احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وقال الترمذي: «حديث أم عطية حديث حسن صحيح».3
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (73/2 رقم 1253 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (646/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن الترمذي (990)
تخريج الحديث
رواه مالك،1 والبخاري،2 ومسلم،3 وأبو داود،4 والنسائي،5 من طريق مالك بن أنس، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سِيرين، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها، مرفوعًا.
ورواه أحمد،6 والبخاري،7 ومسلم،8 وابن ماجه،9 من طرق عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سِيرين، عن أم عطية رضي الله عنها، مرفوعًا.
فرواه عن أيوب جماعة من أصحابه، منهم مالك بن أنس، وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، وعبد الوهاب الثقفي، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وسفيان بن عُيينة، وابن جُريج، وغيرهم. واتفقوا على أصل الإسناد ورفع الحديث، ولم يقع بينهم اختلاف مؤثر في أصل الأمر بالغسل، واستعمال السدر والكافور، وإعطاء النبي ﷺ إزاره لتُشعَر به ابنته.
وهذا طريق صحيح محفوظ، وفيه سماع محمد بن سِيرين من أم عطية؛ فقد جاء من طريق ابن جُريج، عن أيوب، أنه سمع ابن سِيرين يقول: «جاءت أم عطية رضي الله عنها امرأة من الأنصار، من اللاتي بايعن، قدمت البصرة تبادر ابنًا لها فلم تدركه، فحدثتنا»، ثم ساق الحديث.10 فلا علة فيه من جهة الانقطاع بين محمد بن سِيرين وأم عطية.
ورواه النسائي،11 من طريق يزيد بن هارون، عن عبد الله بن عَون، عن محمد بن سِيرين، عن أم عطية رضي الله عنها، مرفوعًا بنحو الحديث.
وهذه متابعة تتجاوز أيوب السَّختياني إلى شيخه محمد بن سِيرين، فتؤكد أن أصل الحديث محفوظ عن محمد، وليس مما تفرد به أيوب عنه.
وجاء أيضًا من رواية حماد بن سلمة، عن أيوب وهشام بن حسان وحبيب، عن محمد بن سِيرين، عن أم عطية، بنحو الحديث، وقد ساق الخطيب هذا الوجه في جمع طرقه.12
ورواه البخاري،13 ومسلم،14 من طريق هشام بن حسان، عن حفصة بنت سِيرين، عن أم عطية رضي الله عنها، مرفوعًا.
ومن ألفاظه: «اغسلنها بالسدر وترًا، ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، وفيه أن أم عطية قالت: «فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها».
ورواه مسلم،15 من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن عاصم الأَحول، عن حفصة بنت سِيرين، عن أم عطية رضي الله عنها، وفيه: «لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ، قال لنا رسول الله ﷺ: اغسلنها وترًا، ثلاثًا أو خمسًا، واجعلن في الخامسة كافورًا أو شيئًا من كافور».
ورواه مسلم،16 من طريق خالد الحذَّاء، عن حفصة بنت سِيرين، عن أم عطية رضي الله عنها، مختصرًا بلفظ: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها».
ورواه الترمذي،17 من طريق هُشيم بن بشير، عن خالد الحذَّاء، ومنصور بن زاذان، وهشام بن حسان؛ فذكر أن خالدًا وهشامًا روياه عن محمد وحفصة، وأن منصورًا رواه عن محمد، عن أم عطية، مرفوعًا. وفيه أن خالدًا ذكر زيادة: «وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء».
وهذا الطريق يبين أن الحديث محفوظ أيضًا عن حفصة بنت سِيرين، عن أم عطية، وأن حفصة لم تنفرد بما خالف أخاها محمدًا في أصل الخبر، وإنما حفظت عنه زيادات تتعلق بصفة الغسل وتضفير الشعر.
وقد جاء حديث حفصة من رواية أيوب السَّختياني أيضًا؛ فقد قال أيوب عقب روايته حديث محمد: «وحدثتني حفصة بمثل حديث محمد»، وذكر أن في حديثها: «اغسلنها وترًا»، و«ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا»، و«ابدؤوا بميامنها ومواضع الوضوء منها»، وأن أم عطية قالت: «ومشطناها ثلاثة قرون».18
وهنا تظهر مسألة نقدية مهمة؛ فإن أيوب روى الحديث عن محمد بن سِيرين، ورواه عن أخته حفصة بنت سِيرين، وكان عند حفصة من الزيادات ما لم يسقه محمد في بعض رواياته. وقد جمع بعض الرواة الحديثين في سياق واحد، بينما فصل بينهما آخرون، فتوهم من لم يحرر الأسانيد أن جميع الألفاظ محفوظة عن محمد وحده.
وقد اعتنى الخطيب البغدادي بهذا الاختلاف عناية خاصة في كتابه «الفصل للوصل المدرج في النقل»، فذكر أن وَهيب بن خالد روى الحديث عن أيوب، عن حفصة ومحمد جميعًا، وساقه سياقة واحدة، وأن الأوزاعي رواه عن رجل لم يسمه، عن أيوب، عن محمد بن سِيرين، وفيه قصة تمشيط الشعر ثلاثة قرون.19
ثم بين الخطيب أن جماعة من أصحاب أيوب، منهم سفيان بن عُيينة، ويزيد بن زُريع، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وعبد الوهاب الثقفي، وابن جُريج، فصلوا رواية محمد بن سِيرين عن رواية أخته حفصة، وميزوا الألفاظ التي جاءت من طريق كل واحد منهما.20
وهذا التحقيق يؤيد أن الوجه المحفوظ عن أيوب هو روايته أصل الحديث عن محمد بن سِيرين، وروايته أيضًا عن حفصة بنت سِيرين، مع تمييز الزيادات الواردة في حديث حفصة.
ولا يعني ذلك أن قصة تضفير الشعر ضعيفة؛ بل هي محفوظة صحيحة من طريق حفصة، وإنما موضع النقد هو نسبتها في بعض السياقات إلى رواية محمد من غير تمييز. فالعلة هنا في جمع الألفاظ والأسانيد، لا في ثبوت أصل الخبر أو صحة قصة التضفير.
ومن المواضع التي وقع فيها الاختلاف أيضًا عدد الغسلات؛ ففي رواية محمد: «ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، وجاء في رواية حفصة التصريح بالسبع، وذكر الوتر.21 وليس هذا اختلافًا متضادًا؛ لأن «أكثر من ذلك» يشمل السبع وما فوقها عند الحاجة، ورواية حفصة تبين مراعاة العدد الوتر.
وكذلك زيادة: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» محفوظة من حديث حفصة من غير طريق أيوب أيضًا؛ فقد رواها خالد الحذَّاء عنها، كما تقدم، فتقوى بذلك ثبوتها، ولا يصح عدها منكرة لمجرد عدم ذكرها في بعض روايات محمد بن سِيرين.
ويبقى اختلاف آخر في تسمية ابنة النبي ﷺ التي وقع غسلها؛ فقد سماها عاصم الأَحول، عن حفصة بنت سِيرين: «زينب».22 وجاء في رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد بن سِيرين، عند ابن ماجه أنها «أم كلثوم».23
لكن عامة الروايات المحفوظة عن محمد وحفصة لم تسم الابنة، وإنما ورد فيها: «إحدى بنات النبي ﷺ» أو «ابنته». بل جاء في رواية ابن جُريج، عن أيوب، عن محمد بن سِيرين، التصريح بعدم العلم بتعيينها.24
وقد بحث ابن حجر هذا الاختلاف، وذكر رواية عاصم في تسميتها زينب، ورواية ابن ماجه في تسميتها أم كلثوم، ونبه إلى أن أم عطية كانت ممن يتولى غسل الموتى، فلا يمتنع أن تكون حضرت غسل البنتين، وأن تعيين الاسم في بعض الروايات يحتاج إلى نظر.25
والأقرب أن يقتصر في سياق الحديث المحفوظ من طريق محمد بن سِيرين على قوله: «ابنته»، دون الجزم باسمها؛ لأن هذه هي رواية جمهور أصحاب أيوب، وهي التي حفظها مالك، وحماد بن زيد، وغيرهما. وأما تعيينها بزينب أو أم كلثوم فمسألة أخرى تتعلق بتحديد الواقعة، ولا يترتب عليها ضعف أصل الحديث.
وأقوى حجة لتصحيح الحديث أن محمد بن سِيرين رواه عن أم عطية بسماع ثابت، وتابعه في أصل الخبر أخته حفصة، وروى عنه جماعة من الحفاظ، كما رواه عن محمد غير أيوب، واتفقت هذه الطرق على أصل القصة والأمر بغسل الميت بالماء والسدر، ووضع الكافور في الغسلة الأخيرة، وإشعار الميتة بإزار النبي ﷺ.
وأقوى ما يمكن أن يستشكل في رواياته اختلاف بعض أصحاب أيوب في الجمع بين حديث محمد وحديث حفصة، واختلاف الألفاظ في عدد الغسلات، وتسمية ابنة النبي ﷺ.
والجواب أن جمع الحديثين في سياق واحد قد بينه الخطيب، وفصلت الروايات المحفوظة بين ما رواه محمد وما روته حفصة، وأن الاختلاف في عدد الغسلات اختلاف تنوع وبيان، لا تضاد، وأن اختلاف تسمية الابنة لا يمس أصل الخبر. أما الزيادات التي اختصت بها حفصة، فإن منها ما ثبت عنها من طرق أخرى، كابتداء الغسل بالميامن ومواضع الوضوء، فلا وجه لإعلالها.
والخلاصة أن الحديث يدور على رواية محمد بن سِيرين وحفصة بنت سِيرين، كلاهما عن أم عطية الأنصارية، وأن أصله محفوظ مرفوعًا، ولم يظهر فيه اختلاف مؤثر في صحة الإسناد أو ثبوت الأمر النبوي. والوجه المحفوظ عن أيوب أن أصل الحديث عنده عن محمد، وأنه سمعه من حفصة أيضًا، وحفظ عنها زيادات تتعلق بعدد الغسلات، والتيمن، وتضفير الشعر. ورواية ابن عَون عن محمد، وروايات هشام بن حسان وعاصم الأَحول وخالد الحذَّاء عن حفصة، تؤكد ثبوت أصل الخبر وتعين على تحرير ألفاظه. أما تسمية الابنة ففيها اختلاف لا يؤثر في الحكم. والراجح أن الحديث مرفوع صحيح، ثابت بطرق محفوظة، وليس تصحيحه مبنيًا على مجرد اجتماع الأسانيد، بل على ثبوت الرواية واتفاق الحفاظ على أصلها.
المصادر والمراجع
1موطأ مالك (222/1 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2صحيح البخاري (73/2 رقم 1253 ط السلطانية)
3صحيح مسلم (647/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4سنن أبي داود (197/3 رقم 3142 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
5سنن النسائي (28/4 رقم 1881 ت عبد الفتاح أبو غدة)
6مسند أحمد (386/34 رقم 20790 ط الرسالة)
7صحيح البخاري (74/2 رقم 1254، 1258 ط السلطانية)
8صحيح مسلم (646/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
9سنن ابن ماجه (468/1 رقم 1458 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
10صحيح البخاري (75/2 رقم 1261 ط السلطانية)
11سنن النسائي (33/4 رقم 1894 ت عبد الفتاح أبو غدة)
12الفصل للوصل المدرج في النقل (536/1 رقم 53 ت محمد بن مطر الزهراني)
13صحيح البخاري (75/2 رقم 1263 ط السلطانية)
14صحيح مسلم (647/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15صحيح مسلم (647/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
16صحيح مسلم (648/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
17سنن الترمذي (306/3 رقم 990 ت أحمد محمد شاكر)
18صحيح البخاري (74/2 رقم 1254 ط السلطانية)
19الفصل للوصل المدرج في النقل (531-532/1 رقم 53 ت محمد بن مطر الزهراني)
20الفصل للوصل المدرج في النقل (532-545/1 رقم 53 ت محمد بن مطر الزهراني)
21صحيح البخاري (74/2 رقم 1254، 1259 ط السلطانية)
22صحيح مسلم (647/2 رقم 939 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
23سنن ابن ماجه (468/1 رقم 1458 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
24صحيح البخاري (75/2 رقم 1261 ط السلطانية)
25فتح الباري لابن حجر (103/3 ط دار المعرفة)
شرح الحديث
(دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) القائلة أم عطية الأنصارية، وهي نُسَيبة بنت كعب رضي الله عنها، وكانت ممن يباشر غسل النساء من الموتى، والمراد أنه ﷺ جاء إلى النسوة اللاتي تولين غسل ابنته ليعلمهن كيفية غسلها، وقد بينت روايات أخرى أن دخوله كان وهن يباشرن غسلها. (حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ) المقصود إحدى بنات النبي ﷺ، وقد وقع الاختلاف في تعيينها كما تقدم، فجاء في بعض الروايات أنها زينب، وفي أخرى أنها أم كلثوم، والمحفوظ في أكثر روايات الحديث عدم تسميتها. (فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا) أمر النبي ﷺ النساء بتغسيل ابنته، وهو أصل في مشروعية غسل الميت ووجوبه على المسلمين على سبيل فرض الكفاية، وأن النساء يتولين غسل النساء، وأن تجهيز الميت يكون على الوجه الذي جاءت به الشريعة. (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) المراد تكرار غسل جسد الميتة ثلاث مرات أو خمسًا بحسب الحاجة إلى التنظيف والإنقاء، وليس المقصود أن العددين واجبان، بل الغاية إزالة الأذى وتحقيق النظافة، ويستحب مراعاة الوتر في الغسلات، كما دلت عليه الروايات الأخرى. (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) يدل على جواز الزيادة على خمس غسلات إذا احتاجت الميتة إلى ذلك، وقد جاء التصريح بالسبع في رواية حفصة بنت سِيرين، فلا يكون العدد محصورًا في ثلاث أو خمس، وإنما يرجع إلى ما تتحقق به حاجة الغسل مع مراعاة الوتر. (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) فوَّض النبي ﷺ تقدير عدد الغسلات إلى النساء المباشرات للغسل، لأنهن أدرى بحال الميتة وما تحتاج إليه من التنظيف، فليس المراد أن غسل الميت متروك لاختيارهن، وإنما المراد تقدير الزيادة على القدر الذي يحصل به الإنقاء، وفيه اعتبار الخبرة المباشرة في الأمور التي تختلف أحوالها. (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) السدر ورق شجر النبق، وكان يستعمل في التنظيف لما فيه من خاصية إزالة الأوساخ، والمقصود غسل الميتة بالماء مع السدر لتحصيل النظافة، ولا يعني ذلك تعين السدر إذا لم يوجد، بل يقوم مقامه ما يحصل به التنظيف من المباحات، مع بقاء الماء أصلًا في الغسل. (وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ) المراد الغسلة الأخيرة من الغسلات، وقد خصت بالذكر لأن الميتة تكون قد استكمل تنظيفها، فيبقى أثر المادة الطيبة بعد انتهاء الغسل. (كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) الكافور مادة طيبة الرائحة معروفة، لها خاصية التبريد، ويستعمل في تجهيز الموتى لما فيه من تحسين الرائحة، والمقصود وضع شيء منه في ماء الغسلة الأخيرة، ولا يشترط مقدار معين منه، ولذلك قال: «أو شيئًا من كافور»، وهو دليل على أن المقصود حصول أثره لا استيعاب الماء به. (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي) المراد إذا انتهيتن من غسلها فأعلمنني وأخبرنني بذلك، وفيه متابعة النبي ﷺ أمر تجهيز ابنته مع إسناد مباشرة الغسل إلى النساء، وحرصه على معرفة وقت الفراغ منه. (فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ) أخبرت النسوة النبي ﷺ بانتهاء غسل ابنته، امتثالًا لأمره، وفيه مبادرتهن إلى تنفيذ ما طلب منهن دون تأخير. (فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ) الحِقْو في الأصل موضع شد الإزار من الجسد، ويطلق على الإزار نفسه، والمقصود أن النبي ﷺ أعطاهن إزاره الذي كان يلبسه ليجعلنه في كفن ابنته، وقد جاء في بعض الروايات: «فألقى إلينا حقوه». (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) الإشعار من الشِّعار، وهو الثوب الذي يلي الجسد ويلامسه، بخلاف الدِّثار الذي يكون فوقه، فالمعنى اجعلن هذا الإزار ملاصقًا لجسدها، وليكن من الثياب التي تلي بدنها في الكفن، وفيه إكرام النبي ﷺ لابنته وحرصه على أن يلي جسدها ثوب من ثيابه، تبركًا بآثاره الشريفة، وهذه خصوصية ثابتة لآثاره ﷺ، فلا يقاس عليها اتخاذ ثياب غيره للتبرك. (تَعْنِي إِزَارَهُ) تفسير للفظ «حِقْوَهُ» من كلام بعض رواة الحديث، وليس من تمام كلام النبي ﷺ، والمراد بيان أن الذي أعطاهن إياه هو الإزار الذي يشد على أسفل البدن، لا موضع الحقو من الجسد، وهو من تفسير الغريب الذي حفظه الرواة مع متن الحديث لرفع الإشكال عن معناه.
فوائد الحديث
في الحديث وجوب غسل الميت المسلم على سبيل فرض الكفاية، وأن النساء يتولين غسل النساء، وفيه استحباب تكرار غسل الميت ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بحسب الحاجة، مع مراعاة العدد الوتر، وأن المقصود من الغسل الإنقاء والتنظيف، فلا يتعين عدد لا تحصل الطهارة إلا به.
وفيه استحباب استعمال السدر في غسل الميت، ووضع شيء من الكافور في الغسلة الأخيرة، لما فيه من تطييب البدن وتحسين رائحته.
وفيه مشروعية البدء بالميامن ومواضع الوضوء عند غسل الميت، كما ثبت في الروايات الأخرى.
وفيه استحباب تضفير شعر المرأة الميتة ثلاثة قرون وإلقائها خلفها، لما ثبت من فعل أم عطية ومن معها.
وفيه أن من يتولى أمرًا من أمور تجهيز الميت يرجع في تفاصيله إلى أهل الخبرة ممن يباشرونه، وأن الشريعة تراعي الحاجة في عدد الغسلات دون تكلف أو إسراف. وفيه عناية النبي ﷺ بتجهيز ابنته، وإكرامه لها حتى بعد وفاتها، وحرصه على إتمام غسلها وكفنها على أحسن وجه.
وفيه مشروعية إحسان كفن الميت وإكرامه، وأن حرمة المسلم وحقه في الرعاية لا ينقطعان بموته. وفيه جواز التبرك بآثار النبي ﷺ الخاصة، كما وقع في إزاره، ولا يصح تعميم ذلك على آثار غيره من الناس.
وفيه أن المصيبة مهما عظمت لا تصرف المسلم عن اتباع السنة وإقامة أحكام الشريعة؛ فقد توفيت ابنة النبي ﷺ، ومع ذلك كان تعليمه وتوجيهه في أمر تجهيزها قائمًا على أحكام الشرع وآدابه.