أصلحه أبو داود،1 وقال الترمذي: «وحديث عبد الله بن عمرو حديث حسن».2 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق محمد بن عجلان،3 وصححه الحاكم،4 وحسنه الألباني،5 ومحققو «المسند».6 وضياء الرحمن.7
3صحيح ابن خزيمة (152/4 رقم 2570 ت محمد مصطفى الأعظمي)
4المستدرك (112/2)
5السلسلة الصحيحة (رقم 62 ط مكتبة المعارف)
6
رواه مالك،1 وأبو داود،2 والترمذي،3 والنسائي،4 من طريق مالك بن أنس، عن عبد الرحمن بن حَرملة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، مرفوعًا به.
ورواه أحمد من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الرحمن بن حَرملة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به.5 ورواه أحمد أيضًا من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن حرملة، بهذا الإسناد.6 فتعدد من روى عن عبد الرحمن بن حرملة يثبت أن الحديث محفوظ عنه، لكنه لا يزيل ما فيه من كلام؛ لأن الجميع يلتقي عنده.
وعبد الرحمن بن حرملة مختلف فيه؛ وثقه ابن معين في رواية، وقال مرة: «صالح»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به»، وضعفه يحيى القطان، وقال ابن عدي: «لم أر في حديثه حديثًا منكرًا»، ووصفه الساجي بأنه صدوق يهم.7 فهو صالح الحديث في الجملة، لكنه ليس من الحفاظ الذين يستقل حديثهم بالصحة إذا تفردوا.
غير أن عبد الرحمن بن حرملة لم يتفرد بالحديث عن عمرو بن شعيب؛ فقد رواه ابن خزيمة من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا بلفظ: «الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب».8 وهذه متابعة حقيقية؛ لأنها تجاوزت عبد الرحمن بن حرملة إلى عمرو بن شعيب نفسه، فلا يبقى ضعف ابن حرملة علة مؤثرة في أصل الحديث.
ومحمد بن عجلان صدوق معروف الحديث، وروايته هنا عن عمرو بن شعيب مستقيمة، وقد رواها عنه يحيى بن سعيد القطان، وهو من أئمة الحفظ والنقد. فالحديث محفوظ عن عمرو بن شعيب من طريقين: عبد الرحمن بن حرملة، ومحمد بن عجلان.
وأما عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فقد وقع الخلاف المعروف في الاحتجاج بهذه السلسلة؛ فبعض الأئمة توقف فيها بسبب كون أصل كثير منها صحيفة، لكن جماعة من الحفاظ قبلوها إذا رواها الثقات، وقد ثبت سماع شعيب بن محمد من جده عبد الله بن عمرو، وذكر البخاري أن أحمد وإسحاق وغيرهما كانوا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.9 وليس في هذا الحديث ما يظهر أنه من مناكير هذه الصحيفة، بل جاء من طريقين معتبرين عن عمرو، وله شاهد مستقل.
وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ رواه الحاكم من طريق إبراهيم بن حمزة، عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب».10 وصححه الحاكم على شرط مسلم. والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي روى عنه إبراهيم بن حمزة، ووثقه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: «لا بأس به».11 فطريق أبي هريرة شاهد مستقل قوي لأصل الحديث ولفظه، ولا يمر بعمرو بن شعيب أصلًا.
وروي من حديث أبي هريرة أيضًا بلفظ: «الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم» من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عنه.12 لكن المحفوظ عن عبد الرحمن بن حرملة في هذا المعنى ما رواه مالك عنه، عن سعيد بن المسيب مرسلًا؛ فلا يحتاج الحديث في تقويته إلى هذا الوجه المختلف فيه.
ويشهد لأصل النهي عن الانفراد في السفر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» وهو حديث صحيح.13 وهذا لا يشهد لخصوص لفظ «الراكب شيطان»، لكنه يقوي أصل المعنى من كراهة الانفراد في السفر.
فالحديث مداره في أشهر طرقه على عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد رواه عنه عبد الرحمن بن حرملة، وهو صدوق تكلم في حفظه، لكن تابعه محمد بن عجلان متابعة حقيقية عند ابن خزيمة، فتجاوزت المتابعة موضع الضعف. ثم جاء لفظ الحديث نفسه تقريبًا من طريق مستقل عن أبي هريرة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، فلا يبقى الحديث قائمًا على سلسلة عمرو بن شعيب وحدها.
وأقوى حجة للتوقف في الحديث أن طريق مالك يمر بعبد الرحمن بن حرملة، وهو دون مرتبة الحفاظ، وأن سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقع فيها خلاف قديم. والجواب أن الحديث لم ينفرد به ابن حرملة، بل تابعه ابن عجلان عن عمرو، ثم جاء شاهد أبي هريرة من إسناد مستقل. وأما إنكار مجاهد للرفع فلا يقابله إسناد موقوف محفوظ أقوى من هذه الطرق المرفوعة.
وأقوى حجة للتصحيح اجتماع طريق ابن عجلان عن عمرو بن شعيب مع شاهد أبي هريرة المستقل، إلا أن في بعض مفردات الطرق من هو دون مرتبة رجال الصحيح؛ فالحكم بالحسن أقرب من إطلاق الصحيح على الطريق الأصلي.
المصادر والمراجع
1موطأ مالك (978/2 رقم 1798 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن أبي داود (36/3 رقم 2607)
3سنن الترمذي (رقم 1674 ت بشار عواد معروف)
4السنن الكبرى للنسائي (129/8 رقم 8798 ط الرسالة)
5مسند أحمد (360/11 رقم 6748 ط الرسالة)
6
(الراكب شيطان) المقصود الزجر عن انفراد الرجل في السفر، ولا يراد أنه يصير شيطانًا حقيقة، وإنما شُبِّه به لما في الوحدة من التعرض للوحشة والخطر وطمع الشيطان واللصوص، وقد يفجؤه مرض أو موت فلا يجد من يعينه (والراكبان شيطانان) الاثنان أقرب إلى السلامة من الواحد، لكنهما لا يبلغان قوة الجماعة، وقد يصاب أحدهما فيبقى الآخر منفردًا، (والثلاثة ركب) إذا بلغ المسافرون ثلاثة صاروا جماعةً يحصل بينهم الأنس والتعاون والحراسة وقضاء الحاجات. والحديث في السفر الذي تتحقق فيه الوحدة والانقطاع، وليس المراد ذم كل خروج منفرد يسيرًا في طريق مأهول آمن.
السنة تحث على الصحبة في السفر وتكره الانفراد حيث تتحقق مخاطر الوحدة.
من مقاصد الشريعة حفظ النفس ودفع أسباب الهلاك والوحشة.
الثلاثة أول عدد تتحقق به جماعة السفر في هذا الحديث.
الصحبة الصالحة في السفر عون على العبادة والحراسة وقضاء الحاجات.
الزجر في الحديث أدب وإرشاد إلى السلامة، ولا يلزم من لفظ «شيطان» الحكم على المسافر المنفرد بالكفر أو الفسق.
مسند أحمد (360/11 رقم 6748 ط الرسالة)
7الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (11/ 630)
8مسند أحمد (6/ 290 رقم 6750 ت أحمد شاكر)
مسند أحمد (رقم 7007 ط الرسالة)
7تهذيب الكمال (59-61/17 رقم 3796 ت بشار عواد معروف)
8صحيح ابن خزيمة (152/4 رقم 2570 ت محمد مصطفى الأعظمي)
9سنن الترمذي، عقب رقم 1485 ت بشار عواد معروف
10المستدرك (112/2 رقم 2496)
11تهذيب الكمال (382-386/28 رقم 6135 ت بشار عواد معروف)