قال الترمذي: «هذا حديث صحيح».1 وأورده ابن حبان في «صحيحه».2 وأورده الضياء المقدسي في «المختارة».3 وقال ابن حجر: «إسناده صحيح».4
لكن أبا نعيم نبه إلى غرابة طريقه فقال: «هذا حديث غريب من حديث قتادة، تفرد به عنه معمر، حدث به الأئمة عن عبد الرزاق: أحمد وإسحاق وأبو مسعود».5 وهذه الغرابة لا تقتضي عنده تضعيف الحديث بمجردها، وإنما تحدد موضع التفرد الذي يجب فحصه.
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (703/5 رقم 3878 ت أحمد محمد شاكر)
2صحيح ابن حبان (464/15 رقم 7003 ت شعيب الأرناؤوط)
3الأحاديث المختارة (21/7 رقم 2401)
4فتح الباري (543/6 ط دار المعرفة)
5حلية الأولياء (344/2)
تخريج الحديث
رواه عبد الرزاق،1 وأحمد،2 والترمذي،3 وأبو يعلى،4 وابن حبان،5 والطبراني،6 والضياء المقدسي،7 من طريق عبد الرَّزاق، عن مَعمر بن راشد، عن قَتادة بن دِعامة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا.
فمدار هذا الوجه على قَتادة، وتفرد به عنه مَعمر، كما نص أبو نعيم، ثم رواه عن عبد الرَّزاق جماعة من الأئمة، فلم يقع الاختلاف على عبد الرزاق في أصل إسناده أو متنه بما يوجب نكارة الرواية. وإنما موضع النظر في هذا الطريق أمران: تفرد مَعمر به عن قتادة، وعنعنة قتادة عن أنس.
أما تفرد مَعمر فليس في نفسه علة قادحة؛ فمَعمر إمام حافظ، وروايته عن قَتادة معروفة، ولم يظهر أنه خالف في هذا الخبر أصحاب قتادة في رواية محفوظة على وجه آخر، وإنما غاية ما ثبت أنه انفرد بحمله عنه. وقد عرف الترمذي هذا الطريق مع غرابته وحكم عليه بالصحة، ولم نقف على إمام من المتقدمين أعل رواية مَعمر هذه بخطأ أو وهم.
وأما قَتادة فهو مشهور بالتدليس، وقد رواه هنا بالعنعنة: «عن أنس». وهذا موضع يستحق النظر ولا ينبغي تجاوزه بقول: رجال الإسناد ثقات. لكن قَتادة قد ثبت سماعه من أنس وصحبته له، ثم إن إمامًا متقدمًا كالترمذي صحح هذا الحديث بعينه، ولم ينبه إلى انقطاع أو تدليس فيه، وتلقاه كذلك جماعة من أصحاب الصحيح والمختارات بالقبول. ثم هو جاء عن أنس من طريق آخر؛ رواه ابن عدي من طريق عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، قال: كان ثَابت البُناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ». ثم ذكر ابن عدي أن عبد الله بن أبي جعفر له أحاديث لا يتابع عليها.8 فهذه الرواية لا تصلح أن تكون عمدة، ولا يحتاج الحديث إليها في التصحيح، لكنها تبين أن أصل هذا المتن روي عن أنس من غير طريق قَتادة أيضًا، وإن كان هذا الوجه ضعيفًا.
وجاء الحديث من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ قريب: «حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين...» من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر،9 لكن طريقه لا يبلغ قوة طريق أنس، فلا حاجة إلى جعله أصلًا في تصحيح الحديث، وإنما هو شاهد في الجملة للمعنى والعدد.
والحديث عن أنس له ألفاظ متقاربة؛ فرواه الأكثر بلفظ: «حسبك من نساء العالمين»، وجاء عند ابن حبان من الطريق نفسه بلفظ: «خير نساء العالمين»، وجاء عند الضياء: «حسبك من نساء العالمين أربع». وهذه اختلافات لا تغير أصل المعنى، ومدارها واحد: مَعمر، عن قَتادة، عن أنس. فلا يجوز عد كل لفظ منها طريقًا مستقلًا أو شاهدًا جديدًا.
وأقوى حجة للإعلال تفرد مَعمر بهذا الخبر عن قَتادة، مع كون قَتادة مدلسًا وقد عنعن عن أنس، والخبر يتضمن تعيين أربع نساء بفضيلة عظيمة. وهذه قرينة تستوجب البحث ولا يجوز إغفالها.
لكنها لا تكفي للحكم بالضعف؛ لأن مَعمر من الحفاظ، ولا تعرف له في هذا الخبر مخالفة، وقَتادة قد ثبت سماعه من أنس، ولم يكشف النقاد في هذا الحديث واسطة ساقطة أو إرسالًا محفوظًا، ثم جاء حكم الترمذي المتقدم الصريح: «هذا حديث صحيح»، وأورده ابن حبان والضياء في كتابيهما اللذين التزما فيهما الصحيح، وصحح إسناده ابن حجر. فليس معنا علة خاصة تقاوم هذه القرائن.
فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح. ومداره المحفوظ: مَعمر بن راشد، عن قَتادة، عن أنس رضي الله عنه. وغرابته من جهة تفرد مَعمر عن قتادة لا تقدح فيه هنا؛ إذ لم تقترن بمخالفة أو علة كشفها النقاد، بل صححه الترمذي مع معرفته بطريقه.
وفي الباب عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».10
المصادر والمراجع
1مصنف عبد الرزاق (430/11 رقم 20919 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
2مسند أحمد (383/19 رقم 12391 ط الرسالة)
3سنن الترمذي (703/5 رقم 3878 ت أحمد محمد شاكر)
4مسند أبي يعلى (380/5 رقم 3039 ت حسين سليم أسد)
5صحيح ابن حبان (464/15 رقم 7003 ت شعيب الأرناؤوط)
6المعجم الكبير للطبراني (402/22 رقم 1003 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
7الأحاديث المختارة (21/7 رقم 2401)
8الكامل في ضعفاء الرجال (363/5)
9الشريعة للآجري (5/ 2116رقم 1606)
10صحيح البخاري (4/ 158)
شرح الحديث
(حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) «حسبك» بمعنى يكفيك، والمراد كفاية هؤلاء النسوة في معرفة من بلغ الغاية العالية في الفضل والكمال من النساء، وليس المقصود نفي الفضل عمن سواهن، وإنما تخصيص هؤلاء الأربع بمزية عظيمة (مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ) هي أم عيسى عليه السلام، وقد أثنى الله عليها في القرآن ووصفها بالصديقية والقنوت والطهارة، واختارها على نساء عالمها (وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ) أم المؤمنين رضي الله عنها، أول زوجات النبي ﷺ، صدقته وآزرته ونصرته بنفسها ومالها عند بدء الوحي، ولها من السابقة والنصرة ما ليس لغيرها (وَفَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ) رضي الله عنها، بنت رسول الله ﷺ وسيدة من سيدات نساء أهل الجنة، جمعت شرف النسب والإيمان والصبر والزهد والقرب من النبي ﷺ (وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) هي المرأة المؤمنة التي ضرب الله بها مثلًا للمؤمنين، ثبتت على الإيمان مع كونها في بيت أشد أهل زمانها كفرًا وطغيانًا، فاختارت ما عند الله على الملك والدنيا. وذكر هؤلاء الأربع معًا يدل على علو مرتبتهن في نساء العالمين، ولا يلزم من الحديث التسوية بينهن في كل وجه من وجوه الفضل؛ فقد دلت نصوص أخرى على فضائل خاصة لبعضهن.
فوائد الحديث
في الحديث إثبات فضل مريم وخديجة وفاطمة وآسية رضي الله عنهن وعلو منزلتهن بين النساء.
الفضل عند الله يقوم على الإيمان والصدق والصبر والطاعة، فقد اجتمعت هؤلاء النسوة مع اختلاف أزمانهن وأحوالهن على كمال الإيمان والثبات.
في ذكر آسية بيان أن فساد البيئة وشدة الفتنة لا يمنعان العبد من بلوغ أعلى مراتب الإيمان إذا صدق مع الله.
في ذكر خديجة وفاطمة رضي الله عنهما بيان عظيم منزلتهما وفضلهما في هذه الأمة.
لا يدل جمع الأربع في حديث واحد على التسوية المطلقة بينهن في جميع الفضائل؛ بل تجمع نصوص الباب كلها، ويثبت لكل واحدة ما دل عليه الدليل الصحيح.