تخريج حديث 2040: «كان رجل جالسًا عند النبي…»
عن عمرو بن مُرَّة قال:
كان رجل جالسًا عند النبي ﷺ، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا في الله، فقال رسول الله ﷺ: فَحَدِّثْهُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ أَثْبَتُ لِلْمَوَدَّةِ، وَأَحْسَنُ لِلْأُلْفَةِ.”
عن عمرو بن مُرَّة قال:
كان رجل جالسًا عند النبي ﷺ، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا في الله، فقال رسول الله ﷺ: فَحَدِّثْهُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ أَثْبَتُ لِلْمَوَدَّةِ، وَأَحْسَنُ لِلْأُلْفَةِ.”
حسّن الألباني اللفظ القريب من حديث علي بن الحسين بشواهده، وقال عن إسناده إليه: «وهذا إسناد صحيح مرسل»، ثم قال بعد ذكر مرسل مجاهد وشاهد يزيد بن نعامة: «فالحديث بمجموع الطرق حسن إن شاء الله تعالى».1 وحسن أيضًا حديث مجاهد المرسل: «إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليعلمه، فإنه أبقى في الألفة وأثبت في المودة».2
لكن النسائي أعل الطريق الموصول في قصة أنس من رواية حسين بن واقد، عن ثابت، عن أنس، فقال بعد رواية حماد بن سلمة عن ثابت على خلافه: «وهذا الصواب عندنا، وحديث حسين بن واقد خطأ، وحماد بن سلمة أثبت -والله أعلم- بحديث ثابت من حسين بن واقد».3
رواه هناد بن السري من طريق إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن عمرو بن مُرَّة قال: كان رجل جالسًا عند النبي ﷺ، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا في الله، فقال رسول الله ﷺ: «فحدثه بذلك؛ فإنه أثبت للمودة، وأحسن للألفة».1
وهذا مرسل؛ فإن عمرو بن مرة تابعي، ولم يذكر الصحابي، فالإسناد منقطع بينه وبين النبي ﷺ، ومدار هذا الوجه على عمرو بن مرة، رواه عنه أبو سنان بهذه الصورة.
وقد جاء عن عمرو بن مرة نفسه بوجه قريب؛ رواه وكيع عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أحب أحدكم أخاه لله فليبين له؛ فإنه خير في الألفة وأبقى في المودة».2
وعلي بن الحسين تابعي، فهو مرسل أيضًا، وهذا الوجه مهم؛ لأنه يبين أن الخبر عند عمرو بن مرة لم يأت على صورة واحدة؛ فرواه أبو سنان عنه مرسلًا بلا واسطة بين عمرو والنبي ﷺ، ورواه مسعر عنه بواسطة علي بن الحسين، وهو أيضًا مرسل. فإن كان الخبران حديثًا واحدًا اختلف فيه على عمرو، فرواية مسعر أولى بالنظر من جهة الحفظ، ولكن لا يزول بها أصل العلة؛ لأن نهايتها إلى علي بن الحسين مرسلًا، فلا يوجد في طريق عمرو إسناد موصول صحيح إلى النبي ﷺ.
وورد من طريق آخر رواه ابن أبي الدنيا من طريق الحسن بن صالح، عن زبيد، عن مجاهد قال: «حُدِّثت أن النبي ﷺ قال: إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليعلمه؛ فإنه أبقى في الألفة وأثبت في المودة».3
وهذا أيضًا منقطع؛ بل صرح مجاهد بقوله: «حُدِّثت»، ولم يسم من حدثه، فلا يعلم حال الواسطة، وموافقة هذا المرسل لمرسل علي بن الحسين تقوي شهرة هذا المعنى في روايات التابعين، لكنها لا تكفي عند التحقيق لإثبات هذه الزيادة مرفوعة؛ إذ اجتمعت المراسيل على الانقطاع ولم يظهر لها إسناد موصول محفوظ.
وجاء عن أنس رضي الله عنه من طريق عمارة بن زاذان، عن ثابت، عنه، أن رجلًا مر والنبي ﷺ جالس، فقال الرجل: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال: «أعلمه؛ فإنه أثبت للمودة بينكما».4
وهذا الطريق لا يصلح أن يكون العمدة في وصل المراسيل؛ فإن الرواية عن ثابت في هذه القصة مضطربة، فقد روى حسين بن واقد عن ثابت، عن أنس أصل القصة، فخطّأه النسائي، ورجح رواية حماد بن سلمة عن ثابت على غير هذا الوجه، وقال: «وهذا الصواب عندنا، وحديث حسين بن واقد خطأ، وحماد بن سلمة أثبت -والله أعلم- بحديث ثابت من حسين بن واقد».5 وهذا نقد خاص من إمام علة لطريق القصة نفسها، فيمنع من الاطمئنان إلى وصلها بأنس لمجرد وجود روايات ظاهرها الاتصال.
وثبت أصل القصة من غير هذه الزيادة في أحاديث أخرى، وأقواها حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه»، وقد حسنه وصححه الترمذي.6 فهذا أصل صحيح في مشروعية إعلام الرجل أخاه بمحبته.
لكن هذا الحديث الصحيح لا يشهد للزيادة: «فإنه أثبت للمودة وأحسن للألفة» إلا من جهة المعنى العام، ولا يثبتها مرفوعة؛ لأن ثبوت الأمر بالإعلام شيء، وثبوت تعليل النبي ﷺ ذلك بأنه «أثبت للمودة وأحسن للألفة» شيء آخر.
وأما ما جعله الألباني شاهدًا من حديث يزيد بن نعامة: «إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو؛ فإنه أوصل للمودة»، فليس شاهدًا حقيقيًا للفظ الباب؛ إذ موضوعه السؤال عن اسم الأخ ونسبه، لا إخباره بالمحبة، وإنما اشتركا في ذكر حصول المودة، وفوق ذلك قال الترمذي فيه: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا نعرف ليزيد بن نعامة سماعًا من النبي ﷺ» وذكر أن المروي في الباب عن ابن عمر لا يصح إسناده.7 فلا يصح جعل هذا الطريق رافعًا لانقطاع المراسيل.
فالحديث بلفظه الخاص يدور بين مراسيل: مرسل عمرو بن مرة، ومرسل علي بن الحسين، ومرسل مجاهد، وبين طريق موصول لا يسلم من النقد. وأما الطريق الصحيح الثابت في الباب فهو حديث المقدام، وليس فيه التعليل محل البحث.
وأقوى حجة للتحسين اجتماع مرسل علي بن الحسين ومرسل مجاهد، مع رواية أنس، وثبوت أصل الأمر بالإخبار من حديث المقدام؛ وهذا هو المسلك الذي حمل الألباني على قوله: «حسن لشواهده».8
لكن على طريقة أئمة العلل لا يكفي جمع هذه الروايات تحت معنى واحد؛ فالمراسيل جميعًا فقدت الواسطة، والطريق الموصول في قصة أنس وقع فيه اختلاف بيّن، وقد حكم النسائي على أحد وجوه وصله بالخطأ ورجح خلافه، وحديث المقدام الصحيح يشهد لأصل الأمر فقط، لا للزيادة التعليلية، وحديث يزيد بن نعامة ليس شاهدًا للفظ أصلًا مع انقطاعه.
فالراجح أن رفع قوله: «فإنه أثبت للمودة وأحسن للألفة» لا يثبت، والحديث بهذا اللفظ مرفوع ضعيف. وأما أصل قول النبي ﷺ لمن أحب أخاه أن يعلمه بمحبته فثابت من حديث المقدام وغيره. وهذا أدق من تحسين الزيادة بجمع المراسيل والطريق المختلف فيه إلى الحديث الصحيح الذي لا يحملها.
(إني لأحب هذا في الله) المراد محبة المسلم لأخيه لما فيه من الإيمان والطاعة والخير، لا لمصلحة دنيوية، وقوله: (فحدثه بذلك) معناه أخبره بمحبتك له، وهذا المعنى ثابت بأحاديث صحيحة، ومنها حديث المقدام: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه»، وقوله: (فإنه أثبت للمودة وأحسن للألفة) المراد أن إظهار المحبة الصادقة من أسباب تقوية الألفة بين المسلمين، وهذا معنى حسن في نفسه، لكن نسبة هذا التعليل بخصوصه إلى النبي ﷺ لا تثبت بهذا الحديث.