تخريج حديث 2061: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي…»
عن الأَغَرِّ المُزَني رضي الله عنه، وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ قال:
إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.”
عن الأَغَرِّ المُزَني رضي الله عنه، وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ قال:
إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.”
احتج به مسلم،1 وأصلحه أبو داود،2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وصوّب الدارقطني إسناده عن ثابت البُناني، عن أبي بُردة، عن الأَغَرِّ المُزَني، وقال في الرواية التي جعلته من حديث أنس: «وهم فيه، والصواب: عن ثابت، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن الأغر المزني، عن النبي ﷺ»، وذكر أن هِشام بن حسان، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وغيرهم رووه كذلك.4
رواه مسلم،1 وأبو داود،2 وأحمد،3 وابن حبان،4 من طريق حماد بن زيد، عن ثابت البُناني، عن أبي بُردة بن أبي موسى، عن الأَغَرِّ المُزَني رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه الطبراني،5 من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أبي بُردة، عن الأَغَرِّ المُزَني رضي الله عنه، مرفوعًا بنحوه.
فمدار هذا اللفظ على ثابت البُناني، عن أبي بُردة، عن الأَغَرِّ المُزَني، وقد رواه عن ثابت جماعة، منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وهِشام بن حسان، ولذلك كان هذا الوجه محفوظًا.
وقد وقع فيه خطأ من طريق يحيى بن ميمون بن عطاء، فرواه عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا بهذا اللفظ، فأنكره الدارقطني وقال: «وهم فيه»، ثم نص على أن الصواب: ثابت، عن أبي بُردة، عن الأَغَرِّ المُزَني، وذكر موافقة هِشام بن حسان وحماد بن سلمة وحماد بن زيد على هذا الوجه.6 فهذا مثال ظاهر على أن مجرد اتصال طريق أنس لا يكفي؛ بل العبرة بما حفظه أصحاب ثابت، وقد اتفق الحفاظ على إرجاع الحديث إلى أبي بُردة عن الأغر.
وجاء عن أبي بُردة اختلاف آخر في حديث الاستغفار مائة مرة؛ فرواه بعضهم عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري، ورواه حُميد بن هلال عنه، عن رجل من المهاجرين، لكن رواه ثابت البُناني وعَمرو بن مُرَّة وأبو الجارود عن أبي بُردة، عن الأَغَرِّ، فرجح الدارقطني هذا الوجه وقال: «وهو أشبهها بالصواب، قول من قال: عن الأغر».7
وهذا الاختلاف لا يعل حديث الباب، بل يزيد طريق الأغر قوة؛ لأن إمام العلل جمع وجوه الاختلاف على أبي بُردة، ثم رجح أن الصحابي المحفوظ عنه في هذا الباب هو الأغر لا أبو موسى ولا رجل مبهم.
وجاء عن الأَغَرِّ نفسه لفظ آخر في المعنى؛ رواه مسلم من طريق شُعبة، عن عَمرو بن مُرَّة، عن أبي بُردة، قال: سمعت الأغر يحدث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة».8 وهذا طريق مستقل عن ثابت البُناني إلى أبي بُردة، يؤكد حفظ أصل الخبر عن أبي بُردة، عن الأغر، وإن اختلف لفظه عن لفظ: «إنه ليغان على قلبي».
فليس الحديث من أفراد راو مختلف فيه، ولا مما صحح بمجرد ظاهر الإسناد؛ بل طريقه محفوظ عن ثابت البُناني، رواه عنه جماعة من أصحابه، ووافق أصل روايته طريق عَمرو بن مُرَّة عن أبي بُردة، ثم جاء نقد الدارقطني نفسه مصرحًا بأن هذا هو الوجه الصواب، وأن ما خالفه من جعله عن أنس أو أبي موسى غير محفوظ.
وأقوى حجة لصحة الحديث اتفاق حماد بن زيد وحماد بن سلمة وهِشام بن حسان وغيرهم على روايته عن ثابت، عن أبي بُردة، عن الأغر، مع احتجاج مسلم به، ووجود طريق آخر عن عَمرو بن مُرَّة يثبت أصل حديث التوبة مائة مرة عن أبي بُردة، عن الأغر.
ولا تظهر حجة معتبرة لتضعيف الوجه المحفوظ؛ فالاختلاف الواقع إنما هو في طرق مخالفة حكم الدارقطني نفسه عليها بالوهم، ورجح طريق الأغر. ولذلك فالحديث مرفوع صحيح، والطريق المحفوظ: ثابت البُناني، عن أبي بُردة، عن الأَغَرِّ المُزَني، عن النبي ﷺ.
(إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي) «الغَيْن» ما يتغشى القلب ويغشاه، وليس المراد ذنبًا ومعصيةً تقع من النبي ﷺ؛ بل ذكر العلماء فيه وجوهًا، منها ما يعرض بسبب اشتغاله ﷺ بمصالح الأمة وأمور الخلق عن دوام المقام الأعلى من الذكر والمراقبة، فيعد ما دون الأكمل بالنسبة إلى علو مقامه نقصًا فيستغفر، وقيل غير ذلك، والمقصود أن الحديث لا يدل على وقوع معصية منه ﷺ، وإنما يدل على كمال عبوديته وشدة مراقبته لربه.1 (وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) الاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى، وكان ﷺ يكثر منه مع علو منزلته ومغفرة الله له، إظهارًا للعبودية والافتقار وتعليمًا لأمته ومداومةً على الترقي في مراتب الطاعة. (فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) يدل على كثرة استغفاره ﷺ ودوامه عليه، وأنه كان يبلغ في اليوم مائة مرة، ولا يلزم من ذلك أنه لا يزيد عليها في بعض الأحوال؛ فقد جاءت نصوص أخرى بألفاظ وأعداد تدل على كثرة توبته واستغفاره ﷺ.