تخريج حديث 2051: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ…»
عن المُستَورِد بن شَدَّاد الفِهري رضي الله عنه قال:
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ دَلَكَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.”
عن المُستَورِد بن شَدَّاد الفِهري رضي الله عنه قال:
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ دَلَكَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.”
أصلحه أبو داود،1 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لَهِيعة».2 وروي عن مالك أنه قال لما حدثه ابن وهب به: «إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة».3 وصححه ابن القَطَّان،4 وقال ابن الملقن: «فالحديث حسن صحيح حيث لم ينفرد ابن لهيعة به».5 وصححه الألباني.6
لكن النووي قال: «وهو حديث ضعيف؛ فإنه من رواية عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف عند أهل الحديث».7 وأشار ابن حجر إلى علة المتابعة التي اعتمد عليها من صححه، فقال في رواية اللَّيث بن سعد وابن لهيعة وعَمرو بن الحارث: «وأظنه غلطًا من أحمد بن عبد الرحمن»، ثم بين أن المحفوظ عن ابن وهب هو ابن لهيعة وحده.8 وضعفه الدبيان،9 وقاتل الطريفي: «الأحاديث في تخليل أصابع الرجلين معلولة».10
رواه أبو داود،1 والترمذي،2 من طريق قُتيبة بن سعيد، عن ابن لَهِيعة، عن يَزيد بن عَمرو، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن المُستَورِد بن شَدَّاد رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظه عندهما: «إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره».
ورواه ابن ماجه،3 من طريق محمد بن حُمير، عن ابن لَهِيعة، بهذا الإسناد، بلفظ: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره»، ثم رواه من طريق قُتيبة عن ابن لهيعة نحوه.
ورواه أحمد،4 من طريق موسى بن داود، عن ابن لَهِيعة، به، بلفظ: «إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره»، ورواه أيضًا من طريق حسن بن موسى ويحيى بن إسحاق، عن ابن لَهِيعة، بهذا الإسناد.5
ورواه البزار،6 من طريق بشر بن عمر، عن ابن لَهِيعة، به، وقال عقب الحديث: «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد عن المستورد، وقد روي نحو كلامه عن النبي ﷺ من غير وجه بغير هذا اللفظ». وهذا نص مهم؛ فهو يثبت غرابة هذا اللفظ بعينه، ويفرق بينه وبين الأحاديث الواردة في أصل التخليل.
ورواه الطحاوي،7 والبيهقي،8 من طريق عبد الله بن وَهب، عن ابن لَهِيعة، عن يَزيد بن عَمرو المَعافري، قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحُبُلي يقول: سمعت المُستَورِد بن شَدَّاد رضي الله عنه، مرفوعًا. وفي هذا الطريق التصريح بالسماع بين يَزيد والحُبُلي، وبين الحُبُلي والمُستَورِد، لكن العلة باقية في ابن لَهِيعة.
ورواه ابن قانع والطبراني من طريق عبد الله بن يزيد المُقرئ، عن ابن لَهِيعة، به، ورواه غيرهما من طريق أَسد بن موسى وغيره عن ابن لهيعة، فجميع هذه الطرق لا تتجاوز موضع العلة، وإنما هي تعدد للرواة عن ابن لَهِيعة، لا تعدد لمخارج الحديث.
وهذا يوافق تنبيه الترمذي نفسه، فإنه بعد تحسين الحديث قال: «لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة».9 وكذلك قال البزار إن هذا اللفظ لا يعرف عن المُستَورِد إلا بهذا الإسناد.10 فمدار اللفظ الخاص: «بخنصره» على ابن لَهِيعة.
وقد اشتهرت لهذا الحديث متابعة ظاهرة تخرجه من تفرد ابن لَهِيعة؛ وهي ما رواه ابن أبي حاتم في قصة عبد الله بن وَهب مع مالك: أن مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين فقال: «ليس ذلك على الناس»، فقال له ابن وهب: عندنا في ذلك سنة، ثم قال: «حدثنا اللَّيث بن سعد، وابن لهيعة، وعَمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي...» فذكر الحديث، فقال مالك: «إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة».11 ورواها البيهقي كذلك.12
ولو ثبت هذا الوجه لكانت متابعة اللَّيث بن سعد وعَمرو بن الحارث لابن لَهِيعة متابعة قوية حقيقية تتجاوز موضع العلة، ولكان لتصحيح الحديث وجه ظاهر، ولهذا اعتمد عليها ابن القطان وابن الملقن وغيرهما.
لكن ابن حجر جمع روايات الحديث ونبه إلى أن هذه المتابعة غير محفوظة، فقال بعد ذكر رواية أحمد بن عبد الرحمن بن وَهب عن عمه، عن «اللَّيث وابن لهيعة وعمرو بن الحارث»: «وأظنه غلطًا من أحمد بن عبد الرحمن، فقد حدث به عن محمد بن الربيع الجِيزي في كتاب الصحابة الذين نزلوا مصر، فلم يذكر غير ابن لهيعة، وأخرجه من طرق عن ابن لهيعة، وعن يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كلاهما عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وحده».13
وأحمد بن عبد الرحمن بن وَهب، ابن أخي عبد الله بن وَهب، متكلم فيه، وليس ممن يحتمل تفرده عن عمه بمثل هذه الزيادة مع مخالفة أصحاب ابن وهب. قال أبو حاتم: «كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط»، وقال بعد ذلك: «كان صدوقًا».14 وقال ابن عدي: «رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين على ضعفه»، ثم ذكر جملة من الأحاديث التي أنكرت عليه عن عمه.15 وقال ابن يونس: «ضعيف، لا تقوم بحديثه حجة».16
وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبد الملك بن شعيب بن اللَّيث، فلا يقال إنه ساقط مطلقًا، لكن ثبوت التخليط عليه، وإنكار المصريين لجملة من تفرداته عن عمه، مع مخالفة روايته هنا للرواة الآخرين عن ابن وَهب، يجعل تفرده بذكر «اللَّيث بن سعد، وابن لَهِيعة، وعَمرو بن الحارث» غير محتمل.17
وهذا الترجيح تؤيده رواية البيهقي نفسه؛ فقد رواه من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومن طريق بَحر بن نصر، كلاهما عن ابن وَهب، فقال ابن وهب: أخبرك ابن لَهِيعة، عن يَزيد بن عَمرو... ولم يذكر اللَّيث بن سعد ولا عَمرو بن الحارث.18 فهذا طريقان عن ابن وَهب يوافقان ما رجحه ابن حجر، ويجعلان ذكر اللَّيث وعَمرو في رواية أحمد بن عبد الرحمن شاذًا عن سائر أصحاب ابن وَهب.
ومما يقوي هذا أن الترمذي، وهو المتقدم المطلع على طرق الباب، صرح بقوله: «لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة»،19 والبزار كذلك لم يعرف هذا اللفظ إلا بهذا الإسناد.20 فلو كانت متابعة اللَّيث وعَمرو محفوظة مشهورة لم يستقم هذا الإطلاق من الترمذي والبزار.
وعليه فلا يصح أن يقال: تابع ابن لَهِيعة اللَّيث بن سعد وعَمرو بن الحارث، ثم يُصحح الحديث بهذه المتابعة؛ لأنها نفسها موضع الوهم. والمحفوظ عن ابن وَهب في هذا الحديث أنه رواه عن ابن لَهِيعة وحده.
ويبقى النظر في رواية ابن وَهب وغيره من القدماء عن ابن لَهِيعة: هل تكفي وحدها لرفع حديثه إلى الاحتجاج؟
اختلف في ذلك، لكن كلام أبي حاتم وأبي زرعة أدق في هذا الباب؛ فقد سئلا عن ابن لَهِيعة فقالا: «جميعًا ضعيفان... أما ابن لهيعة فأمره مضطرب، يكتب حديثه على الاعتبار»، فقيل لأبي حاتم: «إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك وابن وهب يحتج به؟ قال: لا». وسئل أبو زرعة عن سماع القدماء منه فقال: «آخره وأوله سواء، إلا أن ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منه... وكان ابن لهيعة لا يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه».21
وهذا تحرير نفيس؛ فرواية ابن وَهب عن ابن لَهِيعة أقوى وأعدل من رواية كثير من المتأخرين عنه، لكنها لا تجعل ابن لَهِيعة محتجًا به إذا انفرد. والحديث هنا فرد له في هذه الكيفية الخاصة، كما صرح الترمذي والبزار.
أما قُتيبة بن سعيد وعبد الله بن يزيد المُقرئ وموسى بن داود وحسن بن موسى وغيرهم، فكلهم إنما يروونه عن ابن لَهِيعة، فلا تكون كثرتهم متابعة له؛ لأن العلة واقعة في شيخهم المشترك. وهذه من المواضع التي يظهر فيها فساد عد الأسانيد بدل تحديد المدار.
وجاء أصل تخليل الأصابع من غير حديث المُستَورِد، ومن أقواه حديث لَقيط بن صَبِرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»؛ رواه أبو داود،22 والترمذي،23 وقال: «هذا حديث حسن صحيح». فهذا شاهد صحيح لأصل تخليل الأصابع.
وجاء أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك»، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».24
لكن هذين الحديثين لا يشهدان لقوله: «بخنصره»؛ فهما يثبتان أصل التخليل، ولا يحددان الإصبع التي يكون بها. وتعيين الخنصر هيئة زائدة مخصوصة، فلا تثبت بمجرد ثبوت أصل الفعل من حديث آخر. ومن الخطأ أن يقال: لما صح التخليل صح حديث المُستَورِد بشواهده؛ لأن الشواهد هنا تشهد لجنس الفعل، لا لهذه الصفة الخاصة.
وأقوى حجة لتحسين حديث المُستَورِد قول الترمذي: «حسن غريب»، وسكوت أبي داود عنه، وروايته من طريق ابن وَهب وعبد الله بن يزيد المُقرئ وهما من قدماء أصحاب ابن لَهِيعة، وما روي من تحسين مالك له. وهذه قرائن تجعل الحديث أقوى من أفراد ابن لهيعة المتأخرة.
لكن أقوى حجة للتضعيف أن الترمذي نفسه صرح بأنه لا يعرفه إلا من حديث ابن لَهِيعة، والبزار أكد أن هذا اللفظ لا يعرف إلا بهذا الإسناد، والمتابعة التي اعتمد عليها المصححون عن اللَّيث وعَمرو بن الحارث رجح ابن حجر أنها غلط، وأثبتت الطرق المحفوظة عن ابن وَهب أنه رواه عن ابن لَهِيعة وحده، ثم إن أبا حاتم وأبا زرعة لا يحتجان بابن لَهِيعة حتى في رواية ابن وَهب عنه، وإنما يجعلون حديثه للاعتبار.
وهذه الحجة الثانية أقوى على منهج أئمة العلل؛ لأن محل البحث ليس أصل تخليل الأصابع، وإنما الصفة الزائدة: استعمال الخنصر، وقد انفرد بها راوٍ لا يحتج بتفرده، ولم تثبت له متابعة تتجاوز موضع العلة.
فالراجح أن حديث المُستَورِد مرفوع ضعيف، ولا تثبت به سنة تخصيص الخنصر بتخليل أصابع الرجلين. وأما أصل تخليل الأصابع في الوضوء فثابت من حديث لَقيط بن صَبِرة وغيره، فلا يلزم من تضعيف هذه الكيفية الخاصة تضعيف أصل التخليل.
(رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ) حكاية من المُستَورِد رضي الله عنه لفعل شاهده من النبي ﷺ بنفسه، فلو ثبت الإسناد كان من السنة الفعلية. وقوله: (إِذَا تَوَضَّأَ) المراد حال وضوئه ﷺ وغسله رجليه ضمن أعضاء الوضوء. وقوله: (دَلَكَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) الدلك إمرار الإصبع وتحريكها، وقد جاءت الروايات الأخرى لهذا الحديث بلفظ: «خلل أصابع رجليه» و«يدلك ما بين أصابع رجليه»، فيكون المقصود إدخال الإصبع بين أصابع القدمين لإيصال الماء إلى ما بينها. وأصل تخليل أصابع الرجلين ثابت بالسنة الصحيحة، لكن هذا الحديث لا يستقل بإثبات كيفية مخصوصة له. وقوله: (بِخِنْصَرِهِ) الخِنصر أصغر أصابع اليد، وهذه هي الزيادة الخاصة في حديث المُستَورِد، وهي التي لم يثبت لها طريق صحيح مستقل؛ فلا يثبت تخصيص الخنصر بالسنية بهذا الحديث، كما لا يوجد فيه تعيين اليد اليمنى أو اليسرى، ولا البداءة بخنصر الرجل اليمنى أو ترتيب مخصوص بين الأصابع، فلا يصح نسبة شيء من ذلك إلى السنة بغير دليل ثابت.