احتج به البخاري مرفوعًا من حديث أنس،1 وأخرجه أيضًا من طريق إسماعيل بن جعفر عن حُميد مرفوعًا.2 وقال الترمذي: «هذا حديث صحيح».3 وأورده ابن حبان في صحيحه.4
لكن أبا حاتم سئل عن رواية حُجَين اليَمامي، عن عبد العزيز الماجِشون، عن حُميد، عن أنس مرفوعًا فقال: «هذا خطأ؛ الصحيح: عن أنس، موقوف».5 وسئل قبل ذلك عن رواية محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن حُميد، عن أنس مرفوعًا، فذكر رواية محمد بن عبد الله الأنصاري عن حُميد عن أنس موقوفًا، ثم قال: «حديث حُميد فيه مثل ذا كثير؛ واحد عنه يسند، وآخر يوقف».6 وقال البزار: «رواه غير واحد عن حُميد، عن أنس موقوفًا، وروى ثابت بعض كلامه».7
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (17/4 رقم 2796 ط دار طوق النجاة)
2صحيح البخاري (117/8 رقم 6568 ط دار طوق النجاة)
3سنن الترمذي (181/4 رقم 1651)
4صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع (6/ 248 رقم 5182)
5علل الحديث لابن أبي حاتم (491/5 رقم 2131 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
6علل الحديث لابن أبي حاتم (357/3 رقم 931 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
7البحر الزخار (161/13 رقم 6583)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 من طريق أبي إسحاق الفَزاري، عن حُميد، قال: سمعت أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، مرفوعًا.
ورواه البخاري،2 والترمذي،3 وأحمد،4 من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حُميد الطَّويل، عن أنس رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه أحمد،5 من طريق محمد بن طلحة، عن حُميد، عن أنس مرفوعًا، وأبو يعلى،6 من طريق خالد بن عبد الله الطَّحان، عن حُميد، عن أنس مرفوعًا.
وجاء مرفوعًا كذلك من طريق عبد العزيز الماجِشون، عن حُميد، عن أنس؛ رواه أحمد،7 وابن حبان،8 من طريق حُجَين بن المثنى، عنه. وهذه الرواية بعينها هي التي حكم أبو حاتم عليها بالخطأ، وقال: «الصحيح: عن أنس، موقوف».9
فليس رفع الحديث فردًا من طريق حُجَين عن الماجِشون حتى يسقط بحكم أبي حاتم على هذا الوجه؛ بل رواه عن حُميد مرفوعًا جماعة من الحفاظ، منهم أبو إسحاق الفَزاري، وإسماعيل بن جعفر، ومحمد بن طلحة، وخالد بن عبد الله الطَّحان، ورواه كذلك محمد بن جعفر بن أبي كثير وغيره. ولهذا فموضع البحث الحقيقي ليس ثبوت الرفع عن راو واحد، وإنما اختلاف أصحاب حُميد نفسه عليه.
وفي المقابل رواه عبد الله بن المبارك،10 عن حُميد الطَّويل، عن أنس رضي الله عنه موقوفًا، وفيه: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها... ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت الأرض طيبًا، ولنصيفها خير من الدنيا وما فيها».
ورواه محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حُميد، عن أنس موقوفًا، وهي الرواية التي ذكرها أبو حاتم في مقابلة الوجه المرفوع.11 ونص البزار على أن غير واحد رواه عن حُميد عن أنس موقوفًا.12
فثبت الاختلاف على حُميد ثبوتًا لا يجوز إغفاله: جماعة رفعوه عنه، وجماعة وقفوه. ولهذا لم يتعامل أبو حاتم مع المسألة على قاعدة أن الزيادة من الثقة مقبولة، بل نظر إلى الاختلاف نفسه، وقال في الموضع الأول: «واحد عنه يسند، وآخر يوقف»، ثم جزم في رواية الماجِشون بأن «الصحيح عن أنس موقوف».
لكن ترجيح الوقف في أصل الحديث كله ليس ظاهرًا هنا؛ لأن الرفع لم يتفرد به راو متوسط أو واحد ممن يحتمل وهمه، بل اتفق عليه عدد من أصحاب حُميد، وفيهم إسماعيل بن جعفر وأبو إسحاق الفَزاري وخالد الطَّحان، واحتج البخاري بالحديث من طريقين عن حُميد، وأخرجه في صحيحه في موضعين. فهذه ليست صورة إسناد ظاهر الصحة خالفه النقاد من طريق واحد؛ وإنما هو اختلاف قديم محفوظ في الرواية نفسها، وقد اختار البخاري الوجه المرفوع كما اختار أبو حاتم الوقف.
وقول أبي حاتم في المسألة الأولى أدق في وصف حال الحديث من إطلاق قوله في الطريق الآخر: «الصحيح موقوف»، إذ قال: «حديث حُميد فيه مثل ذا كثير؛ واحد عنه يسند، وآخر يوقف».13 وهذا يدل على أن أصل الاختلاف من رواية حُميد، لا أن كل من رفعه أخطأ بالضرورة.
وأما قول البزار: «وروى ثابت بعض كلامه»، فالمراد أن ثابتًا البُناني روى عن أنس مرفوعًا بعض أصل الحديث، وهو قوله ﷺ: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها»، وهذا ثابت في صحيح مسلم،14 لكنه لا يتضمن وصف امرأة الجنة ولا قوله: «ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها»، فلا يصلح أن يجعل متابعة مستقلة لهذه الزيادة بعينها.
وجاء خصوص معنى «النصيف» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ رواه أحمد،15 وأبو نعيم من طريق الخَزرج بن عثمان السَّعدي، عن أبي أيوب مولى عثمان بن عفان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها». قال الراوي: قلت: يا أبا هريرة، ما النصيف؟ قال: «الخمار».
لكن هذا الطريق لا يصلح وحده أن يكون عمدة؛ فالخَزرج بن عثمان مختلف فيه، وقال الدارقطني: «الخزرج بصري يترك»، وقال في أبي أيوب الواقع في هذا الإسناد: «هذا مجهول».16 فهو شاهد للفظ، لا طريق يسقط به اختلاف أصحاب حُميد.
وأقوى حجة للوقف أن عبد الله بن المبارك ومحمد بن عبد الله الأنصاري روياه عن حُميد موقوفًا، وأن البزار عرف وقفه عن غير واحد، ثم جاء حكم أبي حاتم الصريح: «الصحيح عن أنس موقوف». وهذه قرائن نقدية لا يجوز تجاوزها لمجرد أن رجال الإسناد المرفوع ثقات.
وأقوى حجة للرفع أن حُميدًا رواه مرفوعًا عنه جماعة من الحفاظ، لا راو واحد، وفيهم إسماعيل بن جعفر وأبو إسحاق الفَزاري وخالد الطَّحان، وقد انتقى البخاري المرفوع واحتج به من أكثر من وجه، وصححه الترمذي. فالقول بأن هؤلاء جميعًا أخطؤوا في رفعه مع اتفاقهم عليه أشد من القول بأن حُميدًا كان يحدث به تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا، أو أن بعض أصحابه وقفه اختصارًا.
والراجح أن المرفوع محفوظ، وأن الوقف محفوظ كذلك عن حُميد، ولا يلزم أن يكون أحد الوجهين وهمًا محضًا؛ فقد كان يقع من بعض الرواة أن يحدث بالخبر مرفوعًا تارة ويقف به تارة. وترجيح أبي حاتم للوقف قرينة قوية، لكنها تقابلها هنا قرينة أقوى من مجرد ظاهر الإسناد، وهي تعدد الحفاظ الرافعين للحديث وانتقاء البخاري له من طريقين. ولذلك فالحديث صحيح، مع ثبوت الاختلاف في طريق حُميد، ولا يصح إخفاء هذا الاختلاف عند تخريجه.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (17/4 رقم 2796 ط دار طوق النجاة)
2صحيح البخاري (117/8 رقم 6568 ط دار طوق النجاة)
3سنن الترمذي (181/4 رقم 1651)
4مسند أحمد (300/21 رقم 13780 ط الرسالة)
5مسند أحمد (424/19 رقم 12436 ط الرسالة)
6مسند أبي يعلى (411/6 رقم 3775 ت حسين سليم أسد)
7مسند أحمد (476-477/19 رقم 12492 ط الرسالة)
8صحيح ابن حبان (412/16 رقم 7399 ت شعيب الأرناؤوط)
9علل الحديث لابن أبي حاتم (491/5 رقم 2131 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
10الجهاد لابن المبارك (ص38 رقم 23 ت نزيه حماد)
11علل الحديث لابن أبي حاتم (357/3 رقم 931 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
12البحر الزخار (161/13 رقم 6583)
13علل الحديث لابن أبي حاتم (357/3 رقم 931 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
14صحيح مسلم (1499/3 رقم 1880 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15مسند أحمد (189/16 رقم 10270 ط الرسالة)
16تهذيب الكمال (241-242/8 رقم 1684 ت بشار عواد معروف)
شرح الحديث
(لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) الغدوة الخروج في أول النهار، والروحة الخروج في آخره، والمقصود أن الزمن اليسير الذي يقضيه العبد في سبيل الله أعظم من الدنيا كلها وما اشتملت عليه من الأموال والمتاع؛ لأن ثواب الآخرة باق، والدنيا فانية (وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدَمِهِ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) قاب القوس قدر مساحته، والمقصود أن أقل موضع في الجنة خير من جميع متاع الدنيا؛ لعظم نعيم الجنة ودوامه، وصغر الدنيا وفنائها (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ) المراد لو ظهرت امرأة من نساء الجنة لأهل الدنيا ظهورًا يطلع الناس على شيء من نورها وجمالها.(لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أي لملأ نورها ما بين السماء والأرض ضياءً، وهذا من بيان عظم ما خلق الله لأهل الجنة من الجمال والكمال (وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا) المراد لملأت ما بين السماء والأرض طيبًا من شدة طيب ريحها، وقد جاء في بعض الروايات: «ريح مسك» (وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا) النصيف هو الخمار الذي تغطي به المرأة رأسها، وقد فسره أبو هريرة بذلك في الرواية الأخرى، فالحديث لا يتكلم عن ذات المرأة فحسب، بل عن قطعة من لباسها (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) المراد أن خمار امرأة من أهل الجنة وحده أعظم قدرًا وأفضل من الدنيا كلها وما فيها من الأموال والقصور والزينة؛ لأن ما في الجنة باق كامل، وما في الدنيا فان ناقص، وهذا من تقريب عظمة نعيم الجنة إلى الأفهام، مع أن حقيقتها أعظم مما يتصوره أهل الدنيا.
فوائد الحديث
نعيم الجنة لا يقاس بزينة الدنيا؛ فأقل موضع فيها خير من الدنيا وما فيها.
في الحديث بيان عظيم جمال نساء الجنة وطيبهن ونورهن.
«النصيف» في الحديث هو الخمار، وهو ما يكون على رأس المرأة.
فضل الغدو والرواح في سبيل الله ثابت من طرق صحيحة مستقلة، فلا يتوقف على الاختلاف الواقع في طريق حُميد.
منهج العلل يقتضي ذكر اختلاف الرفع والوقف ولو كان الحديث في «الصحيح»، فوجود الحديث في الصحيح لا يسوغ إخفاء كلام أبي حاتم والبزار، كما أن كلامهما لا يقتضي رد المرفوع دون موازنة جميع أصحاب المدار.