1ضعيف الترغيب والترهيب (ص125 رقم 233 ط مكتبة المعارف)
2إصلاح المساجد من البدع والعوائد (ص81)
تخريج الحديث
رواه الطبراني،1 من طريق رِشْدين بن سعد، عن زَبَّان بن فائد، عن سهل بن مُعاذ بن أنس، عن أبيه مُعاذ بن أنس الجُهني رضي الله عنه، مرفوعًا: «حسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه».
فمدار هذا اللفظ الخاص على رِشْدين بن سعد، عن زَبَّان بن فائد، عن سهل بن مُعاذ. ولم أقف على من رواه بهذا اللفظ عن زَبَّان غير رِشْدين، ولا على طريق مستقل يحمل جملة: «حسب المؤمن من الشقاء والخيبة».
ورِشْدين بن سعد شديد الضعف في الحديث؛ قال ابن معين: «ليس بشيء»، وقال أبو زرعة: «ضعيف الحديث»، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث»، وقال النسائي: «متروك الحديث».2 وقال ابن عدي: عامة أحاديثه قلَّ من يتابعه عليها.3 فتفرده بهذا اللفظ لا يحتمل.
ثم إن العلة لا تقف عند رِشْدين؛ فالخبر يمر بزَبَّان بن فائد عن سهل بن مُعاذ، وهذا التركيب نفسه محل نقد خاص عند المتقدمين. قال أحمد في زَبَّان: «أحاديثه مناكير»، وقال ابن معين: «شيخ ضعيف»، وقال أبو حاتم: «صالح».4 وأورد العقيلي جملة من رواياته عن سهل في مناكيره.5
وأشد من الجرح العام أن ابن حبان خص رواية زَبَّان عن سهل بالنقد، فقال في سهل: «لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زَبَّان بن فائد عنه».6 وذكر في موضع آخر أن التخليط واقع في هذه الروايات، وأنه لا يدري أهو من سهل أم من زَبَّان.7 فهذا نقد لنفس المخرج الذي جاء منه حديث الباب، لا مجرد كلام عام في أحد رجاله.
وقد رُوي عن مُعاذ بن أنس رضي الله عنه خبر قريب في المعنى، من الطريق نفسه عن زَبَّان، لكنه بلفظ آخر؛ رواه أحمد،8 والطبراني،9 من طريق عبد الله بن لَهِيعة، عن زَبَّان بن فائد، عن سهل بن مُعاذ، عن أبيه، مرفوعًا: «الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ، وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ: مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللهِ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، يَدْعُو إِلَى الْفَلَاحِ، وَلَا يُجِيبُهُ».
ورواه الطبراني،10 من طريق رِشْدين بن سعد، عن زَبَّان، عن سهل، عن أبيه، بمثله. فهذه الرواية لا تصلح متابعة لحديث الباب؛ لأنها ترجع إلى زَبَّان عن سهل نفسه، وهو موضع العلة، مع اختلاف اللفظ.
وجاء أصل الخبر من طريق يتجاوز زَبَّان؛ رواه أبو طاهر المخلِّص،11 من طريق قُتيبة بن سعيد، عن عبد الله بن لَهِيعة، عن يَزيد بن أبي حبيب، عن سهل بن مُعاذ، عن أبيه مُعاذ بن أنس رضي الله عنه، مرفوعًا: «مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ بِدَاعِي اللهِ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يُجِيبَ».
وهذه متابعة حقيقية لسهل من غير طريق زَبَّان، وهي أقوى من طريق حديث الباب، وقد نبه إليها ابن رجب، فنقل عن أبي موسى المديني: «رواه جماعة عن زَبَّان، وتابعه عليه يزيد بن أبي حبيب».12
لكنها لا تصحح لفظ حديث الباب؛ فهي لا تشتمل على «حسب المؤمن من الشقاء والخيبة»، ولا جاء فيها لفظ «يثوب بالصلاة»، وإنما تشهد لأصل معنى ذم من يسمع داعي الصلاة فلا يجيبه. ثم إن مدارها على ابن لَهِيعة، فلا تبلغ بنفسها درجة الصحيح، وإن كانت رواية قُتيبة عنه أقوى من كثير من روايات غيره.
ومن هنا لا يصح جمع رواية رِشْدين عن زَبَّان مع رواية ابن لَهِيعة عن زَبَّان ثم القول: تعددت الطرق؛ فكلاهما يلتقي عند زَبَّان عن سهل، وهي الرواية التي خصها ابن حبان بالنقد. أما طريق يَزيد بن أبي حبيب فإنه تجاوز زَبَّان، لكنه لم يحمل اللفظ محل البحث، وإنما حمل أصل المعنى.
كما أن أصل التغليظ في التخلف عن صلاة الجماعة ثابت بأحاديث صحيحة مستقلة، ومنها قول النبي ﷺ في المتخلفين: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ».13 فهذا يثبت شدة أمر الجماعة، لكنه لا يثبت عبارة «حسب المؤمن من الشقاء والخيبة».
فالراجح أن حديث: «حسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه» مرفوع ضعيف جدًا بهذا اللفظ. وأما أصل ذم التخلف عن إجابة داعي الصلاة والتغليظ فيه فله ما يشهد له من روايات أخرى، ومن السنة الصحيحة، فلا يحتاج إلى تثبيت هذا اللفظ الضعيف.
المصادر والمراجع
1المعجم الكبير للطبراني (183/20 رقم 396 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
2تهذيب الكمال (191-195/9 ت بشار عواد معروف)
3تهذيب الكمال (195/9 ت بشار عواد معروف)
4تهذيب الكمال (281-282/9 ت بشار عواد معروف)
5الضعفاء الكبير للعقيلي (96/2 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
6الثقات لابن حبان (321/4 ط دائرة المعارف العثمانية)
7المجروحين لابن حبان (347/1)
8مسند أحمد (390/24 رقم 15627 ط الرسالة)
9المعجم الكبير للطبراني (183/20 رقم 394 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
10المعجم الكبير للطبراني (183/20 رقم 395 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
11الطيوريات (453/2 رقم 397 ت دسمان يحيى معالي وعباس صخر الحسن)
12فتح الباري لابن رجب (19/4 ط ابن الجوزي)
13صحيح البخاري (رقم 644 ط السلطانية)
شرح الحديث
(حَسْبُ الْمُؤْمِنِ) معناه كافيه؛ أي يكفيه في الدلالة على سوء حاله ما سيذكر بعده. (مِنَ الشَّقَاءِ) الشقاء ضد السعادة، والمقصود هنا الحرمان وسوء العاقبة الناتج عن الإعراض عن الطاعة، لكن وصف تارك الإجابة بهذا اللفظ الخاص لا يثبت بهذا الحديث. (وَالْخَيْبَةِ) الخيبة الحرمان والخسران وعدم الظفر بالمطلوب، فالجمع بين الشقاء والخيبة غاية في التغليظ. (أَنْ يَسْمَعَ الْمُؤَذِّنَ) يسمع منادي الصلاة وهو يدعو الناس إليها. (يُثَوِّبُ بِالصَّلَاةِ) التثويب في أصل اللغة الرجوع إلى الدعاء وتكراره، ويطلق في هذا الباب على الدعاء إلى الصلاة، واستعمل أيضًا في الإقامة؛ فالمعنى أنه يسمع المنادي يدعوه إلى الصلاة. وليس المراد هنا بالضرورة التثويب الخاص في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم». (فَلَا يُجِيبَهُ) المراد على فرض ثبوت الخبر ألا يستجيب لدعوة الصلاة بالحضور إليها مع الجماعة مع قدرته وعدم عذره؛ فالإجابة هنا عملية بالحضور، لا مجرد ترديد ألفاظ المؤذن. وأصل التغليظ في ترك الجماعة بلا عذر ثابت بأحاديث صحيحة، أما وصف ذلك بأنه «حسب المؤمن من الشقاء والخيبة» فلا يثبت بهذا الإسناد.