تخريج حديث 2038: «وَيْلٌ لِمَنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْأَصَابِعُ…»
روي عن النبي ﷺ قوله:
وَيْلٌ لِمَنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْأَصَابِعُ وَلَوْ بِالْخَيْرِ.”
روي عن النبي ﷺ قوله:
وَيْلٌ لِمَنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْأَصَابِعُ وَلَوْ بِالْخَيْرِ.”
لم نجد من حكم عليه.
لم أقف على رواية عن النبي ﷺ بلفظ: «ويل لمن أشارت إليه الأصابع ولو بالخير»، لا مسندة ولا مرسلة، وإنما يبدو أن هذه العبارة اشتهرت اختصارًا أو تركيبًا من أخبار ورد فيها ذكر الإشارة بالأصابع.
وأصح ما ورد في الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ». رواه الترمذي،1 والطحاوي،2 وابن حبان،3 من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».4 وقد سبق تخريجه في «ديوان الحديث» رقم: 2034.
وجاء لفظ أقرب إلى العبارة المشتهرة من حديث أنس رضي الله عنه؛ رواه ابن وهب،5 وابن أبي الدنيا،6 والبيهقي،7 من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن سِنان بن سعد، عن أنس رضي الله عنه، مرفوعًا: «حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ أَنْ يُشِيرَ النَّاسُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ».
وقد جاء عند ابن وهب عن ابن لهيعة وحده، وجاء عند ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة جميعًا، لكن هذه ليست متابعتين تتقوى إحداهما بالأخرى؛ لأنهما تلتقيان عند يزيد بن أبي حبيب، عن سِنان بن سعد، فمدار الطريق على سِنان.
وسِنان بن سعد هو موضع العلة؛ فقد قال أحمد: «تركت حديثه؛ لأن حديثه مضطرب غير محفوظ»، وقال أيضًا كلمة دقيقة في روايته عن أنس: «يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس».8 وقال الجوزجاني: «أحاديثه واهية»، وقال النسائي: «منكر الحديث».9 وإن وثقه ابن معين، فإن كلام أحمد هنا أخص؛ لأنه تكلم في حديثه واضطرابه، بل نبه خاصة إلى أن رواياته المنسوبة إلى أنس تشبه حديث الحسن، وهذه قرينة علة لا يدفعها مجرد التوثيق العام.
وهذه الملاحظة من أحمد يعضدها أن اللفظ نفسه روي عن الحسن البصري مرسلًا؛ رواه ابن أبي الدنيا من طريق علي بن الجعد، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: «حَسْبُ الْمَرْءِ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ».10 فهو مرسل، لكنه مهم في باب العلل؛ لأن قول أحمد في سِنان: «يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس» يلتقي هنا مع وجود الحديث نفسه عن الحسن مرسلًا، فيقوى الاحتمال أن رفعه إلى أنس غير محفوظ.
وروي كذلك من حديث جابر رضي الله عنه؛ رواه ابن أبي الدنيا من طريق محمد بن سليمان الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر مرفوعًا: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الشَّرِّ... أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ».11 وعبد الواحد بن أبي كثير مجهول الحال، ولا يعرف هذا الخبر عنه إلا من هذا الوجه، فلا يصلح طريق جابر لتقوية المرفوع.
وروي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بهذا اللفظ من طريق عبد العزيز بن الحصين، عن عبد الكريم أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة.12 وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عبد الكريم إلا عبد العزيز بن الحصين، تفرد به علي بن حجر».13 والطريق ضعيف؛ عبد العزيز بن الحصين ضعيف، وعبد الكريم أبو أمية متروك الحديث، فلا يعتد به.
وجاء عن أبي هريرة أيضًا من طريق عطاء الخراساني، عنه.14 وهو منقطع؛ فإن عطاء الخراساني لم يسمع من أبي هريرة، فلا ينهض هذا الوجه أيضًا.
فاللفظ الأقرب: «بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع...» روي من أوجه متعددة، لكنها عند التحقيق لا تكوّن طرقًا قوية يتقوى بها المرفوع: طريق أنس مداره على سِنان بن سعد الذي تكلم أحمد في اضطراب حديثه عن أنس خاصة، مع وجود اللفظ نفسه عن الحسن مرسلًا؛ وطريق جابر فيه مجهول؛ وطريقا أبي هريرة بين شديد الضعف والانقطاع.
أما الحديث الصحيح في الباب فهو حديث أبي هريرة الآخر: «إن لكل شيء شرة...» وفيه «وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه»، وهو محفوظ من طريق محمد بن عجلان، ولا يحتاج إلى هذه الطرق الضعيفة.
وأما عبارة «ويل لمن أشارت إليه الأصابع ولو بالخير» ففيها زيادتان لا أصل لهما فيما وقفت عليه: لفظ «ويل»، وقيد «ولو بالخير». فلا يصح أن تنسب إلى النبي ﷺ.
ولا يصح أيضًا أن يؤخذ منها على الإطلاق أن كل من اشتهر بين الناس بالخير فهو مذموم؛ فإن كثيرًا من الأنبياء والصحابة والأئمة عُرفوا واشتهروا بالخير. المذموم هو ما اقترن بالرياء وطلب الشهرة أو الانحراف عن السداد، أما مجرد أن يعرف الناس الإنسان بخير فليس شرًا في نفسه.