تخريج حديث 2047: «لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ…»
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:
لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ.”
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:
لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ.”
رواه البخاري،1 ومسلم،2 وأبو داود،3 وابن ماجه،4 وابن حبان،5 من طرق عن سليمان الأَعمش، عن أبي الضُّحى مسلم بن صُبيح، عن مَسروق بن الأجدع، عن عائشة رضي الله عنها، بألفاظ متقاربة.
وقد جاء التصريح بسماع الأَعمش من أبي الضُّحى؛ فرواه البخاري من طريق شُعبة، عن سليمان الأعمش قال: «سمعت أبا الضحى يحدث عن مسروق، عن عائشة».6 فلا مدخل لإعلال هذا الطريق بتدليس الأعمش.
ولم ينفرد الأعمش به عن أبي الضُّحى؛ فرواه البخاري،7 ومسلم،8 والنسائي،9 من طرق عن مَنصور بن المُعتمر، عن أبي الضُّحى، عن مَسروق، عن عائشة رضي الله عنها به.
فالحديث يدور على أبي الضُّحى مسلم بن صُبيح، عن مَسروق، عن عائشة، وقد رواه عنه اثنان من الأئمة الحفاظ: سليمان الأَعمش ومَنصور بن المُعتمر، ثم تفرعت الرواية عنهما من طرق جماعة من الحفاظ، واحتج به البخاري ومسلم؛ فالإسناد محفوظ لا يظهر فيه اختلاف يوجب إعلاله.
واختلفت ألفاظ الرواة في تفصيل الواقعة من غير اختلاف مؤثر؛ ففي رواية: «لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها... فقال: حرمت التجارة في الخمر».10 وفي أخرى: «لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا، خرج النبي ﷺ إلى المسجد فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر».11 وفي رواية مسلم: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة، خرج رسول الله ﷺ فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر».12 وعند النسائي: «لما نزلت آيات الربا قام رسول الله ﷺ على المنبر فتلاهن على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر».13
فهذه الروايات يفسر بعضها بعضًا؛ فالمراد بقول عائشة: «آيات سورة البقرة عن آخرها» آيات الربا الواقعة في أواخر السورة، وليس المراد خصوص الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة.
وقد يُشكل أن بيع الخمر كان قد حُرِّم قبل نزول آيات الربا؛ فقد ثبت عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال عام الفتح: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». رواه البخاري،14 ومسلم،15 وثبت من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ لما حُرمت الخمر قال لمن كان عنده منها شيء: «فلا يشرب ولا يبع».16
فليس معنى حديث عائشة أن تحريم تجارة الخمر ابتدأ عند نزول آيات الربا، وإنما أخبر النبي ﷺ بتحريمها وكرر بيانه للناس في ذلك المجلس عند تلاوة آيات الربا. وقد نبه ابن رجب إلى هذا الإشكال فقال: «مراد عائشة: أن النبي ﷺ أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا، وإن كان قد سبق ذكر تحريم بيع الخمر».17
وذكر ابن رجب وجهًا آخر في مناسبة الجمع بينهما، وهو أن نزول تحريم الربا كان مناسبة لبيان صور أكل الأموال بالمحرمات والمعاوضات الباطلة، ومن ذلك أثمان الأعيان المحرمة كالخمر والميتة والخنزير والأصنام.18 وهذا تفسير للمناسبة، لا أن آيات الربا نفسها تضمنت نصًا خاصًا في الخمر.
فالحديث ثابت من طريقين قويين عن أبي الضُّحى: طريق الأعمش وطريق مَنصور، واحتج به البخاري ومسلم، ولا اختلاف مؤثر في إسناده. واختلاف ألفاظه إنما هو اختصار وتفصيل؛ فبعض الرواة ذكر أن الآيات هي آيات الربا، وبعضهم قال: «الآيات من آخر سورة البقرة»، وبعضهم ذكر خروجه إلى المسجد وقراءته الآيات، وكل ذلك متوافق. ولا تعارض بين الحديث وبين سبق تحريم بيع الخمر؛ لأن النبي ﷺ أعاد إعلان الحكم عند نزول آيات الربا، ولم تقل عائشة إن هذا أول زمن حُرمت فيه تجارة الخمر.
(لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا) نزلت الآيات المتعلقة بالربا من أواخر سورة البقرة، كما صرحت بذلك الروايات الأخرى، فالمراد الآيات القريبة من آخر السورة لا خصوص خاتمتها (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ) خرج إلى الناس ليبلغهم ما نزل من الوحي، وجاء في الروايات الأخرى أنه خرج إلى المسجد وقام على المنبر، فكان المقصود إعلان الحكم وإبلاغه للناس على وجه ظاهر«فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ» ثبتت هذه الجملة في الروايات المطولة؛ فتلا عليهم آيات الربا التي نزلت ليعلموا حكم الله فيها، وكان ﷺ إذا نزل الحكم بلغه للأمة وبيّن ما يتعلق به (فَقَالَ: حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ) منع بيع الخمر والاتجار بها وأخذ ثمنها؛ فتحريم الشرب لا يبيح للإنسان أن يحول المحرم إلى مال ببيعه لغيره، ولم يكن هذا ابتداء تحريم بيع الخمر؛ فقد سبق تحريمه، وإنما أعاد النبي ﷺ بيان الحكم في هذا المقام، فاجتمع في المجلس التحذير من الربا ومن الكسب المحرم بثمن الخمر. وفي الحديث أن الشريعة لا تحرم الانتفاع المحرم بالشيء ثم تفتح لصاحبه باب التكسب منه؛ فما حرمه الله على العباد لا يجعل ثمنه طريقًا مشروعًا إلى المال.