تخريج حديث 2048: «حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.”
رواه الديلمي، من طريق ابن صاعد، عن عبد الله بن محمد بن سعيد الحَرَّاني، عن محمد بن سُلَيمان بن أبي داود، قال: حدثني أبي، عن عبد الكريم الجَزَري، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ». وقد حفظ ابن حجر إسناد أبي الشيخ في «الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس».1
فالحديث يدور على سُلَيمان بن أبي داود الحَرَّاني، عن عبد الكريم الجَزَري، وليس موضع العلة فيمن فوقه؛ فعبد الكريم بن مالك الجَزَري ثقة متقن، وسعيد بن المُسيَّب إمام، وروايته عن أبي هريرة ثابتة مشهورة.
وأما محمد بن سُلَيمان بن أبي داود -راوي الحديث عن أبيه- فمقبول في نفسه؛ قال النسائي: «لا بأس به»، ونقل أبو عوانة توثيقه، وذكره ابن حبان في «الثقات».2 فلا تعلق للعلة به.
وإنما العلة في أبيه سُلَيمان بن أبي داود؛ فقد اجتمع كلام النقاد على وهنه الشديد، قال أبو حاتم: «ضعيف الحديث جدًا»، وقال أبو زرعة: «لين الحديث».3 وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال أحمد: «ليس بشيء»، وقال النسائي: «ليس بثقة ولا مأمون».4 وزاد ابن حبان فحكم بأنه «منكر الحديث جدًا» وأنه خرج عن حد الاحتجاج.5 فمثل هذا لا يحتمل تفرده بهذا اللفظ.
وللخبر ما يشبهه من حديث سعيد بن المُسيَّب مرسلًا؛ رواه ابن أبي الدنيا من طريق عُبيد الله بن موسى، عن موسى بن عُبيدة الرَّبَذي، عن زيد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المُسيَّب، قال: قال رسول الله ﷺ: «حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أَبِيهِ».6
وهذا لا يصلح لتقوية حديث أبي هريرة؛ فهو مرسل أولًا، ثم في إسناده موسى بن عُبيدة الرَّبَذي، وهو ضعيف؛ قال أحمد: «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال علي بن المديني: «ضعيف ضعيف».7 ثم إن لفظه «كحرمة أبيه» لا «كحرمة دمه»، فهو شاهد لأصل تعظيم حق الجار، لا للفظ الحديث محل البحث.
وأما أصل تعظيم حرمة الجار والتحذير من أذيته فثابت بأحاديث صحيحة كثيرة؛ ففي حديث أبي شُريح رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ»، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».8 وثبت عنه ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ». رواه البخاري،9 ومسلم،10 وثبت قوله ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».رواه البخاري،11ومسلم.12
لكن هذه الأحاديث لا تشهد لخصوص قوله: «كحرمة دمه»؛ فهي تثبت أصل حق الجار وتحريم أذيته، ولا تثبت هذه المساواة الخاصة في اللفظ والحكم. فلا يصح تحسين الحديث بمجرد صحة المعنى العام.
فالحديث لا يعرف بهذا اللفظ إلا من طريق سُلَيمان بن أبي داود، وهو منكر الحديث شديد الضعف، وقد انفرد به عن عبد الكريم الجَزَري. وأما المرسل عن سعيد بن المُسيَّب فضعيف أيضًا، ولفظه مختلف: «كحرمة أبيه»، فلا يصلح متابعة للفظ «كحرمة دمه». والأحاديث الصحيحة في حقوق الجار تشهد لأصل المعنى فقط، ولا ترفع هذا الإسناد ولا تثبت هذه الزيادة الخاصة.
وأقوى حجة لقبول معناه كثرة الأحاديث الصحيحة في تعظيم حق الجار وتحريم أذيته، لكن هذه حجة في المعنى العام، لا في ثبوت هذا النص. وأقوى حجة لتضعيفه تفرد سُلَيمان بن أبي داود، مع اتفاق النقاد على شدة ضعفه ونكارة حديثه، وعدم وجود متابعة معتبرة تتجاوز موضع العلة.
(حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ) للجار حق مؤكد بسبب قربه وملازمته واطلاعه على أحوال جاره، فيحرم ظلمه وأذيته والاعتداء على ماله وعرضه وخصوصيته، ويزداد قبح الذنب إذا وقع ممن كان الواجب منه الحفظ والإحسان، (كَحُرْمَةِ دَمِهِ) شُبِّهت حرمة الاعتداء على حق الجار بحرمة سفك دمه في شدة الزجر وتعظيم الاعتداء، لا أن جميع صور أذية الجار مساوية للقتل في مقدار الإثم والعقوبة. لكن هذا التشبيه الخاص لا يثبت عن النبي ﷺ بهذا الخبر، وإنما الثابت في السنة تعظيم حق الجار والتحذير الشديد من أذيته، حتى نفى النبي ﷺ كمال الإيمان عمن لا يأمن جاره شره.