احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه» مختصرًا.3 وأورده ابن حبان في «صحيحه».4
لكن أعل أبو علي صالح بن محمد جَزَرة رفع حديث آخر مختصر في فضل الصف الأول، من رواية أبي قَطَن عن شُعبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، فقال: «هذا حديث خطأ»، ثم قال: «ولم يرفعه أحد إلا أبو قطن»، ورجح أن الصواب فيه الوقف على أبي هريرة.5 وذكر الدارقطني اختلاف الرواة عن قتادة في هذا الخبر، وتفرد أبي قطن برفعه عن شُعبة، ورجح طريق شُعبة من جهة الإسناد، فقال: «وحديث شعبة أشبهها بالصواب».6 وهذا الإعلال متعلق بالطريق المختصر، ولا يتناول حديث مالك عن سُمَيّ الذي أخرجه الشيخان.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (615)
2صحيح مسلم (437)
3صحيح ابن خزيمة (25/3 رقم 1554 ت محمد مصطفى الأعظمي)
4صحيح ابن حبان (1659، 2153)
5تاريخ بغداد (104/14 ت بشار عواد معروف)
6علل الدارقطني (155/12 رقم 2562)
تخريج الحديث
أخرجه مالك في «الموطأ».1 ورواه أحمد،2 والبخاري،3 ومسلم،4 والترمذي،5 والنسائي،6 وابن خزيمة،7 وابن حبان،8 من طرق عن مالك بن أنس، عن سُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح ذكوان السَّمَّان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. وبعضهم أخرجه مختصرًا.
وهذا هو الطريق المحفوظ للحديث بتمام سياقه، ومداره في هذه الرواية على مالك، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقد رواه عن مالك جماعة من أصحابه، منهم عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، ويحيى بن يحيى، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق بن همام، ومَعن بن عيسى، وإسحاق بن عيسى، وإسماعيل بن أبي أُويس، وغيرهم. واتفقوا على أصل إسناده ورفعه إلى النبي ﷺ، ولم يظهر في رواياتهم اختلاف مؤثر في وصله أو تسمية رجاله أو رفعه.
وليس تعدد هذه الأسانيد عند البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم تعددًا لأصول الحديث؛ فإنها ترجع إلى مالك عن سُمَيّ، وإنما تفيد كثرة رواة الحديث عن مالك، وثبوت هذا الوجه عنه، وانتفاء التفرد الذي يخشى معه الوهم في روايته.
وقد وقع اختلاف يسير في بعض ألفاظه؛ فرواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بلفظ: «ولو يعلمون ما في العشاء والصبح لأتوهما ولو حبوا»، فجاء بلفظ «العشاء» مكان «العتمة».9 ورواه عبد الرزاق عن مالك وفيه: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليهما»، فجاء بضمير التثنية تصريحًا بأن الاستهام متعلق بالأذان والصف الأول جميعًا.10
وفي رواية عبد الرزاق أنه قال لمالك: «أما يكره أن يقول: العتمة؟» فقال مالك: «هكذا قال الذي حدثني».11 وهذا يفيد محافظة مالك على اللفظ الذي تلقاه، وأن تسمية العشاء بالعتمة محفوظة في أصل روايته، وإن وقع عند بعض أصحابه التعبير عنها باسمها المشهور.
وهذا الاختلاف لا يوجب إعلال الحديث؛ لأن «العشاء» و«العتمة» اسمان للصلاة نفسها، ولأن اختلاف الضمير بين الإفراد والتثنية لا يغير الحكم ولا أصل المعنى، بل إن رواية «عليهما» تبين المراد من ضمير الإفراد في الرواية الأخرى.
ورواه مسلم،12 وابن ماجه،13 من طريق أبي قَطَن عمرو بن الهيثم، عن شُعبة، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة»، وجاء في بعض ألفاظه: «لو يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة».
وهذا الطريق لا يشتمل على ذكر الأذان، ولا التهجير، ولا صلاتي العشاء والصبح، وإنما يوافق الطريق الأول في فضل الصف المقدم والمبالغة في التنافس عليه.
وقد وقع الاختلاف في رفع هذا الخبر ووقفه؛ فقد قال أبو علي صالح بن محمد جَزَرة بعدما سئل عنه: «هذا حديث خطأ»، وذكر أن أبا قطن تفرد برفعه، وأن الصحيح وقفه على أبي هريرة.14
ويؤيد وجود التردد في رفعه ما رواه الخطيب من طريق محمد بن محمد بن أبي عَون، عن أبي قطن، عن شُعبة، بالإسناد نفسه، وفيه قول الراوي: «أظنه رفعه».15 فهذا اللفظ يدل على أن رفع الخبر لم يكن محفوظًا في جميع الروايات عن أبي قطن بلفظ جازم.
وقد بحث الدارقطني اختلاف الرواة فيه، فذكر أن أبا قطن تفرد بروايته مرفوعًا عن شُعبة، وأن بعضهم رواه عن همام، عن قتادة، بمثل إسناد شُعبة، إلا أن هذه المتابعة جاءت من طريق يَعلى بن عباد، وهو ضعيف، بينما رواه غيره عن همام بإسقاط خِلاس من الإسناد، عن قتادة، عن أبي رافع. ورجح الدارقطني طريق شُعبة من جهة تركيب الإسناد.16
كما ذكر الدارقطني رواية ثابت بن حماد، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: «لو تعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة»، وحكم عليها بالوهم.17 فلا يصح جعلها شاهدًا سالمًا من العلة.
وهنا ينبغي التفريق بين مسألتين: ترجيح الدارقطني لإسناد شُعبة على الأوجه الأخرى المختلفة عن قتادة، وترجيح أبي علي صالح بن محمد وقف الخبر بدل رفعه. فترجيح صورة الإسناد لا يستلزم وحده القطع بصحة الرفع، ولهذا كان النظر في الرفع والوقف موضع نقد خاص.
لكن هذه العلة لا تنتقل إلى رواية مالك عن سُمَيّ؛ لأن مدارها غير مدار حديث شُعبة، ولأن حديث مالك محفوظ مرفوعًا من رواية جماعة عنه، ولا يعرف فيه هذا الاضطراب. فلا يصح تضعيف الحديث التام بعلة وقعت في طريق آخر مختصر يشترك معه في بعض المعنى.
وروى البخاري،18 ومسلم،19 من طريق الأعمش، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا».
وهذا طريق صحيح مستقل عن مالك وسُمَيّ، يشهد للجملة الأخيرة من الحديث، في فضل شهود العشاء والفجر جماعة، حتى لو احتاج المرء إلى الحبو.
لكنه لا يتضمن ذكر فضل الأذان، ولا الصف الأول، ولا التهجير. فهو شاهد صحيح للمعنى واللفظ المشترك في آخر الحديث، وليس متابعة لجميع ألفاظ رواية مالك. والتمييز بينهما مهم؛ لأن صحة بعض الجمل من طريق مستقل لا تعني بالضرورة صحة بقية الجمل، وإن كانت بقية هذا الحديث ثابتة أصلًا بطريق مالك الصحيح.
وأقوى حجة لتصحيح الحديث بتمامه أن مالكًا رواه عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، وتلقاه عنه جماعة من أصحابه، وحفظوا سياقه، ولم يقع بينهم اختلاف مؤثر في الإسناد أو رفع الخبر، واحتج به البخاري ومسلم.
وأقوى ما يمكن أن يورد في مقابل ذلك إعلال أبي علي صالح بن محمد رفع حديث أبي قطن في فضل الصف الأول، مع اختلاف الرواة فيه عن قتادة.
والجواب أن هذا الإعلال لا يتوجه إلى الطريق الذي عليه مدار الحديث التام، بل إلى خبر آخر مختصر، يختلف عنه في الإسناد، ويوافقه في بعض المعنى. فلا موجب لنقل علة أحد الطريقين إلى الآخر من غير قرينة على اتحاد موضع الوهم.
والخلاصة أن مدار الحديث التام المحفوظ على مالك، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا، وهو إسناد صحيح محفوظ، لم يظهر فيه اختلاف مؤثر. وأما رواية شُعبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، ففي رفعها خلاف نقدي، ولا تؤثر علتها في أصل الحديث. والجملة الأخيرة محفوظة أيضًا من طريق الأعمش عن أبي صالح.
المصادر والمراجع
1موطأ مالك (68/1 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2مسند أحمد (163/12 رقم 7226 ط الرسالة)
3صحيح البخاري (615، 2689)
4صحيح مسلم (437)
5سنن الترمذي (225)
6سنن النسائي (540، 671)
7صحيح ابن خزيمة (1554)
8صحيح ابن حبان (2153)
9مسند أحمد (163/12 رقم 7226 ط الرسالة)
10مسند أحمد (166/13 رقم 7738 ط الرسالة)
11مسند أحمد (166/13 رقم 7738 ط الرسالة)
12صحيح مسلم (439)
13سنن ابن ماجه (998)
14تاريخ بغداد (104/14 ت بشار عواد معروف)
15تاريخ بغداد (104/14 ت بشار عواد معروف)
16علل الدارقطني (155/12 رقم 2562)
17علل الدارقطني (155/12 رقم 2562)
18صحيح البخاري (657)
19صحيح مسلم (651)
شرح الحديث
(لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) المراد لو أدرك الناس حقيقة ما أعده الله من عظيم الأجر والثواب للأعمال المذكورة، وجاء التعبير بـ«لو» لبيان عظم ما يفوتهم من الفضل بسبب جهلهم بمقداره، وليس المراد نفي علمهم بأصل فضيلته، وإنما عدم إحاطتهم بعظيم ثوابه. (مَا فِي النِّدَاءِ) النداء هو الأذان للصلاة، والمقصود ما فيه من الأجر ورفعة المنزلة، لما يتضمنه من إعلان التوحيد والدعوة إلى الصلاة والفلاح، وقد ورد في فضل المؤذن ما يدل على عظيم أجره. (وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ) المراد الصف الذي يلي الإمام، وهو أفضل صفوف الرجال، لما فيه من القرب من الإمام، والمبادرة إلى الخير، والتمكن من الاقتداء به، وسماع قراءته وتكبيره، وقد اختلف في تفسير الصف الأول؛ فقيل هو الذي يلي الإمام، وهو الأظهر، وقيل المراد السبق إلى الصلاة، لكن ظاهر الحديث أن الصف الأول غير التهجير، لأنه أفرد لكل منهما فضلًا خاصًا. (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ) الاستهام هو الاقتراع، ومعناه أنهم لو عرفوا عظيم ما في الأذان والصف الأول من الثواب، ثم تساووا في استحقاقهما، ولم يجدوا سبيلًا للفصل بينهم إلا القرعة، لفعلوا ذلك طلبًا للأجر. والضمير في «عليه» يعود إلى ما تقدم من الأذان والصف الأول، وقد جاءت رواية «عليهما» مصرحة بهذا المعنى. (لَاسْتَهَمُوا) لبادروا إلى القرعة رغبة في الفوز بذلك الفضل، وهذا من المبالغة في بيان عظم الأجر، وفيه مشروعية القرعة عند التساوي في الاستحقاق وتعذر الجمع، ولا يدل على العدول إلى القرعة مع وجود حق ثابت لأحد المتنافسين. (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) التهجير هو التبكير إلى الصلاة، وأصله الإتيان في الهاجرة، وهي شدة الحر عند انتصاف النهار، ولذلك حمله بعض العلماء على التبكير إلى صلاة الظهر خاصة، كما بوب عليه البخاري، وقيل المراد المبادرة إلى الصلوات عمومًا، وهو معنى صحيح في فضل التبكير، وإن كان لفظ التهجير أخص في أصله. (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) لتنافسوا في المبادرة والحضور قبل غيرهم، طلبًا لثواب السبق، وليس المراد الجري إلى الصلاة بما ينافي السكينة والوقار، وإنما الحرص على التقدم إليها وعدم التأخر عنها. (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ) العتمة هي صلاة العشاء، وسميت بذلك لدخول وقتها بعد اشتداد ظلمة الليل، وقد نهى النبي ﷺ في أحاديث أخرى عن غلبة اسم العتمة على اسم العشاء، لكن استعماله هنا يدل على جواز هذه التسمية مع بقاء «العشاء» اسمها الشرعي المعروف. (وَالصُّبْحِ) المراد صلاة الفجر، وخص النبي ﷺ هاتين الصلاتين بالذكر لما يعرض للنفوس من مشقة القيام إليهما؛ فالعشاء وقت الراحة بعد تعب النهار، والفجر وقت النوم ولذته، ولذلك كانتا ثقيلتين على المنافقين، وكان الحفاظ عليهما من علامات صدق الإيمان والحرص على الطاعة. (لَأَتَوْهُمَا) لحضروا هاتين الصلاتين في الجماعة، ولم تمنعهم مشقة الطريق أو شدة الرغبة في النوم من شهودهما، لما يعلمونه من عظيم ثوابهما. (وَلَوْ حَبْوًا) الحبو هو المشي على اليدين والركبتين، كما يفعل الصغير قبل أن يستقيم على قدميه، والمقصود المبالغة في الحث على حضور هاتين الصلاتين، وأن من عرف قدر ثوابهما استهان بالمشقة في سبيلهما، حتى لو لم يستطع الوصول إليهما إلا بهذه الهيئة. وليس في الحديث أمر المكلف بالحبو حقيقة، وإنما هو تصوير لعظيم الحرص الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في طلب الأجر، وتأكيد لفضل هاتين الصلاتين في الجماعة.