تخريج حديث 2065: «حَسْبُكَ مِنَ الدَّوَابِّ: دَابَّةٌ لِنَقْلِكَ،…»
عن أبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
حَسْبُكَ مِنَ الدَّوَابِّ: دَابَّةٌ لِنَقْلِكَ، وَدَابَّةٌ لِرَحْلِكَ، وَدَابَّةٌ لِغُلَامِكَ.”
عن أبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
حَسْبُكَ مِنَ الدَّوَابِّ: دَابَّةٌ لِنَقْلِكَ، وَدَابَّةٌ لِرَحْلِكَ، وَدَابَّةٌ لِغُلَامِكَ.”
رواه أحمد،1 والطبراني،2 وابن عساكر،3 من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن صَفوان بن عَمرو، عن أبي حِسْبة مُسلم بن أَكيس مولى عبد الله بن عامر، عن أبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه، في حديث مطول، أن رسول الله ﷺ ذكر ما يفتح الله على المسلمين حتى ذكر الشام، فقال لأبي عبيدة: «إن ينسأ في أجلك يا أبا عبيدة، فحسبك من الخدم ثلاثة... وحسبك من الدواب ثلاثة: دابة لرحلك، ودابة لثقلك، ودابة لغلامك»، ثم ذكر بقية الخبر.
وهذا هو مدار الحديث، فهو يرجع إلى مُسلم بن أَكيس عن أبي عُبيدة، وليس تعدد أحمد والطبراني وابن عساكر تعددًا للطرق؛ لأن الجميع يعود إلى أبي المغيرة، عن صَفوان، عن مُسلم.
واللفظ المختصر: «حسبك من الدواب: دابة لنقلك، ودابة لرحلك، ودابة لغلامك» إنما هو اختصار من هذا الخبر، فلا يكون طريقًا آخر مستقلًا عن الرواية المطولة، ولا يجوز أن يجعل تعدد مواضع إخراجه شاهدًا بعضه لبعض.
وعلة الطريق ظاهرة في الاتصال؛ فقد قال أبو حاتم في مُسلم بن أَكيس: «روى عن أبي عبيدة بن الجراح، مرسل».4 فالواسطة بين مُسلم وأبي عبيدة ساقطة، ولم يدركه إدراك سماع.
ويؤكد ذلك أن الرواية المطولة نفسها تكشف وجود واسطة غير مسماة في القصة؛ ولذلك قال الهيثمي: «فيه راو لم يسم».5 فليست المسألة مجرد احتمال نظري في عدم اللقاء، بل الرواية تحمل قرينة على أن الخبر بلغ مُسلمًا بواسطة رجل لم يسم.
ومُسلم بن أَكيس نفسه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد؛ فقد قال أبو حاتم فيه: «مجهول»، وذكره ابن حبان في «الثقات».6 فغاية ما في الباب أن ابن حبان قبله على قاعدته، لكن جهالته عند أبي حاتم مع انقطاع روايته عن أبي عبيدة تمنع الاحتجاج بالخبر، حتى لو قيل بتحسين حاله في نفسه.
وليس للحديث فيما وقفت عليه طريق آخر يتجاوز مُسلم بن أَكيس، بحيث يروى هذا القول عن أبي عبيدة بإسناد مستقل، أو عن صحابي آخر بلفظ يقوم مقامه. فالعلة باقية في أصل المخرج، ولا توجد متابعة حقيقية تتجاوزها.
ثم إن ابن عساكر بعد روايته القصة قال: «وهي منقطعة، والمحفوظ أن أبا عبيدة كان متقللًا».7 وهذا تنبيه آخر يتعلق بسياق الرواية الطويلة؛ فإن فيها أن أبا عبيدة نظر إلى بيته وقد امتلأ رقيقًا وإلى مربطه وقد امتلأ خيلًا، بينما المحفوظ من أخباره شدة تقله وزهده. وهذا لا يستقل بإبطال الجملة المختصرة، لكنه يزيد الرواية الطويلة وهنًا مع الانقطاع الثابت في سندها.
وأقوى حجة لتحسين الخبر أن رجال الطريق إلى مُسلم من المعروفين، فصَفوان بن عَمرو ثقة، وأبو المغيرة ثقة، ومُسلم ذكره ابن حبان في «الثقات»، كما أن معنى الاقتصاد في متاع الدنيا معنى صحيح في الجملة.
لكن هذا لا يكفي؛ لأن موضع العلة بعد هؤلاء جميعًا: رواية مُسلم عن أبي عبيدة مرسلة بنص أبي حاتم، والواسطة مجهولة، وليس للحديث طريق مستقل يكشف حالها أو يتجاوزها. وصحة المعنى العام لا تصحح النسبة إلى النبي ﷺ، ولا تثبت هذا التحديد بثلاث دواب.
وأقوى حجة للتضعيف أن أبا حاتم، وهو من أئمة معرفة الاتصال، نص على إرسال رواية مُسلم عن أبي عبيدة، وأن الصورة المطولة للخبر نفسها تشير إلى راو لم يسم، ثم صرح ابن عساكر بانقطاع الرواية. وهذه علة خاصة مقدمة على مجرد كون بقية رجال الطريق ثقات.
فالراجح أن الحديث مرفوع ضعيف لانقطاعه بين مُسلم بن أَكيس وأبي عُبيدة، مع جهالة الواسطة، ولا يوجد طريق معتبر ينجبر به. فلا يثبت عن النبي ﷺ تحديد ما يكفي الإنسان من الدواب بثلاث.
(حَسْبُكَ مِنَ الدَّوَابِّ) «حسبك» بمعنى يكفيك، والدواب هنا دواب الركوب والحمل التي كان الناس ينتفعون بها في أسفارهم وحاجاتهم، والمقصود الحث على الاقتصار على قدر الحاجة وعدم التوسع في الاقتناء لمجرد المباهاة، لكن هذا التحديد لا يثبت بهذا الحديث (دَابَّةٌ لِنَقْلِكَ) المراد دابة تستعمل في انتقالك وحملك من موضع إلى موضع، وقد جاء في الرواية المطولة بدل ذلك ألفاظ متقاربة تتعلق بالرحل والثقل (وَدَابَّةٌ لِرَحْلِكَ) الرحل ما يحتاج إليه المسافر من متاعه وما يحمل معه، فالمعنى دابة تحمل متاع السفر وحاجاته (وَدَابَّةٌ لِغُلَامِكَ) المراد دابة لخادم الرجل أو غلامه إذا احتاج إلى مرافقته في السفر وقضاء مصالحه. والمعنى العام في ترك التكاثر والتوسع في متاع الدنيا فوق الحاجة معنى تشهد له نصوص أخرى، أما كون الكفاية الشرعية محددة بهذه الدواب الثلاث فلا يثبت بهذا الخبر.