تخريج حديث 2053: «إِذَا أَلِفَ الْعَبْدُ الْإِعْرَاضَ عَنِ…»
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
إِذَا أَلِفَ الْعَبْدُ الْإِعْرَاضَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتَلَاهُ بِالْوَقِيعَةِ فِي الصَّالِحِينَ.”
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
إِذَا أَلِفَ الْعَبْدُ الْإِعْرَاضَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتَلَاهُ بِالْوَقِيعَةِ فِي الصَّالِحِينَ.”
قال ابن عساكر عقب روايته: «هذا حديث منكر، وأكثر رواته مجاهيل، والأشج أبو الدنيا لا يثبت سماعه من علي»، ثم ذكر أن نسخة أبي الدنيا وقعت إليه وليس الحديث فيها، وختم بقوله: «والله يعيذنا من الكذب برحمته».1 وقال ابن حجر في الطريق نفسه عن أحمد بن نصر الرُّوياني: «شيخ لا وجود له، اختلق اسمه بعض الكذابين».2 وقال الشوكاني في الحديث: «لا أصل له».3 وحكم عليه الألباني بالوضع.4 ولأحمد بن الصديق الغماري كتاب (إسعاف الملحين ببيان حال حديث: إذا ألف القلب الإعراض عن اللَّه ابتلى بالوقيعة في الصالحين) لكنه غير مطبوع.
رواه ابن عساكر،1 من طريق الحسين بن إبراهيم بن محمد بن كَلْمُون الدَّيرعاقولي، عن أبي عبد الله الحسين المَوازيني، عن أبي بكر أحمد بن نصر الرُّوياني، قال: سمعت الأشج، قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ألف العبد الإعراض عن الله تعالى ابتلاه بالوقيعة في الصالحين».
وهذا هو الطريق الذي يدور عليه الحديث، ولم أقف له على طريق آخر مرفوع يصلح للنظر أو المتابعة، فلا يوجد هنا تعدد أسانيد أصلًا حتى يبحث في تقوية بعضها ببعض.
وقد حكم ابن عساكر على الحديث نفسه بالنكارة، وبيّن علله فقال: «هذا حديث منكر، وأكثر رواته مجاهيل، والأشج أبو الدنيا لا يثبت سماعه من علي».2 فجمع بين جهالة أكثر رجال الطريق وانقطاع دعوى السماع بين أبي الدنيا الأشج وعلي رضي الله عنه.
والأشج المذكور هو أبو الدنيا المعمَّر، الذي اشتهر بادعاء طول العمر والرواية عن علي رضي الله عنه بعد مضي القرون، وقد أنكر النقاد دعواه ولم يثبتوا سماعه من علي؛ ولهذا لم يكتف ابن عساكر بجهالة رجال الطريق، بل نص على عدم ثبوت السماع، وهي علة قاطعة في اتصال الإسناد.
وفوق ذلك فإن في الطريق أبا بكر أحمد بن نصر الرُّوياني، وقد تتبع ابن حجر أمره فقال: «شيخ لا وجود له، اختلق اسمه بعض الكذابين»، ثم ذكر هذا الحديث بعينه من روايته عن الأشج أبي الدنيا عن علي.3 فالعلة هنا ليست ضعف حفظ راوٍ محتمل، بل وجود اسم مصنوع في نفس الطريق الذي حمل هذا الخبر.
وهذا يفسر عبارة ابن عساكر: «أكثر رواته مجاهيل»، ويزيدها قوة؛ لأن ابن حجر لم يقف عند جهالة أحمد بن نصر، بل انتهى إلى أنه اسم لا وجود له اختلقه بعض الكذابين. وإذا دخل الاختلاق في أصل السند، مع سقوط دعوى سماع الأشج من علي، لم يبق للطريق ما يحتمل الاعتبار.
وثمة قرينة قوية تكشف منشأ هذا اللفظ؛ فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي تُراب النَّخشبي أنه قال: «إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبه الوقيعة في أولياء الله».4 ونقله القشيري كذلك عن أبي تُراب بلفظ: «إذا ألف القلب الإعراض عن الله تعالى صحبته الوقيعة في أولياء الله تعالى».5
وهذا القول عن أبي تُراب النَّخشبي قريب جدًا لفظًا ومعنى من الحديث المنسوب إلى علي: «إذا ألف العبد الإعراض عن الله ابتلاه بالوقيعة في الصالحين». والفرق الرئيس أن كلام أبي تُراب جاء حكمةً من كلامه، ثم ظهر في الطريق المنكر مرفوعًا إلى النبي ﷺ، مع تبديل «صحبته» بـ«ابتلاه» و«أولياء الله» بـ«الصالحين». وهذه قرينة ظاهرة على أن الحديث المرفوع مأخوذ من كلام أهل الزهد ثم رُفع إلى النبي ﷺ.
وهذا أقوى من مجرد القول إن الإسناد ضعيف؛ لأننا أمام ثلاثة أمور مجتمعة: طريق وحيد لا متابع له، وفيه رجل قال ابن حجر إن اسمه مختلق، وراو يدعي السماع من علي لم يثبت سماعه منه، ثم نجد الكلام نفسه قبل ذلك منسوبًا إلى أبي تُراب النَّخشبي بوصفه من كلامه لا من كلام النبي ﷺ.
وأقوى ما يمكن أن يقال لمن يتوقف عن الحكم بالوضع أن ابن عساكر اقتصر على قوله: «حديث منكر»، ولم يقل صراحة: «موضوع». ولو كانت العلة مجرد جهالة بعض الرواة أو عدم ثبوت السماع لكان الحكم بالنكارة أو الضعف الشديد كافيًا.
لكن هذه الحجة لا تقاوم بقية القرائن؛ فابن حجر أثبت وجود اسم مختلق في سند هذا الحديث بعينه، والطريق لا يعرف إلا من هذه الجهة، كما أن أصل الجملة محفوظ قبل ذلك من كلام أبي تُراب النَّخشبي. ولهذا كان انتقال الحكم من مجرد «المنكر» إلى «الموضوع» قويًا، وهو الذي انتهى إليه الشوكاني بقوله: «لا أصل له»، والألباني بحكمه عليه بالوضع.
فالراجح أن الحديث موضوع على النبي ﷺ، ولا يصح عن علي رضي الله عنه، وليس له طريق يصلح للاعتبار. والأقرب أن أصل لفظه مأخوذ من كلمة أبي تُراب النَّخشبي: «إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبه الوقيعة في أولياء الله»، ثم رُفعت إلى النبي ﷺ بطريق مصنوع.