تخريج حديث 2062: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى…»
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا.”
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا.”
صححه الألباني بمجموع طرقه.1
لكن الترمذي قال في حديث أبي هريرة: «هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه»، ثم ذكر المرفوع عن علي وقال: «وهو حديث ضعيف أيضًا»، ثم رجح فقال: «والصحيح عن علي موقوف قوله».2 وقال ابن حبان في حديث أبي هريرة: «وهذا الحديث ليس من حديث أبي هريرة، ولا من حديث ابن سيرين، ولا من حديث أيوب، ولا من حديث حماد بن سلمة، وإنما هو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقط»، وقال عن رفعه من طريق علي: «وهو خطأ فاحش».3 وقال البيهقي: «وروي من أوجه أخر ضعيفة، والمحفوظ موقوف».4 وقال ابن عساكر: «والصحيح أنه موقوف من قول علي».5 وقال البغوي: «رفعه بعضهم عن علي وعن أبي هريرة، والصحيح أنه موقوف على علي رضي الله عنه».6 ورجح وقفه الحويني،7 وضياء الرحمن.8
رواه الترمذي،1 والبزار،2 والطبري،3 من طريق أبي كُريب محمد بن العلاء، عن سُويد بن عَمرو الكلبي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ أراه رفعه ـ بنحوه.
وهذا هو أشهر طرق رفعه عن أبي هريرة، ومداره في هذا الوجه على سُويد بن عَمرو، عن حماد، عن أيوب، ولم يروه عن سُويد بهذا الإسناد إلا أبو كُريب فيما ذكر البزار، فقال: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولم نسمعه إلا من أبي كريب».4
وقول الراوي: «أراه رفعه» تردد في أصل الرفع، فلا يصح التعامل مع الطريق كأنه مرفوع محفوظ بلا خلاف، ولا سيما مع غرابته الشديدة عن أيوب ومحمد بن سيرين. وسُويد بن عَمرو وإن وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، فالعلة هنا ليست مجرد ضعف الرجل، وإنما غرابة هذا المتن بهذا الإسناد، ثم معارضة ذلك بما حفظ عن علي رضي الله عنه موقوفًا من وجوه.
ورواه الطبراني،5 من طريق محمد بن ماهان، عن أبيه، عن عَبَّاد بن كثير، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أبي الزناد إلا عباد، تفرد به محمد بن ماهان».6 وهذا الطريق شديد الضعف، فلا يصلح أن يكون متابعة للطريق الأول، ولا يزيل غرابته.
وجاء مرفوعًا عن علي رضي الله عنه؛ رواه الطبري،7 من طريق مسلم بن إبراهيم، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أيوب، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، مرفوعًا.
وهذا هو الطريق الذي أشار إليه الترمذي فقال: «رواه الحسن بن أبي جعفر، وهو حديث ضعيف أيضًا».8 والحسن بن أبي جعفر لا يحتمل مثل هذا التفرد، وفوق ذلك فإن حُميد بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من علي، وقد عد الطبري هذا من علل الطريق المرفوع.9
واختلف في هذا الوجه أيضًا؛ فروي عن ابن سيرين، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن علي مرفوعًا، وروي عن ابن سيرين مرسلًا عن النبي ﷺ، وروي عن ابن سيرين، عن عَبيدة، عن علي موقوفًا. فهذا الاضطراب في وجوه الرفع لا يقوي المرفوع، بل يكشف عدم حفظه.
وأما الموقوف على علي رضي الله عنه فجاء من طرق أقوى وأثبت، رواه البخاري في «الأدب المفرد»،10 من طريق مروان بن معاوية، عن محمد بن عُبيد الكندي، عن أبيه قال: سمعت عليًا يقول لابن الكَوَّاء: «هل تدري ما قال الأول؟ أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما».
فقوله: «هل تدري ما قال الأول؟» ظاهر في أن عليًا رضي الله عنه لم ينسبه في هذا الوجه إلى النبي ﷺ، وإنما حكاه حكمةً متقدمة.
ورواه الطبري،11 من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن هُبيرة بن يَريم، عن علي رضي الله عنه موقوفًا بنحوه. وجاء كذلك من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن هُبيرة، عن علي موقوفًا، وحسّن البوصيري هذا الإسناد.12
ورواه البيهقي،13 من طريق عطاء بن السائب، عن أبي البَختري، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول ذلك، ثم خلص بعد جمع الروايات إلى أن المحفوظ هو الوقف.
ورواه الطبري أيضًا من طريق جرير، عن المغيرة، عن أبي مَعشر زياد، عن إبراهيم النَّخعي، عن علي رضي الله عنه موقوفًا.14 وإن كان هذا منقطعًا، فإنه يوافق بقية الروايات في أصل نسبة الكلمة إلى علي لا إلى النبي ﷺ.
وهنا يظهر الفرق بين مجرد جمع الطرق وطريقة أئمة العلل؛ فالمرفوع جاء عن أبي هريرة من وجه غريب متردد في رفعه، وله طريق آخر شديد الضعف، وجاء عن علي من أوجه ضعيفة مضطربة في الرفع والإرسال والإسناد. وفي المقابل جاء الوقف على علي من عدة مخارج، منها ما هو حسن، واتفق الترمذي والبيهقي وابن عساكر والبغوي على أن الوقف هو المحفوظ.
ولا يصح جعل طريق أبي هريرة المرفوع طريقًا مستقلًا قويًا يعارض هذه القرائن لمجرد أن رجال إسناده في الجملة ثقات؛ فإن الترمذي ـ وهو الذي أخرجه ـ لم يغتر بظاهر الإسناد، بل وصفه بالغرابة ثم قال بعد جمع الباب: «والصحيح عن علي موقوف قوله».15 وكذلك ابن حبان أنكر أصل نسبته إلى أبي هريرة، وجعله من قول علي.
وأما تصحيح الألباني للمرفوع بمجموع الطرق فمبناه على ضم طريق أبي هريرة إلى ما جاء عن علي وابن عمر وعبد الله بن عمرو، لكن هذه الطريقة لا تستقيم على نقد المتقدمين هنا؛ لأن أكثر تلك الطرق إما شديدة الضعف، أو وقع فيها اضطراب الرفع والوقف، والمحفوظ الذي اجتمعت عليه الروايات الأقوى هو قول علي رضي الله عنه. فلا يصح أن نجعل الطرق المعلولة قرائن لإزالة علة أثبتها أئمة النقد أنفسهم.
وأقوى حجة لتصحيح المرفوع أن إسناد أبي هريرة من جهة الظاهر يمر برجال معروفين: حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأن للمتن طرقًا أخرى عن غيره. لكن هذه الحجة تضعف عند جمع الروايات؛ فالطريق فرد غريب، والراوي نفسه تردد في رفعه، ولم يعرفه الترمذي إلا من هذا الوجه، ثم جاءت طرق الرفع الأخرى واهية ومضطربة.
وأقوى حجة للوقف أن الكلمة رويت عن علي من وجوه متعددة موقوفة، وفي بعضها إسناد حسن، مع تصريح الترمذي والبيهقي وابن عساكر والبغوي بأن هذا هو الصحيح أو المحفوظ، في حين لا يثبت طريق مرفوع سالم من العلة.
فالراجح أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ غير محفوظ، وأن المحفوظ أنه من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وله عنه أصل حسن. ولذلك فالحكم على المرفوع: ضعيف، والمحفوظ موقوف على علي رضي الله عنه.
(أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا) «هونًا ما» المراد حبًا مقتصدًا معتدلًا، فلا يفرط الإنسان في التعلق بالمخلوق حتى يعميه حبه عن عيوبه أو يحمله على تجاوز الحق لأجله، وليس المقصود إضعاف المحبة المشروعة أو منع الوفاء للصديق (عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا) أحوال الناس وعلاقاتهم قد تتغير، فقد تنقلب المودة خصومة، فإذا كان المرء قد بالغ في الحب وكشف الأسرار وأسرف في الثقة ندم عند تغير الحال (وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا) يكون البغض كذلك بقدر، فلا يحمل الإنسان كراهية شخص على الظلم والفجور في الخصومة أو كشف العورات والتعدي، بل يبقى ملتزمًا بالعدل وإن أبغض (عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا) فقد تزول أسباب الخصومة ويصير البغيض صديقًا، فيندم الإنسان على ما أسرف فيه من سب أو ظلم أو قطيعة. والمعنى حكمة صحيحة في الاعتدال في العلاقات، لكنها لا تثبت بهذا اللفظ حديثًا عن النبي ﷺ، والمحفوظ أنها من كلام علي رضي الله عنه.