صححه الحاكم فقال: «صحيح الإسناد، وله شاهد مفسر عن أولاد عفيف بن عمرو».1 وأورده الضياء المقدسي في «المختارة».2 وصححه أحمد شاكر،3 وقال الهيثمي: «روي بأسانيد، ورجال أحمد ثقات».4
لكن العقيلي أورد هذا الحديث في ترجمة إِسماعيل بن إِياس بن عَفيف، ونقل عن البخاري فيه: «لم يصح حديثه ولم يثبت».5 وقال ابن عدي في إِسماعيل: «ليس هو بالمعروف، وما أظن له إلا حديثًا واحدًا».6 وأما الطريق الآخر فأورده العقيلي في ترجمة أَسَد بن عبد الله البَجلي، ونقل عن البخاري أنه «لم يتابع في حديثه».7 وقال ابن عدي بعد إخراج هذا الخبر من طريق أَسَد: «وأَسَد بن عبد الله هذا معروف بهذا الحديث... فأما المسند من أخباره فهذا الذي ذكرته يعرف به».8 وضعف محققو «المسند» طريق أحمد جدًا.9
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (183/3)
2الأحاديث المختارة (388/8)
3مسند أحمد (218/3 ت أحمد شاكر)
4مجمع الزوائد (106/9)
5الضعفاء الكبير للعقيلي (79/1)
6الكامل في ضعفاء الرجال (419/1)
7الضعفاء الكبير للعقيلي (27/1)
8الكامل في ضعفاء الرجال (84/2)
9مسند أحمد (306/3 رقم 1787 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 والبخاري،2 والعقيلي،3 والطبراني،4 والحاكم،5 من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث، عن إِسماعيل بن إِياس بن عَفيف الكِندي، عن أبيه إِياس، عن جده عَفيف الكِندي، فذكر القصة.
ورواه الطبري والبيهقي من طريق يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد.6 وهذه هي الطريق التي فيها زيادة: «وهو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر».
فمدار هذا الوجه بعد ابن إسحاق على يحيى بن أبي الأشعث، عن إِسماعيل بن إِياس، عن أبيه، عن عَفيف. وليس موضع العلة ابن إسحاق؛ فقد صرح بالتحديث، وإنما من دونه. فأما إِسماعيل بن إِياس فهو صاحب هذا الخبر، وقد قال البخاري: «لم يصح حديثه ولم يثبت»، وأورد العقيلي هذا الخبر نفسه مثالًا لحديثه.7 وقال ابن عدي: «ليس هو بالمعروف، وما أظن له إلا حديثًا واحدًا».8 وذكره ابن حبان في «الثقات»، لكن توثيق ابن حبان هنا لا يقاوم النقد الخاص من البخاري لهذا الحديث بعينه، ولا سيما مع قلة حديث إِسماعيل وعدم اشتهاره بالرواية.
وأبوه إِياس بن عَفيف لا يقوي الطريق؛ فقد قال البخاري فيه: «فيه نظر»، وذكره ابن عدي في الضعفاء، وإن ذكره ابن حبان في «الثقات».9 ويحيى بن أبي الأشعث كذلك قليل الرواية، فلا يكون في طبقات الحفاظ الذين يحتمل منهم مثل هذا الخبر التاريخي الطويل بما فيه من تفاصيل وزيادة إخبار بفتح كنوز كسرى وقيصر.
ولهذا كان حكم البخاري على حديث إِسماعيل بأنه «لم يصح ولم يثبت» أليق ببنية هذا الطريق من تصحيح الحاكم له بمجرد ظاهر اتصال الإسناد. وإيراد العقيلي الحديث بعينه في ترجمة إِسماعيل قرينة نقدية خاصة، فلا يصح تجاوزها بقول: رجال الإسناد معروفون أو ذكر بعضهم ابن حبان في الثقات.
وورد من طريق آخر، رواه النسائي،10 وأبو يعلى،11 والعقيلي،12 وابن عدي،13 من طريق سعيد بن خُثَيم الهِلالي، عن أَسَد بن عبد الله البَجلي، عن يحيى بن عَفيف، عن عَفيف، فذكر قصة رؤيته النبي ﷺ وعليًا وخديجة يصلون عند الكعبة بنحو أصل الخبر.
وهذا هو الشاهد الذي اعتمد عليه الحاكم والبيهقي ومن بعدهما في تقوية الطريق الأول، لكنه ليس متابعة قوية سالمة؛ فمداره على أَسَد بن عبد الله البَجلي، وقد قال البخاري فيه: «لم يتابع في حديثه».14 وأورده العقيلي في الضعفاء بسبب هذا الخبر، وقال ابن عدي: «معروف بهذا الحديث»، وأن المسند من أخباره إنما يعرف به.15 فهذه ليست متابعة من راو معروف بالحفظ والإتقان، بل خبر آخر تفرد به راو نبه البخاري نفسه إلى عدم متابعته.
وفوق ذلك اضطرب الإسناد في هذا الطريق؛ فرواه النسائي عن سعيد بن خُثَيم، عن أَسَد بن عبد الله، عن يحيى بن عَفيف، عن عَفيف.16 وجاء عند أبي يعلى: عن أَسَد بن وَداعة -وهو تصحيف في اسمه- عن ابن يحيى بن عَفيف، عن أبيه، عن جده عَفيف.17 وجاء عند ابن عدي: عن أَسَد بن عبد الله، عن يحيى بن عَفيف، عن أبيه عَفيف.18 ونبه المزي إلى هذا الاختلاف فقال في يحيى بن عَفيف: «عن أبيه، وقيل: عن ابن يحيى بن عفيف عن جده عفيف».19 فهذا الاضطراب في طبقة آل عَفيف يزيد الطريق ضعفًا، ولا يجعله متابعة مطمئنة للطريق الأول.
وسعيد بن خُثَيم في نفسه ليس موضع سقوط؛ فقد وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة والنسائي: «لا بأس به».20 وإنما موضع العلة بعده في أَسَد، ثم الاختلاف فيمن بعده.
وهنا تظهر قيمة كلام البخاري؛ فقد طعن في الطريقين كلٍّ من موضعه: قال في إِسماعيل بن إِياس، صاحب الطريق الأول: «لم يصح حديثه ولم يثبت»، وقال في أَسَد بن عبد الله، مدار الطريق الآخر: «لم يتابع في حديثه». فليس عندنا طريق ضعيف ثم طريق صالح يجبره، بل طريقان نبه الناقد نفسه إلى عدم ثبوتهما. ولهذا لا يكفي أن يقال: «له طريقان فيتقوى أحدهما بالآخر».
كما أن الطريق الثاني لا يحمل زيادة «وهو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر»؛ فهذه الزيادة تختص فيما وقفت عليه بطريق إِسماعيل بن إِياس المعلول، أما رواية يحيى بن عَفيف فتذكر أن رب محمد ﷺ أمره بهذا الدين، وأن خديجة وعليًا معه، ولا تذكر كنوز كسرى وقيصر.21 ولذلك فهذه الزيادة أضعف من أصل القصة، ولا يجوز تقويتها بالطريق الثاني؛ لأنه لا يشهد لها أصلًا.
وقد وقع اختلاف في خاتمة الخبر أيضًا؛ ففي طريق إِسماعيل: «لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثالثًا مع علي بن أبي طالب»، وفي بعض الروايات: «ثانيًا مع علي»، وجاء في الطريق الآخر عن عَفيف ما معناه أنه تمنى أن يكون رابعهم، وهو الموافق لظاهر القصة؛ لأن المذكورين النبي ﷺ وخديجة وعلي. وهذا الاختلاف ليس وحده علة مستقلة، لكنه يؤكد أن ألفاظ القصة لم تضبط على وجه واحد.
وأقوى حجة للتصحيح أن القصة رويت عن عَفيف من فرعين من ذريته: فرع إِياس بواسطة ابنه إِسماعيل، وفرع يحيى بن عَفيف، ولهذا صحح الحاكم الطريق الأول وقال إن له شاهدًا عن أولاد عَفيف، وأورده الضياء في «المختارة»، ورأى أحمد شاكر أن تعدد الطريقين يرفع الخبر.
لكن أقوى حجة للتضعيف هي أن أئمة النقد المتقدمين لم يروا هذا التعدد صالحًا للتقوية؛ فالبخاري لم يثبت حديث إِسماعيل، والطريق الآخر تفرد به أَسَد بن عبد الله الذي قال البخاري فيه: «لم يتابع في حديثه»، والعقيلي ساق كل طريق في ترجمة موضع علته، ثم إن الطريق الثاني نفسه مضطرب في تسمية الواسطة بعد أَسَد. فليس هذا من اختلاف المتأخرين في تحسين إسناد ظاهر، بل عندنا نقد خاص من البخاري للطريقين أنفسهما.
والراجح على طريقة المتقدمين أن الخبر لا يثبت بإسناد صالح، فهو مرفوع ضعيف، وأصل القصة لا نرفعه إلى الحسن بمجرد ضم الطريقين؛ لأن المتابعة نفسها معلولة، وأما زيادة «أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر» فهي أضعف؛ لانفراد الطريق الأول بها، وهو الطريق الذي حكم البخاري بعدم ثبوت حديث صاحبه.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (306/3 رقم 1787 ط الرسالة)
2التاريخ الكبير (74-75/7 ت عبد الرحمن المعلمي اليماني)
3الضعفاء الكبير للعقيلي (79-80/1)
4المعجم الكبير للطبراني (100/18 رقم 181)
5المستدرك على الصحيحين (183/3)
6دلائل النبوة للبيهقي (162/2)
7الضعفاء الكبير للعقيلي (79/1)
8الكامل في ضعفاء الرجال (419/1)
9الثقات لابن حبان (35/4)
10السنن الكبرى للنسائي (408/7 رقم 8337 ط الرسالة)
11مسند أبي يعلى (117-118/3 رقم 1547 ت حسين سليم أسد)
12الضعفاء الكبير للعقيلي (27/1)
13الكامل في ضعفاء الرجال (84/2)
14الكامل في ضعفاء الرجال (84/2)
15الكامل في ضعفاء الرجال (84/2)
16السنن الكبرى للنسائي (408/7 رقم 8337 ط الرسالة)
17مسند أبي يعلى (117/3 رقم 1547 ت حسين سليم أسد)
18الكامل في ضعفاء الرجال (84/2)
19تهذيب الكمال (472/31 ت بشار عواد معروف)
20تهذيب الكمال (413-414/10 ت بشار عواد معروف)
21السنن الكبرى للنسائي (408/7 رقم 8337 ط الرسالة)
شرح الحديث
(كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا) المراد أن عَفيفًا كان ممن يتعاطى البيع والشراء في الجاهلية. (فَقَدِمْتُ الْحَجَّ) معناه أنه قدم مكة زمن الحج قبل إسلامه، وكان العرب يحجون البيت في الجاهلية مع ما دخل على حجهم من الشرك والتحريف. (فَأَتَيْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأَبْتَاعَ مِنْهُ بَعْضَ التِّجَارَةِ) الابتياع هو الشراء، وكان بين عَفيف والعباس تعامل تجاري. (وَكَانَ امْرَأً تَاجِرًا) بيان أن العباس كان معروفًا بالتجارة، فكان مجيء عَفيف إليه لهذا الغرض. (فَوَاللهِ إِنِّي لَعِنْدَهُ بِمِنًى) يعني أنه كان جالسًا معه في منى أيام الحج. (إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خِبَاءٍ قَرِيبٍ مِنْهُ) الخِباء ما ينصب للسكن من بيوت الشعر ونحوها، والرجل هو النبي ﷺ كما فسره العباس بعد ذلك. (فَنَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ، فَلَمَّا رَآهَا مَالَتْ، يَعْنِي قَامَ يُصَلِّي) المراد أنه نظر إلى وقت زوال الشمس، فلما مالت عن وسط السماء قام للصلاة؛ وهذا التفصيل لا يثبت بهذا الخبر لضعفه. (ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْخِبَاءِ... فَقَامَتْ خَلْفَهُ تُصَلِّي) المرأة هي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ووصف قيامها خلفه يبين هيئة الجماعة في الرواية، لكن تفاصيل هذا المشهد لا يجزم بها من هذا الطريق. (ثُمَّ خَرَجَ غُلامٌ حِينَ رَاهَقَ الْحُلُمَ) «راهق الحلم» قارب البلوغ، والمراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذه الرواية. (فَقَامَ مَعَهُ يُصَلِّي) يعني شاركه في الصلاة، وجاء في الطريق الآخر أنه قام عن يمينه. (مَنْ هَذَا يَا عَبَّاسُ؟) سؤال عَفيف عن الرجل الذي رأى منه هذه العبادة غير المألوفة عنده. وقوله: (هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ أَخِي) تعريف العباس بابن أخيه ﷺ. (هَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ ابْنَةُ خُوَيْلِدٍ) بيان أن المرأة التي تصلي خلفه زوجته خديجة رضي الله عنها. (هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّهِ) تعريف الفتى الذي كان معه بالصلاة. (فَمَا هَذَا الَّذِي يَصْنَعُ؟) المراد السؤال عن هذه العبادة والدين الذي ظهرت آثاره في صلاتهم. وقوله: (يُصَلِّي، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) لفظ «يزعم» هنا من حكاية العباس بحسب الرواية، وليس لازمًا أن يراد به التكذيب، فإنه يستعمل في حكاية قول الشخص. (وَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَى أَمْرِهِ إِلَّا امْرَأَتُهُ، وَابْنُ عَمِّهِ هَذَا الْفَتَى) يفيد على فرض ثبوت الخبر أن الواقعة كانت في زمن مبكر جدًا من الدعوة، قبل انتشار الإسلام، ولا يصح بناء ترتيب دقيق لأول المسلمين على هذا الخبر وحده لضعفه. (وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَيُفْتَحُ عَلَيْهِ كُنُوزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ) كسرى لقب ملوك الفرس، وقيصر لقب ملوك الروم، والمعنى أن النبي ﷺ أخبر -بحسب هذه الرواية- بما سيكون من ظهور الإسلام وفتح بلاد الدولتين، لكن هذه الزيادة خاصة بالطريق المعلول ولا تثبت بهذا الخبر.(وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَسُنَ إِسْلامُهُ) معناه أن عَفيفًا أدرك الإسلام بعد هذه الواقعة فدخل فيه. (لَوْ كَانَ اللهُ رَزَقَنِي الْإِسْلامَ يَوْمَئِذٍ) تمنٍّ منه لو سبق إلى الإسلام في ذلك الوقت المبكر. (فَأَكُونُ ثَالِثًا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) المراد تمني شرف السبق، لكن لفظ الخاتمة اختلف في الروايات بين «ثالثًا» و«ثانيًا» وما يدل على «رابعهم»، فلا يعتمد على هذا اللفظ في ضبط ترتيب السابقين.