المحفوظ عن زيد، واختصاص هشام بزيد يرفع حديثه هنا عن الضعف المجرد، لكن ذلك لا يلزم منه بلوغه رتبة الصحيح؛ لأن هشامًا بقي فيه كلام من جهة الحفظ، ولا توجد متابعة قوية مستقلة لخصوص صدر الحديث. ومع وجود شاهد عائشة الضعيف لمعنى الزيادة، وحفظها عن هشام من أكثر من طريق، فمجموع ذلك يقتضي قبول الحديث في مرتبة الحسن.
فالراجح: الحديث مرفوع حسن، وأصل قوله «لو كان لابن آدم...» صحيح ثابت من طرق أخرى، أما صدره «إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» فثبوته حسن من حديث أبي واقد، لا صحيح بمجرد الشواهد العامة.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (237/36 رقم 21906 ط الرسالة)
2المعجم الكبير (247/3 رقم 3300، 3301)
3شعب الإيمان (271/7 رقم 10277، 10278)
4فضائل القرآن (ص322 ت مروان عطية وآخرين)
5مسند أحمد (237/36 رقم 21906 ط الرسالة)
6
(كنا نأتي النبي ﷺ إذا أنزل عليه فيحدثنا) يصف أبو واقد ملازمة الصحابة للنبي ﷺ وحرصهم على تلقي ما ينزل عليه من الوحي والعلم، (إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) المال نعمة جعلها الله قيامًا لمصالح العباد، ومن أعظم مقاصده أن يعين صاحبه على إقامة الدين وأداء حقوق الله، وخصت الصلاة والزكاة لعظم شأنهما، وليس المراد أن المال لا منفعة له إلا فيهما، (ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث) تصوير لطبيعة الحرص إذا استولى على القلب؛ فامتلاك الكثير لا يقطع شهوة الاستكثار، بل قد يزيدها، (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) يستمر طمع الإنسان في الزيادة ما لم يقمعه بالإيمان والقناعة، ولا ينقطع طلب الدنيا على التمام إلا بالموت، (ثم يتوب الله على من تاب) مع شدة هذا الطبع لم يغلق الله باب الرجوع، فمن تاب من الحرص والبخل وأدى حق المال تاب الله عليه.
المال في نفسه ليس مذمومًا، وإنما يمدح أو يذم بحسب اكتسابه وإنفاقه وأداء حق الله فيه.
من أجل مقاصد المال إعانة العبد على إقامة الفرائض وأداء الحقوق، وعلى رأسها الزكاة.
النفس إذا أطلقت لشهوة المال لم يقف طمعها عند حد، ولذلك كانت القناعة من أسباب صلاح القلب.
كثرة المال لا تعالج حرص النفس، وقد تزيده إذا لم يصحبها إيمان وشكر.
الشرع يحذر من الطمع، لكنه لا يغلق باب التوبة؛ فصلاح القلب ممكن بالرجوع إلى الله وأداء الحقوق.
مسند أحمد (237/36 رقم 21906 ط الرسالة)
المعجم الكبير (247/3 رقم 3301)
7تهذيب الكمال (208/30 ت بشار عواد معروف)
8المعجم الكبير (248/3 رقم 3303)
9معرفة الصحابة (761/2 رقم 2026)
10علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم 479)
11علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم 1817)
12علل الدارقطني (298/6 رقم 1153)
13المعجم الكبير (247/3 رقم 3302)
14شعب الإيمان (272/7 رقم 10281)
15مسند أحمد (321/40 رقم 24276 ط الرسالة)
16مسند أبي يعلى (381/6 رقم 4460 ت السناري)
17شعب الإيمان (498/12 رقم 9799 ط الرشد)
18مسند أحمد (321/40 رقم 24276 ط الرسالة)
19صحيح مسلم (726/2 رقم 1050 ت محمد فؤاد عبد الباقي)