صحح الحاكم إسناده فقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».1 وقال البوصيري في طريق عاصم بن ضمرة: «رواه إسحاق بن راهويه، ورواته ثقات».2
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (550/4)
2إتحاف الخيرة المهرة (98/8 رقم 7570)
رواه إسحاق بن راهويه كما في «المطالب العالية»،1 ونعيم بن حماد،2 وابن أبي شيبة،3 من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن الأعمش، عن مُنذر الثوري، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، موقوفًا. ولفظ إسحاق: «جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسَ فِتَنٍ: فِتْنَةٌ خَاصَّةٌ، ثُمَّ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ، ثُمَّ فِتْنَةٌ خَاصَّةٌ، ثُمَّ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ، ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، فَيَصِيرُ النَّاسُ فِيهَا كَالْبَهَائِمِ». وقد سأل إسحاق أبا أسامة عن هذا الإسناد فأقر به وقال: «نعم».4
ورواه يعقوب بن سفيان من طريق موسى بن عيسى، عن زائدة بن قدامة، عن الأعمش، عن مُنذر، عن عاصم، عن علي رضي الله عنه، موقوفًا.5 فتابع زائدة أبا أسامة على جعل شيخ مُنذر عاصم بن ضمرة.
وجاء من طريق آخر عن الأعمش؛ رواه أبو عمرو الداني من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، موقوفًا بنحوه.6 وأبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، إلا أن روايته هنا أسقطت مُنذرًا، بخلاف أبي أسامة وزائدة؛ فلا تجعل هذه الرواية طريقًا مستقلًا، وإنما هي اختلاف في إسناد الأعمش، والوجه بإثبات مُنذر أشهر وأحفظ.
واختلف أصحاب الأعمش فيمن روى عنه مُنذر الثوري هذا الخبر؛ فرواه شريك، وعبد السلام بن حرب، وسفيان الثوري، عن الأعمش، عن مُنذر، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي رضي الله عنه، موقوفًا. فرواه يعقوب بن سفيان من طريق أبي نعيم، عن عبد السلام،7 ورواه الحاكم من طريق الحسين بن حفص، عن سفيان الثوري.8 ورواه البغوي من طريق شريك.9
فقد اختلف على الأعمش في شيخ مُنذر: فقال أبو أسامة وزائدة: «عن مُنذر، عن عاصم بن ضمرة، عن علي»، وقال سفيان الثوري وعبد السلام وشريك: «عن مُنذر، عن محمد بن الحنفية، عن علي». وهذا اختلاف معتبر، لكن لا يقدح في أصل الأثر؛ لأن الوجهين جميعًا ينتهيان إلى علي رضي الله عنه، وعاصم بن ضمرة ومحمد بن الحنفية كلاهما معروف بالرواية عنه. ولا يلزم أن يكون أحد الوجهين وهمًا؛ لاحتمال أن مُنذرًا حمله عنهما، وإن كان طريق عاصم أشهر لكثرة الحفاظ الذين رووه بهذا الوجه.
وعاصم بن ضمرة مختلف فيه؛ وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين والعجلي، وقال النسائي: «ليس به بأس».10 لكن ابن حبان،11 وابن عدي،12 شددا في بعض أفراد حديثه عن علي، وخاصة ما يتفرد به أو يرفع فيه الموقوف، وهذه العلة لا تشتد هنا؛ لأن عاصمًا لم ينفرد بأصل الخبر، بل جاء الوجه الآخر عن محمد بن الحنفية، ولأن الرواية هنا موقوفة أصلًا، فلا يدخل فيها جرح ابن حبان له بأنه «يرفع عن علي قوله كثيرًا».
ورواه عبد الرزاق،13 ومن طريقه الحاكم، من رواية مَعمر، عن طارق، عن مُنذر الثوري، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، بلفظ: «ثُمَّ تَأْتِي الْفِتْنَةُ الْعَمْيَاءُ الصَّمَّاءُ الْمُطْبِقَةُ الَّتِي يَصِيرُ النَّاسُ فِيهَا كَالْأَنْعَامِ».14 لكن هذا الطريق لا يُحتج به على ظاهره؛ لأن رواية مَعمر عن طارق بن شهاب منقطعة قطعًا من جهة الزمن، ويظهر أن في الإسناد واسطة ساقطة؛ ولذلك لا يصح جعل تصحيح الحاكم لهذا السند حجة مستقلة.
فالحديث يدور على مُنذر الثوري عن علي بواسطة، والمحفوظ أنه موقوف لا مرفوع، وقد اختلف أصحاب الأعمش في هذه الواسطة بين عاصم بن ضمرة ومحمد بن الحنفية، إلا أن هذا الاختلاف لا يغير أصل الخبر؛ إذ كلا الوجهين موقوف على علي، وقد رواه من الوجهين جماعة من أصحاب الأعمش. أما طريق مَعمر ففيه انقطاع فلا يعتمد عليه.
وأقوى حجة للتصحيح طريق أبي أسامة عن الأعمش عن مُنذر عن عاصم، وقد أقر أبو أسامة نفسه بهذا الإسناد، وتابعه زائدة، ثم جاء أصل الخبر من وجه محمد بن الحنفية، وأقوى ما يقال في التضعيف هو الكلام في عاصم بن ضمرة والاختلاف على الأعمش، لكن علة عاصم لا تسقط الأثر؛ لأن الخبر لم ينفرد به، والاختلاف على الأعمش إنما وقع في واسطة ثقة إلى علي مع اتفاق الجميع على وقفه ومتنه في الجملة.
وعليه فالراجح: الأثر موقوف حسن عن علي رضي الله عنه، ولا يصح نسبته إلى النبي ﷺ بمجرد كون مضمونه من أخبار الفتن؛ فليس كل ما لا مجال للرأي فيه يعطى حكم الرفع، ولا سيما أن أخبار الفتن كانت تروى أيضًا عن أهل الكتاب وعن الصحابة من غير تصريح بالرفع.
وأما لفظ «عقول الناس كالبهائم» فلم أقف عليه بهذا التركيب في رواية. المحفوظ في أثر علي: «يكون الناس فيها كالبهائم»، أو «يصير الناس فيها كالأنعام». وقد فسر ابن حجر قوله «كالبهائم» فقال: «أي لا عقول لهم»، ثم استشهد بحديث أبي موسى.15 فهذا تفسير للفظ، لا رواية أخرى بلفظ «عقول الناس كالبهائم».
وأقرب حديث مرفوع لهذا المعنى حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن الصحابة قالوا في فتنة الهرج: «وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟» فقال ﷺ: «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ».16 وجاء عند أحمد: «إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ...».17 فهذا هو النص المرفوع في ذهاب العقول زمن بعض الفتن، وليس لفظ «عقول الناس كالبهائم».
المصادر والمراجع
1المطالب العالية (622/17 رقم 4361)
2الفتن لنعيم بن حماد (52/1 رقم 77)
3مصنف ابن أبي شيبة (رقم 39940 ت سعد بن ناصر الشثري)
4المطالب العالية (622/17 رقم 4361)
5المعرفة والتاريخ (219/3 ت أكرم ضياء العمري)
6
(تَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسُ فِتَنٍ) أي يخبر علي رضي الله عنه عن فتن متعاقبة تصيب الأمة، (فِتْنَةٌ عَامَّةٌ وَفِتْنَةٌ خَاصَّةٌ) أي منها ما يعم أثره ومنها ما يختص بطائفة أو موضع، (ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ) وصف لشدة التباسها وشرها، وفي الرواية الأخرى: «العمياء الصماء المطبقة»، (يَكُونُ النَّاسُ فِيهَا كَالْبَهَائِمِ) يذهب عن كثير منهم التمييز والبصيرة عند اشتباه الحق بالباطل، وليس المراد زوال أصل العقل عن كل الناس، وقد فسره ابن حجر بقوله: «أي لا عقول لهم».
السنن الواردة في الفتن (رقم 29)
7المعرفة والتاريخ (219/3 ت أكرم ضياء العمري)
8المستدرك على الصحيحين (550/4)
9مسند ابن الجعد (رقم 2119)
10تهذيب الكمال (3012)
11المجروحين لابن حبان (107/2)
12الكامل في ضعفاء الرجال (220/8)
13مصنف عبد الرزاق (356-357/11 رقم 20733 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
14المستدرك على الصحيحين (437/4)
15فتح الباري (53/13 ط السلفية)
16سنن ابن ماجه (1309/2 رقم 3959 ت محمد فؤاد عبد الباقي)