تخريج حديث 2060: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى…»
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:
مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيَقْرَأْ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}.”
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:
مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيَقْرَأْ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}.”
قال الترمذي في الرواية التي فيها السور الثلاث: «هذا حديث حسن غريب»، ثم نبه إلى الاختلاف فقال: «وروى هِشام بن يوسف وغيره هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: {إذا الشمس كورت}، ولم يذكر: {وإذا السماء انفطرت} و{وإذا السماء انشقت}».1 وصحح الحاكم الوجه المختصر الذي اقتصر على سورة التكوير فقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».2 وقال ابن حجر: «حديث جيد». 3 وصححه الألباني،4 وحسن محققو المسند إسناده.5
لكن ابن حبان أورد هذا الحديث نفسه في ترجمة أبي وائل القاص عبد الله بن بُحير، وقال في رواياته عن عُروة بن محمد وعبد الرحمن بن يَزيد: «العجائب التي كأنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به»، ثم ساق حديث الباب مثالًا لذلك.6
رواه الترمذي،1 وأحمد،2 والطبراني،3 والحاكم،4 من طريق عبد الرزاق بن هَمَّام، عن عبد الله بن بُحير، عن عبد الرحمن بن يَزيد الصنعاني، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا. ورواية الترمذي من هذا الطريق فيها السور الثلاث: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} و{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} و{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}.
لكن الروايات عن عبد الرزاق نفسها لم تستقر على هذا السياق؛ ففي بعض روايات أحمد جاءت سورة التكوير والانفطار، مع الشك في سورة هود، وفي روايات أخرى جاءت السور الثلاث مع الشك في سورة هود، فهذا الاضطراب في تعيين السور الزائدة قرينة على أن ما وراء سورة التكوير لم يضبط ضبطًا واحدًا.
ورواه أحمد،5 من طريق إبراهيم بن خالد الصنعاني، عن عبد الله بن بُحير، عن عبد الرحمن بن يَزيد الصنعاني، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا بلفظ: «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}». فلم يذكر الانفطار ولا الانشقاق ولا هود.
ورواه الحاكم،6 والبيهقي في «البعث والنشور» من طريق هِشام بن يوسف الصنعاني، عن عبد الله بن بُحير، عن عبد الرحمن بن يَزيد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا: «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}». وهذا هو الوجه الذي صححه الحاكم.
والترمذي نفسه حفظ هذا الاختلاف، ولم يكن خافيًا عليه؛ فقد قال بعد رواية عبد الرزاق المطولة: «وروى هِشام بن يوسف وغيره هذا الحديث بهذا الإسناد» واقتصروا على {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}.7 فقوله «هِشام بن يوسف وغيره» يدل على أن اختصار الخبر إلى سورة التكوير لم يكن تفرد هِشام وحده.
وهذا يجعل النظر في الحديث قائمًا على أصحاب عبد الله بن بُحير: عبد الرزاق رواه مطولًا، بينما هِشام بن يوسف وغيره رووه مختصرًا، وكذلك إبراهيم بن خالد، وهِشام بن يوسف من أئمة أهل اليمن، وهو أعرف بحديث أهل بلده، وقد نقل علي بن المَديني أنه سئل عن عبد الله بن بُحير فقال: «كان يتقن ما سمع».8 فمخالفته لعبد الرزاق هنا معتبرة، لا سيما مع موافقة غيره له.
وأما عبد الله بن بُحير فقد قال ابن معين فيه: «ثقة»، وقال هِشام بن يوسف: «كان يتقن ما سمع».9 وعلى هذا بنى الترمذي تحسين الحديث، لكن ابن حبان فرق بين عبد الله بن بُحير بن ريسان وبين أبي وائل القاص، وجعل الثاني هو الذي يروي عن عبد الرحمن بن يَزيد، وقال إنه يروي «العجائب التي كأنها معمولة»، ثم ساق حديث الباب بعينه.10
وهذا التفريق من ابن حبان محل نظر؛ فقد ذهب المزي والذهبي وغيرهما إلى أن أبا وائل القاص هو عبد الله بن بُحير نفسه، وقال الذهبي: «لم يفرق بينهما أحد قبل ابن حبان، وهما واحد».11 وعلى هذا تجتمع في الرجل أقوال التوثيق مع إنكار ابن حبان لبعض رواياته، فيكون حديثه مما ينظر فيه بحسب القرائن، ولا يقبل تفرده بالزيادات بلا فحص.
وأما عبد الرحمن بن يَزيد الصنعاني فقد روى عن ابن عمر وصرح في الحديث بسماعه منه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ولم يظهر في الطريق انقطاع. فالعلة المؤثرة في حديث الباب ليست الاتصال، وإنما غرابة الطريق ثم اختلاف أصحاب عبد الله بن بُحير في ألفاظه.
ولا يظهر للحديث طريق آخر مستقل عن ابن عمر يتجاوز هذا المدار ويحمل تسمية السور الثلاث نفسها، فلا يصح تقوية زيادة الانفطار والانشقاق بمجرد تعدد المصنفين؛ لأن أحمد والترمذي والطبراني ومن بعدهم إنما يروونها من الطريق نفسه: عبد الله بن بُحير، عن عبد الرحمن بن يَزيد، عن ابن عمر.
وأقوى حجة لتصحيح السياق المطول أن عبد الرزاق حافظ إمام، وقد روى عنه الترمذي السور الثلاث وحسن الحديث، كما أن عبد الله بن بُحير وثقه ابن معين. لكن هذه الحجة لا تنفرد بالنظر؛ لأن عبد الرزاق خالفه هِشام بن يوسف وغيره، ووافقهم إبراهيم بن خالد، فاقتصروا جميعًا على سورة التكوير، ثم اضطربت الروايات المطولة نفسها في ذكر الانشقاق وهود.
وأقوى حجة للمحفوظ المختصر أن هِشام بن يوسف وغيره رووه عن المدار نفسه بذكر سورة التكوير وحدها، ووافقهم إبراهيم بن خالد، ونبه الترمذي نفسه إلى مخالفتهم عقب روايته المطولة. ومع اضطراب طريق عبد الرزاق في السور الزائدة تكون هذه قرينة خاصة مقدمة على مجرد قبول زيادة الثقة.
وله شاهد رواه الإسماعيلي: «حدثنا محمد بن عون، حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: من أراد أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت».12 ولم يذكر سوى {إذا الشمس كورت}.
لكن شيخ الإسماعيل وهو عبد الله محمد بن عون بن داود السيرافي، قال فيه تلميذه: «لم يكن في الحديث بذاك».13
فالراجح أن أصل الحديث حسن مرفوعًا عن ابن عمر: «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}». وأما زيادة {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} و{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فليست محفوظة على طريقة الترجيح بين أصحاب المدار، وإن حسّن الترمذي الرواية المشتملة عليها. وهذا أدق من تصحيح جميع الألفاظ لمجرد أنها جاءت من إسناد واحد ظاهره القبول.
(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) من أراد أن يتصور أهوال القيامة ومشاهدها تصورًا يقربها إلى قلبه كأنها رأي عين (فَلْيَقْرَأْ) فليتدبر ما جاء في هذه السورة من وصف انقلاب نظام الكون وما يعقب ذلك من الحساب والجزاء ({إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}) سورة التكوير، وفيها ذكر تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، وتعطيل العشار، وحشر الوحوش، وتسجير البحار، وتزويج النفوس، ونشر الصحف، وكشف السماء، وتسعير الجحيم، وتقريب الجنة، حتى يعلم كل إنسان ما قدم. وفي الحديث أن القرآن لا يخبر عن القيامة خبرًا مجردًا، بل يرسم مشاهدها حتى تستحضرها القلوب؛ فمن قرأ سورة التكوير بتدبر رأى فناء هذا العالم بعين الإيمان، وعلم أن ما بين يديه من دنيا إلى زوال، وأن الباقي هو ما قدمه ليوم الحساب.