صححه الحاكم فقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».1 وأورده الضياء في «المختارة» شاهدًا لحديث أبي صالح مولى عثمان، مع تنبيهه إلى أن مُصعب بن ثابت قد تكلم فيه بعض الأئمة.2 وحسنه المنذري.3
لكن الدارقطني تتبع الاختلاف على كَهْمَس بن الحسن، ورجح رواية مُصعب بن ثابت، عن عثمان مرسلة، فقال بعد ذكر وجوه الخلاف: «وهو الصواب»، ثم قال في رواية عبد الله بن إدريس: «عن مُصعب بن ثابت مرسلًا عن عثمان؛ وهو المحفوظ».4 وقال أحمد شاكر: «إسناده ضعيف».5 وحكم محققو «المسند» بأن إسناده ضعيف لانقطاعه وضعف مُصعب.6
المصادر والمراجع
1المستدرك (301/3 رقم 2461)
2الأحاديث المختارة (488/1 رقم 362)
3الترغيب والترهيب (226/2)
4علل الدارقطني (36-37/3 رقم 270 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
5مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر (214/1)
6مسند أحمد (488/1 رقم 433 ط الرسالة)
تخريج الحديث
يرويه كَهْمَس بن الحسن، عن مُصعب بن ثابت، وقد اختلف أصحاب كَهْمَس عليه اختلافًا مؤثرًا:
فرواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المُقرئ، وجعفر بن سليمان الضُّبَعي -في رواية مسلم بن إبراهيم عنه- عن كَهْمَس، عن مُصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، عن عثمان رضي الله عنه، مرفوعًا. رواه ابن أبي عاصم،1 والطبراني،2 والحاكم،3 وأبو نعيم، والبيهقي.4
ورواه محمد بن جعفر غُندَر، ورَوح بن عُبادة، وأبو إسحاق الفَزاري، وعبد الله بن إدريس، عن كَهْمَس بن الحسن، عن مُصعب بن ثابت، عن عثمان رضي الله عنه مباشرة، دون ذكر عبد الله بن الزبير. ومنه رواية أحمد عن رَوح،5 وروايته عن غُندَر.6
واختلف على جعفر بن سليمان نفسه؛ فرواه مسلم بن إبراهيم عنه بإدخال عبد الله بن الزبير بين مُصعب وعثمان، بينما رواه خالد بن يزيد المُقرئ، عن جعفر، عن كَهْمَس، عن مُصعب بن ثابت، عن عثمان مرسلًا.
واختلف كذلك على عبد الله بن إدريس؛ فرواه أبو مَعمر القَطيعي عنه، عن كَهْمَس، عن مُصعب، عن أبيه، عن عثمان، وخالفه عثمان بن أبي شيبة فرواه عن عبد الله بن إدريس، عن كَهْمَس، عن مُصعب، عن عثمان مرسلًا.
وقد جمع الدارقطني هذه الوجوه، فلم يجعلها اضطرابًا يتعذر معه الترجيح، بل رجح بوضوح رواية الجماعة عن كَهْمَس: مُصعب بن ثابت، عن عثمان مرسلًا، فقال: «وكذلك قال عبد الله بن إدريس، وأبو إسحاق الفزاري، وغُندَر، ورَوح بن عُبادة، عن كَهْمَس، وهو الصواب»، ثم قال في اختلاف أصحاب ابن إدريس: «عن مُصعب بن ثابت مرسلًا عن عثمان؛ وهو المحفوظ».7
وهذا الترجيح قوي؛ لأن الذين أسقطوا عبد الله بن الزبير جماعة من الحفاظ، منهم غُندَر ورَوح بن عُبادة وأبو إسحاق الفزاري وعبد الله بن إدريس، بينما وقع الاختلاف حتى على بعض من روى الوجه الآخر، كجعفر بن سليمان، فليس الوجه الموصول عن كَهْمَس في قوة الوجه المرسل.
ثم إن إدخال عبد الله بن الزبير لا يحل مشكلة الاتصال أصلًا؛ لأن مُصعب بن ثابت لم يدرك جده عبد الله بن الزبير، فقد مات مُصعب سنة سبع وخمسين ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، فيكون مولده نحو سنة أربع وثمانين، بينما قتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين. ولهذا نص المزي عند ذكر شيوخ مُصعب على روايته عن «جده عبد الله بن الزبير مرسل».8 فحتى الطريق الذي ظاهره: مُصعب، عن عبد الله بن الزبير، عن عثمان، منقطع.
ورواه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم، عن مُصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، عن عثمان رضي الله عنه بلفظ: «من رابط ليلة في سبيل الله سبحانه كانت كألف ليلة صيامها وقيامها».9 وهذا لا يقوي الوجه الموصول؛ فعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، ثم تبقى علة انقطاع رواية مُصعب عن عبد الله بن الزبير قائمة.
ومُصعب بن ثابت نفسه ليس ممن يحتمل تفرده بمثل هذا الفضل العظيم؛ قال أحمد: «أراه ضعيف الحديث، لم أر الناس يحمدون حديثه»، وقال يحيى بن معين: «ضعيف»، وقال أبو حاتم: «صدوق كثير الغلط ليس بالقوي»، وقال النسائي: «ليس بالقوي».10 فالخبر اجتمع فيه ضعف مُصعب والانقطاع، ثم جاء نقد الدارقطني الخاص مرجحًا للوجه الأكثر انقطاعًا: مُصعب عن عثمان مباشرة.
لكن للحديث عن عثمان رضي الله عنه أصل صحيح بلفظ آخر؛ رواه أحمد،11 والترمذي،12 والنسائي،13 من طريق الليث بن سعد، عن زُهرة بن مَعبد، عن أبي صالح مولى عثمان، قال: سمعت عثمان رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ». وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب».14
وهذا الطريق مستقل عن مُصعب بن ثابت، ويثبت أصل الفضيلة عن عثمان، بل يوافق حديث الباب في ذكر الألف. ولهذا جعل الضياء حديث مُصعب شاهدًا لهذا الحديث، لا العكس.15
لكن حديث أبي صالح لا يثبت خصوص الزيادة الواردة في حديث مُصعب: «ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها»؛ فالمحفوظ في الطريق الصحيح: «خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل». ولا يصح أن ننقل صحة أصل فضل الرباط إلى كل تفصيل زائد جاء من طريق منقطع فيه راو كثير الغلط.
ويشهد لأصل فضل الرباط حديث سلمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ».16 وهذا شاهد قوي لأصل تفضيل الرباط على الصيام والقيام، لكنه لا يشهد للعدد الخاص: «ألف ليلة».
وجاءت أحاديث أخرى بفضائل أعظم في حراسة ليلة، منها حديث أنس رضي الله عنه: «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة...» رواه ابن ماجه،17 لكنه شديد الضعف؛ فإن سعيد بن خالد بن أبي الطويل متروك أو متهم، وقال المنذري: «يشبه أن يكون موضوعًا».18 فلا يصلح لجبر حديث عثمان، بل هو أوهى منه.
فالحديث في لفظه محل البحث يدور على مُصعب بن ثابت، وأقوى من رواه عنه كَهْمَس بن الحسن، وقد اختلف عليه: فزاد بعضهم عبد الله بن الزبير، وأسقطه جماعة من الحفاظ، ورجح الدارقطني الوجه المرسل عن مُصعب، عن عثمان، وقال: «هو الصواب» و«هو المحفوظ». وحتى الوجه الذي فيه عبد الله بن الزبير منقطع؛ لأن مُصعبًا لم يدرك جده. ثم مُصعب نفسه ضعيف كثير الغلط، فلا يحتمل تفرده بهذه الزيادة الكبيرة في الثواب.
وأقوى حجة لمن يقبل الحديث تصحيح الحاكم، ووجود طريق صحيح آخر عن عثمان في فضل الرباط بألف يوم، وثبوت فضل الرباط على الصيام والقيام في حديث سلمان. والجواب أن هذه النصوص تثبت أصل الفضيلة، لكنها لا تثبت خصوص قول: «أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها»؛ وهذه زيادة ثواب مخصوصة، مدارها على الطريق المعلول.
وأقوى حجة للتضعيف ترجيح الدارقطني للمرسل بعد استيعاب اختلاف أصحاب كَهْمَس، مع ثبوت عدم إدراك مُصعب لعثمان ولا لجده عبد الله بن الزبير، وانضمام ضعف مُصعب إلى الانقطاع، وعدم وجود شاهد صحيح يثبت خصوص «ألف ليلة» مع قيام لياليها وصيام نهاراتها.
فالراجح: الحديث مرفوع ضعيف بهذا اللفظ، ولا يثبت أن حراسة ليلة تعدل ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها. وأما أصل فضل الرباط والحراسة، وأن رباط يوم خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل، فثابت عن عثمان بطريق آخر مستقل.
المصادر والمراجع
1الجهاد لابن أبي عاصم (424/2 رقم 150)
2المعجم الكبير (91/1 رقم 145)
3المستدرك (301/3 رقم 2461)
4شعب الإيمان (98/6 رقم 3929 ط الرشد)
5مسند أحمد (488/1 رقم 433 ط الرسالة)
6مسند أحمد (509/1 رقم 463 ط الرسالة)
7علل الدارقطني (36-37/3 رقم 270 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
8تهذيب الكمال (18/28 رقم 5980 ت بشار عواد معروف)
9سنن ابن ماجه (924/2 رقم 2766 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
10تهذيب الكمال (20-21/28 رقم 5980 ت بشار عواد معروف)
11مسند أحمد (513/1 رقم 470 ط الرسالة)
12سنن الترمذي (رقم 1667 ت بشار عواد معروف)
13سنن النسائي (39/6 رقم 3169)
14سنن الترمذي (رقم 1667 ت بشار عواد معروف)
15الأحاديث المختارة (488/1 رقم 362)
16صحيح مسلم (1520/3 رقم 1913 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
17سنن ابن ماجه (925/2 رقم 2770 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
18الترغيب والترهيب (225/2)
شرح الحديث
(إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) على فرض ثبوت هذا اللفظ، يخبر عثمان رضي الله عنه الناس بحديث في فضل الحراسة والرباط (مَا كَانَ يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا الضِّنُّ عَلَيْكُمْ) الضِّن بمعنى البخل والحرص؛ فالمقصود شدة حرصه عليهم وخشيته أن يسمعوا عظيم فضل الرباط فيتفرقوا عنه إلى الثغور (حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) الحرس هو السهر في موضع يخشى فيه العدو لحماية المسلمين ومنع المباغتة، وهو من أعمال الجهاد لما فيه من حفظ الأنفس والثغور (أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا وَيُصَامُ نَهَارُهَا) هذا الثواب بهذا العدد الخاص لا يثبت من هذا الحديث على الراجح، لكن أصل عظم فضل الرباط والحراسة ثابت بأحاديث صحيحة، ومنها قوله ﷺ: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه».1
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (1520/3 رقم 1913 ت محمد فؤاد عبد الباقي)