أصلحه أبو داود،1 وقال الترمذي في شاهده من حديث سَبْرة بن مَعْبد: «حديث حسن».2 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه».3 وصحح الحاكم طريق سَبْرة على شرط مسلم،4 وذكره ابن الملقن في «تحفة المحتاج».5
لكن العقيلي أورد حديث عبد الله بن عمرو في جملة ما أُنكر على سَوَّار بن داود، ونقل أن حديث عمرو بن شعيب لا يروى من وجه يثبت.6 وقال ابن حبان في سَوَّار: «قليل الرواية، ينفرد مع قلته بأشياء لا تشبه حديث من يروي عنهم»، وساق هذا الحديث في ترجمته.7 وقال الدارقطني في سَوَّار: «لا يتابع على أحاديثه، يعتبر به».8 وقال يحيى بن معين في الطريق الآخر عن سَبْرة: لما سئل عن أحاديث عبد الملك بن الربيع، عن أبيه، عن جده: «ضعاف».9
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (133/1 رقم 495 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2سنن الترمذي (259/2 رقم 407 ت بشار عواد معروف)
3صحيح ابن خزيمة (102/2 رقم 1002 ت محمد مصطفى الأعظمي)
4المستدرك على الصحيحين (317/1 رقم 721)
5تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (260/1)
6
رواه أحمد،1 وأبو داود،2 والعقيلي،3 والدارقطني،4 والحاكم،5 والبيهقي من طرق عن سَوَّار بن داود أبي حمزة الصيرفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، مرفوعًا.
فالحديث بهذا اللفظ يدور على سَوَّار بن داود عن عمرو بن شعيب. وقد رواه عن سَوَّار جماعة، منهم إسماعيل بن عُلَيَّة، وعبد الله بن بكر السهمي، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي، والنضر بن شُميل، ووكيع، فلا إشكال في ثبوت الرواية عن سَوَّار. وإنما وهم وكيع في اسمه فقلبه فقال: «داود بن سَوَّار»، ونبه أبو داود إلى أن الصواب «سَوَّار بن داود».6
وسَوَّار مختلف فيه؛ فقال أحمد: «شيخ بصري لا بأس به»، وقال أيضًا: «شيخ يوثق بالبصرة»، ووثقه ابن معين في رواية، لكن الدارقطني قال: «لا يتابع على أحاديثه، يعتبر به»7 وقال ابن حبان: «قليل الرواية، ينفرد مع قلته بأشياء لا تشبه حديث من يروي عنهم».8 فهذا ليس من طبقة من يحتمل تفرده بلا نظر، ولا سيما عن عمرو بن شعيب الذي روى عنه جماعة كثيرون.
وروي عن عمرو بن شعيب من طريق آخر، من رواية الخليل بن مُرَّة، عن ليث بن أبي سليم، عنه، أخرجه ابن عدي.9 لكن الخليل وليثًا كلاهما ضعيف، فلا يصلح هذا الوجه لإزالة تفرد سَوَّار على طريقة النقاد، وإنما غايته الاعتبار اليسير.
لكن لأصل الحديث شاهد آخر مستقل من حديث سَبْرة بن مَعْبد الجهني رضي الله عنه؛ رواه أبو داود،10 والترمذي،11 وابن خزيمة،12 من طريق عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ».
ورواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن عبد الملك بهذا الإسناد بلفظ: «إِذَا بَلَغَ أَوْلَادُكُمْ سَبْعَ سِنِينَ فَفَرِّقُوا بَيْنَ فُرُشِهِمْ، وَإِذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ».13 فطريق سَبْرة يشهد لأصل الأمر بالصلاة والضرب، ويشهد كذلك لأصل التفريق في المضاجع، وإن اختلف ترتيب الألفاظ وتحديد موضع ذكر التفريق.
غير أن طريق سَبْرة ليس سالمًا أيضًا؛ فمداره على عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة، وقد قال يحيى بن معين في أحاديثه عن أبيه عن جده: «ضعاف».14 وإخراج مسلم له إنما كان في المتابعات، فلا يصح الاحتجاج بمجرد قول الحاكم: «على شرط مسلم». ومع ذلك فقد حسن الترمذي هذا الحديث، وأصلحه أبو داود بسكوته عنه، فهو طريق صالح للاعتبار.
فالعمدة إذن طريقان مستقلان: طريق عبد الله بن عمرو، وفيه سَوَّار بن داود وهو مختلف فيه ويعتبر به، وطريق سَبْرة، وفيه عبد الملك بن الربيع وقد ضعف ابن معين روايته عن أبيه عن جده. فلا يظهر تصحيح واحد منهما منفردًا على طريقة المتقدمين، لكنهما يتفقان على أصل واحد تفصيله غير مستنكر: الأمر بالصلاة عند السبع، والتأديب عليها عند العشر، وقد جاء التفريق في المضاجع في الطريقين أيضًا.
وأقوى حجة للتضعيف أن كل طريق منهما فيه راو تكلم النقاد في تفرده: سَوَّار في الأول، وعبد الملك في الثاني، وقد نص العقيلي والدارقطني على غرابة رواية سَوَّار، ونص ابن معين على ضعف أحاديث عبد الملك عن أبيه عن جده.
وأقوى حجة للتحسين أن الطريقين مستقلان، وضعفهما ليس من جهة متهم أو متروك، وقد قبل أصل الخبر أبو داود والترمذي وابن خزيمة، كما أن طريق سَبْرة يشهد لمعظم متن طريق عبد الله بن عمرو.
ولهذا فالأقرب عدم رفعه إلى الصحيح، وعدم إنزاله إلى الضعيف المحض؛ بل الراجح: مرفوع حسن بمجموع الطريقين.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (369/11 رقم 6756 ط الرسالة)
2سنن أبي داود (133/1 رقم 495 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
3الضعفاء الكبير للعقيلي (167/2)
4سنن الدارقطني (430/1 رقم 887)
5المستدرك على الصحيحين (311/1 رقم 708)
6
(مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ) المراد تعويد الأولاد الصلاة وتعليمهم شروطها وأركانها منذ سن التمييز، مع أنهم غير مكلفين بها تكليف البالغ، (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ) المراد التأديب على تركها بعد أن أمضوا سنوات في التعليم والتعويد، والضرب هنا ضرب تأديب غير مبرح، لا ضرب انتقام ولا أذى، (وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) أي لا ينام الأولاد متلاصقين في مضجع واحد إذا بلغوا سنًا يخشى معها انكشاف العورات أو تحرك الشهوة، وفي بعض طرق حديث سَبْرة التصريح بالتفريق عند السبع.
في هذا الحديث الخلق العظيم الكبير في تربية الأبناء، وفيه حرمة نوم الصبيان في فراش واحد؛ لما فيه من إثارة الشهوات، أو كشف العورات، أو لمسها، وهذا يشمل الأخ وأخته، أو الأخت وأختها. قال الطيبي: «وفرقوا بين الأخ والأخت مثلا في المضاجع؛ لئلا يقعوا فيما لا ينبغي؛ لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة وإن كن أخوات».1
والمقصود أنه لا يضطجع بعضهم مع بعض؛ حتى لا يحصل شيء من دواعي الشر، أو شيء من الشيطان بحيث يحرك بعضهم على بعض، فلا يكون هناك اضطجاع بعضهم مع بعض، وإنما يكون هناك تفريق، سواء أكانوا ذكورًا وإناثًا، أم ذكورًا فقط، أم إناثًا فقط؛ لأنه عندما يحصل التقارب يحصل بسببه شيء من تحريك الشهوة أو الفتنة أو ما إلى ذلك، فجاءت السنة بأن يمرنوا على ذلك، وأن يعودوا عليه وهم صغار، بحيث يبتعد بعضهم عن بعض، ولا يكون هناك تلاصق وتقارب بحيث يحصل معه شيء لا تحمد عقباه.2
ولهذا التفريق مراتب:
أن يجعل لكل واحد غرفته.
أن يكونا في الغرفة نفسها، ولكل واحد منهما فراشه الخاص.
أن يكونا في فراش واحد، ولكل واحد منهما غطاء، ولا شك أن هذا فيه تقصير كبير.
وفي هذا تحريم الاختلاط الحاصل في المدارس ورياض الأطفال، قال بكر أبو زيد: «فهذا الحديث نص في النهي عن بداية الاختلاط داخل البيوت، إذا بلغ الأولاد عشر سنين، فواجب على الأولياء التفريق بين أولادهم في مضاجعهم، وعدم اختلاطهم، لغرس العفة والاحتشام في نفوسهم، وخوفًا من غوائل الشهوة التي تؤدي إليها هذه البداية في الاختلاط، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه».3
وقال تقي الدين الهلالي: «يجب أن تكون مدارس الإناث مفصولة عن مدارس الذكور من روضة الأطفال إلى شهادة الدكتوراه».4
وفيه فوائد أخرى:
الترسيخ الأولي للعلوم الشرعية في نفس الصبي للحفاظ على فطرته السليمة، وهي وظيفة المعلم والوالدين.
اعتبار مراحل النمو عند الطفل والوظيفة التربوية بحسبها؛ إذ كل مرحلة لها أسلوبها المناسب.
اعتبار مرحلة التمييز الجنسي وتطبيقها بالتفريق بين المضاجع؛ تفاديًا للخطر الجنسي المترتب عن شدة الانفعالات وعدم الاستقرار النفسي في هذه المرحلة.
ارتباط تعليم الصبيان الصلاة بالتفريق بينهم في المضاجع، وفي ذلك صرف للمراهق عن الانطواء على ذاته والانغماس في انفعالات غرائزه إلى التسامي بفكره وقلبه وتقوية إيمانه، وهو ما تحققه الصلاة.
إذا كان التفريق في المضاجع يجب بين المحارم، فغير المحارم أولى بمنع الاختلاط بينهم في هذه المرحلة.5
وفيه دليل على تأثير الاختلاط على الأطفال، فقد حرم الشرع الأم الفاسقة من حضانة ابنها لما في فسقها من التأثير فيه، واليوم نلقي بهم في محاضن مختلطة تحت رعاية متبرجات.
وفساد الأطفال يأتي من هاهنا، قال إبراهيم الحربي: «أول فساد الصبيان بعضهم من بعض».6
وقد قال رسول الله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع».7
وتأمل قوله بصيغة الجمع: «مروا أولادكم بالصلاة»، وعند الشر قال: «وفرقوا بينهم في المضاجع»؛ لعلمه أن الشر أكثر في المجتمعين.8
وقد تنبه لهذا الفقهاء المالكية خاصة، قال سحنون المالكي: «وأكره للمعلم أن يعلم الجواري، ولا يخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهم».9
وقال القابسي: «ومن صلاحهم، ومن حسن النظر لهم، ألا يخلط بين الذكران والإناث».10
فمن رضع الاختلاط والتميع كان حاله كما ترى اليوم.
المصادر والمراجع
1الكاشف عن حقائق السنن (3/ 870-871 ت عبد الحميد هنداوي)
2شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد (الدرس 69)
3حراسة الفضيلة (ص 77 ط دار العاصمة، الطبعة الحادية عشرة)
4حكم الإسلام في الاختلاط (ص 65 ط جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت)
5حجاب المرأة وخلفيات التبرج في الفكر الإسلامي (ص 66 ط دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى)
الضعفاء الكبير للعقيلي (167-168/2)
7المجروحين لابن حبان (355/1)
8سؤالات البرقاني للدارقطني (ص35 رقم 210)
9الجرح والتعديل (350/5 رقم 1653)
سنن أبي داود (133/1 رقم 496 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
7تهذيب التهذيب (272/4)
8المجروحين لابن حبان (355/1)
9الكامل في ضعفاء الرجال (507/3)
10سنن أبي داود (133/1 رقم 494 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
11سنن الترمذي (259/2 رقم 407 ت بشار عواد معروف)
12صحيح ابن خزيمة (102/2 رقم 1002 ت محمد مصطفى الأعظمي)
13سنن الدارقطني (429/1 رقم 886)
14الجرح والتعديل (350/5 رقم 1653)
6
ذم الهوى (ص 128 ت محمد إبراهيم الزغلي وعصام فارس الحرستاني)
7سنن أبي داود (1/ 133 رقم 495 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
8الآداب الشرعية (3/ 507 ط عالم الكتب)
9آداب المعلمين، ضمن الجامع في كتب آداب المعلمين (ص 136 ت عادل بن عبد الله آل حمدان، ط دار الأوراق الثقافية)
10الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، ضمن الجامع في كتب آداب المعلمين (ت عادل بن عبد الله آل حمدان، ط دار الأوراق الثقافية)