قال الشافعي : «ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر»، ثم قال: «وهذه أيضًا رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء».1 وقال عبد الرحمن بن مَهدي: «الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث»، يعني حديث: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله...».2 وقال زكريا الساجي في طريق ابن عمر: «هذا حديث موضوع عن النبي ﷺ»، ونقل عن علي بن المَديني أنه قال: «ليس لهذا الحديث أصل، والزنادقة وضعت هذا الحديث».3 وقال الدارقطني في الطريق المرفوع عن علي رضي الله عنه: «هذا وهم، والصواب عن عاصم، عن زيد، عن علي بن الحسين، مرسلًا عن النبي ﷺ».4 وقال العقيلي في اللفظ القريب من حديث أبي هريرة: «ليس لهذا اللفظ عن النبي ﷺ إسناد يصح».5
المصادر والمراجع
1الرسالة للشافعي (ص224-225 ت أحمد شاكر)
2جامع بيان العلم وفضله (رقم 2347 ت أبي الأشبال الزهيري)
3الإبانة الكبرى لابن بطة (265-266/1 رقم 102)
4سنن الدارقطني (372/5 رقم 4476)
5الضعفاء الكبير للعقيلي (32/1)
تخريج الحديث
رواه الشافعي،1 وأبو يوسف،2 والبيهقي،3 من طريق خالد بن أبي كَريمة، عن أبي جَعفر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني».
وهذا هو الطريق الذي حمل عليه البيهقي كلام الشافعي في «الرسالة»، وهو منقطع؛ فأبو جَعفر ليس بصحابي، فبينه وبين النبي ﷺ واسطة ساقطة. والشافعي لم يقف عند مجرد الانقطاع، بل قرر أن الذي يروي هذا الخبر ليس ممن يثبت حديثه، فقال: «ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر»، ثم وصفه بأنه «رواية منقطعة عن رجل مجهول».4 فالطريق الذي يبدو أنه أصل انتشار هذا اللفظ لا يثبت أصلًا.
ورواه ابن بطة،5 من طريق محمد بن الحارث المَخزومي، عن يحيى بن جَعدة المَخزومي، عن عمر بن حفص، عن عثمان بن عبد الرحمن الوَقَّاصي، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «يا عمر، لعل أحدكم متكئ على أريكته ثم يكذبني، ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فأنا قلته، وإن لم يوافقه فلم أقله».
وهذا أقرب الطرق إلى لفظ الباب، لكنه ليس طريقًا صالحًا لتقوية المرسل؛ فقد حكم زكريا الساجي على هذا الحديث نفسه فقال: «هذا حديث موضوع عن النبي ﷺ»، ونقل عن علي بن المَديني: «ليس لهذا الحديث أصل، والزنادقة وضعت هذا الحديث».6 فالنقد هنا خاص بهذا الطريق وهذا المتن، وليس مجرد جرح عام لأحد رواته.
وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما من طريق آخر؛ رواه الطبراني،7 من طريق الزُّبير بن محمد بن الزبير الرَّهاوي، عن قَتادة بن الفُضيل، عن أبي حاضِر، عن الوَضين، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا: «وإنه سيفشو عني أحاديث، فما أتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله».
وهذا الطريق لا يصلح شاهدًا لطريق ابن بطة؛ فإنه سلسلة أخرى واهية لا تحتمل مثل هذا الأصل الكبير، وفيها من لا يحتج بتفرده، فلا يمكن جعل مجرد مجيء المتن عن ابن عمر بإسنادين ساقطين سببًا لإثباته، ولا سيما مع الحكم الصريح من الساجي وعلي بن المَديني على أصل الخبر بالوضع.
وله طريق آخر، واه رواه الدارقطني،8 والبيهقي،9 من طريق جُبارة بن المُغَلِّس، عن أبي بكر بن عَيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِر بن حُبيش، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مرفوعًا: «إنها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فخذوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به».
وهذا الطريق مهم؛ لأنه يكشف طريقة أئمة العلل في الحديث؛ فالدارقطني لم يقبل الصورة الموصولة، مع اتصال ظاهر سندها، بل قال عقبها: «هذا وهم، والصواب عن عاصم، عن زيد، عن علي بن الحسين، مرسلًا عن النبي ﷺ».10 فالمحفوظ عنده ليس حديث علي رضي الله عنه أصلًا، وإنما مرسل علي بن الحسين.
وهذا يهدم عدَّ طريق علي شاهدًا مستقلًا للموصول؛ لأن الوجه المرفوع إلى علي إنما نشأ من خطأ في الإسناد، والوجه الذي رجحه إمام العلل ينتهي إلى تابعي يرسله عن النبي ﷺ. فلا يجوز أن يقال: معنا حديث ابن عمر وحديث علي فيتقوى أحدهما بالآخر؛ لأن حديث علي المرفوع نفسه غير محفوظ.
وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ قريب؛ رواه العقيلي،11 من طريق أشعث بن بَراز، عن قَتادة، عن عبد الله بن شَقيق، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «إذا حدثتم عني حديثًا يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث به». ثم قال العقيلي: «ليس لهذا اللفظ عن النبي ﷺ إسناد يصح».12 وهذا حكم خاص بالمتن وطرقه، ثم أشار إلى أن هذا الحديث من مناكير أشعث.
وهذا اللفظ في الحقيقة أشد نكارة؛ لأنه يجعل موافقة ما يسمى «الحق» كافية لنسبة القول إلى النبي ﷺ ولو لم يقله، وهذا باطل قطعًا؛ فالخبر عنه ﷺ لا يصير حديثًا بمجرد صحة معناه.
وجاء عن أبي هريرة وجه آخر؛ رواه الدارقطني،13 من طريق صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رَفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «سيأتيكم عني أحاديث مختلفة، فما جاءكم موافقًا لكتاب الله ولسنتي فهو مني، وما جاءكم مخالفًا لكتاب الله ولسنتي فليس مني». وهذا لا يصلح للتقوية؛ فقد قال الدارقطني عقب الطريق: «صالح بن موسى ضعيف، لا يحتج بحديثه».14 واللفظ نفسه مختلف؛ إذ جعل الموافقة للكتاب والسنة معًا، فلا يكون شاهدًا مطابقًا للقاعدة التي تجعل القرآن وحده معيار قبول الحديث.
وجاء عن ثوبان رضي الله عنه؛ رواه الطبراني،15 من طريق يزيد بن رَبيعة، عن أبي الأشعث، عن ثوبان رضي الله عنه، مرفوعًا، وفيه: «اعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو مني وأنا قلته». وهذا الطريق ساقط، فلا يصلح أن يكون عاضدًا لما قبله، وقد نبه النقاد إلى علله، فلا تتحول كثرة هذه الأسانيد الضعيفة والمنكرة إلى قوة.
وجاءت مراسيل أخرى بهذا المعنى، ولكنها لا تتجاوز موضع العلة؛ بل تؤكد أن هذا الكلام كان يتداول مرسلًا في طبقات المتأخرين من التابعين ومن بعدهم، ولا تثبت أن له أصلًا محفوظًا عن صحابي عن النبي ﷺ. وأوضح مثال لذلك طريق عاصم الذي صحح الدارقطني فيه الإرسال، وطريق أبي جَعفر المنقطع الذي عده الشافعي أصلًا واهيًا.
ومن الخطأ المنهجي جمع هذه الروايات والقول: «للحديث طرق كثيرة فيتقوى بها». فالطريق الأقرب إلى لفظ الباب حكم عليه الساجي بالوضع، ونقل عن علي بن المَديني أنه لا أصل له وأن الزنادقة وضعته، وطريق علي الموصول قلبه الدارقطني إلى مرسل وحكم على الوصل بالوهم، وطريق أبي جَعفر منقطع عند الشافعي، وطريق أبي هريرة أنكر العقيلي ثبوته، وبقية الطرق شديدة الضعف. فهذه ليست شواهد مستقلة صالحة للاعتبار، بل صور متعددة لحديث أنكرت أصوله أئمة النقد.
وتزداد قوة هذا الحكم بكلام عبد الرحمن بن مَهدي، وهو من أئمة العلل المتقدمين، إذ قال: «الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث»، ثم قال ابن عبد البر عقب نقله: «وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه».16