تخريج حديث 2037: «حَدٌّ يُعْمَلُ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
حَدٌّ يُعْمَلُ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ صَبَاحًا.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
حَدٌّ يُعْمَلُ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ صَبَاحًا.”
أورده ابن حبان في «صحيحه».1 وأورده المنذري بصيغة الجزم،2 وحسنه الألباني لغير،3 وقال الإثيوبي: «حسن، بلفظ أربعين».4
لكن النسائي أعل المرفوع بالوقف؛ فبعد أن أخرج المرفوع قال: «وقفه يونس بن عبيد، وخالفه في بعض ألفاظه»، ثم أخرج الموقوف وقال: «وهذا الصواب».5 وكذلك قال الدارقطني بعد جمع الاختلاف: «والصحيح عن ابن علية، عن يونس، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفًا».6 وضعف محققو المسند إسناد المرفوع.7 وحكم عليه السناري بالنكارة.8
رواه أحمد،1 والنسائي،2 وابن ماجه،3 وابن الجارود،4 وأبو يعلى،5 وابن حبان،6 من طريق عبد الله بن المبارك، عن عيسى بن يزيد، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
واختلف لفظه؛ فعند النسائي: «ثلاثين صباحًا»، وعند أبي يعلى وابن حبان: «أربعين صباحًا»، وعند أحمد: «ثلاثين أو أربعين صباحًا». وهذا الاختلاف فرع عن العلة الأصلية في رفع الحديث.
والحديث يدور على جرير بن يزيد البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وجرير ضعيف؛ قال أبو زرعة الرازي: «شامي منكر الحديث».7 فليس ممن يحتمل منه التفرد بمثل هذا الخبر المشتمل على فضل مخصوص وعدد معين.
وقد روى الحديث عن جرير مرفوعًا عيسى بن يزيد كما تقدم، وتابعه جرير بن عبد الحميد؛ قال البخاري في ترجمة جرير بن يزيد: «وقال لي محمد: حدثنا جرير، عن جرير بن يزيد بن جرير نحوه».8 فظاهر هذا أن الرفع روي عن جرير من وجهين.
وخالفهما يونس بن عبيد، وهو من أئمة الحفظ، فرواه عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفًا بلفظ: «إِقَامَةُ حَدٍّ بِأَرْضٍ خَيْرٌ لِأَهْلِهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»؛ رواه النسائي من طريق عمرو بن زرارة، عن إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن يونس.9 ثم حكم النسائي عقب هذا الوجه فقال: «وهذا الصواب».10
وهذا الترجيح لم ينفرد به النسائي؛ فقد جمع الدارقطني الاختلاف فقال: «يرويه جرير بن يزيد، واختلف عنه؛ فرواه عيسى بن يزيد وجرير بن عبد الحميد عنه، عن أبي زرعة مرفوعًا، وخالفهما يونس بن عبيد، فرواه عن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفًا»، ثم قال بعد ذكر بقية الاختلاف: «والصحيح عن ابن علية، عن يونس، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفًا».11
فهنا لا يصح أن يقال: إن الرفع زيادة ثقة أو إن اثنين رفعاه وواحدًا وقفه؛ لأن إمامين من كبار النقاد، النسائي والدارقطني، وقفا على الاختلاف نفسه ثم رجحا الموقوف. وهذه قرينة نقدية خاصة مقدمة على القاعدة المجردة في قبول زيادة الراوي.
وجاء عن يونس بن عبيد وجه مرفوع ظاهره أنه متابعة قوية؛ فرواه محمد بن قدامة المصيصي، عن إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وأورده ابن حبان في «صحيحه».12 لكن هذه المتابعة معلولة؛ فقد بيّن الدارقطني أن محمد بن قدامة خالف أصحاب ابن عُلَيَّة، وأن المحفوظ عنه: عن يونس، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفًا.13 فلا يجوز عد طريق محمد بن قدامة طريقًا مستقلًا يقوي الرفع؛ لأنه خطأ في الإسناد والرفع معًا.
وقد أشار البخاري إلى هذا الاختلاف في ترجمة جرير بن يزيد، فذكر الرفع، ثم قال: «وقال لي يحيى بن بشر، عن ابن علية، عن يونس، عن جرير، ولم يرفعه».14 فاجتماع صنيع البخاري في عرض الاختلاف، وتصريح النسائي بأن الموقوف هو الصواب، وتصريح الدارقطني بأن الصحيح هو الموقوف، يجعل علة الرفع ظاهرة.
وأما الموقوف نفسه فلا يصح إسناده صحةً مطلقة؛ لأنه ما زال يدور على جرير بن يزيد، وقد قال فيه أبو زرعة: «منكر الحديث».15 فقولنا: «المحفوظ موقوف» إنما هو في باب الترجيح بين الرفع والوقف، لا أن الموقوف صحيح الإسناد.
وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ رواه ابن ماجه،16 وابن عدي، من طريق سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة كثير بن مرة، عن ابن عمر مرفوعًا: «إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللهِ». وسعيد بن سنان متروك شديد الضعف، وقال الدارقطني: «يضع الحديث».17 وقال ابن حبان في نسخته عن أبي الزاهرية: «أكثرها مقلوبة، لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح في ناقليها».18 فلا يصلح هذا الطريق لجبر المرفوع.
وجاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ أطول: «يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً، وَحَدٌّ يُقَامُ فِي الْأَرْضِ بِحَقِّهِ أَزْكَى فِيهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ...»؛ رواه الطبراني،19 والبيهقي.20 ومداره على عفان بن جبير الطائي، وهو لا يعرف له توثيق معتبر سوى ذكر ابن حبان له في «الثقات»، ثم اختلف في الواسطة بينه وبين عكرمة؛ فجاء «عن أبي حريز الأزدي»، وجاء «عن رجل قد سماه»، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا عفان بن جبير، تفرد به جعفر بن عون».21 فهذا فرد غريب لا يصلح لدفع تعليل النسائي والدارقطني لطريق أبي هريرة.
فأقوى حجة لمن حسن الحديث أن الرفع جاء عن جرير بن يزيد من رواية عيسى بن يزيد وجرير بن عبد الحميد، وأن له شواهد من حديث ابن عمر وابن عباس. لكن هذه الحجة لا تنهض عند النقد؛ لأن مدار طريق أبي هريرة نفسه راوٍ منكر الحديث، وقد رجح النسائي والدارقطني الوقف بعد معرفتهما بالوجهين المرفوع والموقوف، والمتابعة الظاهرة من طريق يونس بيّن الدارقطني أنها خطأ، وشاهد ابن عمر شديد الضعف، وشاهد ابن عباس غريب يدور على مجهول الحال مع اختلاف في إسناده.
فالراجح أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ غير محفوظ، والمحفوظ عن جرير بن يزيد هو وقفه على أبي هريرة كما نص النسائي والدارقطني، مع بقاء ضعف الإسناد بسبب جرير نفسه. وعليه: الحديث مرفوع ضعيف، والمحفوظ موقوف ضعيف، ولا يثبت تحديد فضل إقامة الحد بأنه خير من مطر ثلاثين أو أربعين صباحًا.
(حَدٌّ يُعْمَلُ فِي الْأَرْضِ) المراد إقامة العقوبة الشرعية التي ثبت موجبها عن طريق ولي الأمر أو من ينيبه، لا أن يقيم الأفراد الحدود بأنفسهم، (خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ صَبَاحًا) المراد بيان عظم مصلحة إقامة العدل ومنع الفساد مقارنةً بنفع المطر العام. لكن تخصيص هذا الفضل بثلاثين أو أربعين صباحًا لا يثبت عن النبي ﷺ بهذا الحديث.