قال البيهقي في روايته: «رواية قوية».1 وصحح الحاكم طريق أبي أُمامة عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وليس في التسليمة الواحدة على الجنازة أصح منه».2 وصحح ابن حجر طريق عبد الأعلى، عن مَعمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة، فقال: «رجال هذا الإسناد مخرج لهم في الصحيحين».3 وصححه الألباني.4
لكن الشوكاني قال في طريق الشافعي الذي فيه مُطرِّف بن مازن: «في إسناده اضطراب».5 وهذا إنما يتوجه إلى ذلك الطريق بخصوصه، ولا يقدح في أصل الخبر؛ فقد رواه عن الزهري جماعة من الحفاظ من غير طريق مُطرِّف.
المصادر والمراجع
1السنن الكبير للبيهقي (391/7 رقم 7040 ت التركي)
2المستدرك على الصحيحين (512/1 رقم 1331 ت مصطفى عبد القادر عطا)
3التلخيص الحبير (679/2)
4أحكام الجنائز (ص155)
5السيل الجرار (359/1)
تخريج الحديث
رواه النسائي،1 من طريق اللَّيث بن سعد، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة». فهذا وجه صحيح يقف بالخبر على أبي أُمامة بلفظ «السنة».
ورواه عبد الرزاق،2 وابن أبي شيبة،3 من طريق مَعمر بن راشد، عن الزهري، قال: سمعت أبا أُمامة بن سهل يحدث سعيد بن المسيب، قال: «السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم في نفسه». وهذا إسناد صحيح إلى أبي أُمامة، وهو أكمل الألفاظ المحفوظة في بيان ترتيب الصلاة.
ورواه الطحاوي،4 من طريق شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أبو أُمامة بن سهل بن حُنَيف «أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أخبره أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سرًا في نفسه، ثم يختم الصلاة في التكبيرات الثلاث». فهذا طريق قوي يفسر أن السنة التي كان أبو أُمامة يرويها تلقاها عن صحابي.
ورواه الحاكم،5 من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أُمامة بن سهل بن حُنَيف أنه أخبره «رجال من أصحاب رسول الله ﷺ» في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيًا حين ينصرف، وأن السنة أن يفعل من وراء الإمام مثل فعله. فصرحت هذه الرواية بأن أبا أُمامة تلقى صفة الصلاة عن جماعة من الصحابة، لا عن واحد فقط.
ورواه الشافعي،6 ومن طريقه البيهقي،7 من طريق مُطرِّف بن مازن، عن مَعمر، عن الزهري، قال: أخبرني أبو أُمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًا في نفسه. ومُطرِّف بن مازن ليس ممن يعتمد على تفرده، لكن هذا الطريق لم ينفرد بأصل ذكر الصحابي؛ فقد جاء ذلك محفوظًا من طريق شُعيب ويونس كما تقدم.
وقد جمع الدارقطني اختلاف أصحاب الزهري في هذا الخبر، فذكر أن اللَّيث بن سعد رواه عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل، وتابعه قُرَّة بن عبد الرحمن، وأن عَقيلًا رواه عن الزهري، عن أبي أُمامة، عن رجل لم يسمه، عن آخر من أصحاب رسول الله ﷺ. وذكر أن مَعمرًا اختلف عليه؛ فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الرزاق، عن مَعمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة، وخالفهما عبد الواحد بن زياد فرواه عن مَعمر، عن الزهري، عن سهل بن سعد، فقال الدارقطني: «ووهم فيه، والصواب قول من رواه عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل».8
فأصل الرواية المحفوظ الذي تجتمع عليه الطرق هو: الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل. وأما جعل شيخ الزهري سهل بن سعد فخطأ عند الدارقطني. وأما اختلاف الرواة بعد أبي أُمامة بين قوله مباشرة: «من السنة»، وبين ذكر رجل أو رجال من الصحابة، فلا يقدح في أصل الحديث؛ لأن الوجه المجرد صحيح عن أبي أُمامة، والوجوه الأخرى تفسر مصدر هذه السنة وأنه تلقاها عن أصحاب النبي ﷺ.
ولا تضر جهالة اسم الصحابي في الطريق الذي قال فيه: «رجل من أصحاب النبي ﷺ»؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وإنما النظر في ثبوت الطريق إلى ذلك الصحابي، وقد ثبت أصل الخبر عن الزهري عن أبي أُمامة من وجوه قوية.
كما أن قول الصحابي في صفة عبادة: «من السنة كذا» له حكم الرفع؛ لأنه لا يراد به عادةً في مثل هذا المقام إلا سنة رسول الله ﷺ، لا سيما وقد فسرت الروايات الأخرى أن أبا أُمامة تلقى هذا عن أصحاب النبي ﷺ.
وجاء عن حبيب بن مَسلمة رضي الله عنه ما يوافق أصل هذه الصفة؛ فقد قال الزهري: ذكرت ما أخبرني به أبو أُمامة لمحمد بن سُويد الفِهري، فقال: سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مَسلمة في الصلاة على الميت مثل الذي حدث أبو أُمامة.9 وهذا يقوي أن هذه الصفة كانت معروفة عند الصحابة.
وأقوى حجة لمن يضعف الطريق الذي أورده الشافعي وجود مُطرِّف بن مازن فيه، مع اختلاف أصحاب الزهري في ذكر الواسطة بعد أبي أُمامة. وهذه الحجة صحيحة في منع الاعتماد على طريق مُطرِّف منفردًا.
لكن الحديث لا يقوم على مُطرِّف أصلًا؛ فقد رواه اللَّيث، ومَعمر من طريق عبد الرزاق وعبد الأعلى، وشُعيب، ويونس، عن الزهري، عن أبي أُمامة بألفاظ متقاربة، وصحح الدارقطني أصل الطريق عن الزهري عن أبي أُمامة، وإنما حكم بالوهم على من جعله عن سهل بن سعد. كما فسرت روايات شُعيب ويونس مصدر أبي أُمامة بأنه عن أصحاب رسول الله ﷺ.
فالراجح أن أصل الحديث صحيح، وأن المحفوظ مداره على الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل، وأن قوله: «من السنة» ثابت عنه بإسناد صحيح وله حكم الرفع، وقد جاء التصريح بتلقيه ذلك عن رجل أو رجال من أصحاب النبي ﷺ من طرق قوية. وأما الاختلاف في عدد الواسطة بعد أبي أُمامة فلا يقدح في أصل صفة الصلاة المحفوظة، ولا يصح جعل ضعف طريق مُطرِّف علة للحديث كله.
المصادر والمراجع
1سنن النسائي (75/4 رقم 1989)
2مصنف عبد الرزاق (489/3 رقم 6428 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
3مصنف ابن أبي شيبة (253/7 رقم 11497 ت محمد عوامة)
4شرح معاني الآثار (500/1 رقم 2868 ت محمد زهري النجار ومحمد سيد جاد الحق)
5المستدرك على الصحيحين (512/1 رقم 1331 ت مصطفى عبد القادر عطا)
6مسند الشافعي (ص359)
7السنن الكبير للبيهقي (391/7 رقم 7040 ت التركي)
8علل الدارقطني (رقم 2689 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
9المستدرك على الصحيحين (512/1 رقم 1331 ت مصطفى عبد القادر عطا)
شرح الحديث
(أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ) المراد الطريقة الثابتة التي كان عليها النبي ﷺ وعرفها أصحابه في صلاة الميت، وقد جاءت الروايات مفسرة أن أبا أُمامة تلقى هذه الصفة عن أصحاب رسول الله ﷺ (أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ) تبدأ صلاة الجنازة بالتكبير، والمحفوظ في الروايات أن مجموع تكبيراتها أربع (ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) يدل على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وأن محلها بعد التكبيرة الأولى (سِرًّا فِي نَفْسِهِ) المراد أن الأصل الإسرار بالقراءة وعدم الجهر بها، والجهر أحيانًا للتعليم ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما (ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) بعد الفراغ من القراءة والتكبير مرة أخرى يصلي على رسول الله ﷺ، فالصلاة عليه من أذكار صلاة الجنازة (وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْجَنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ) يجعل ما بقي من الصلاة موضعًا للدعاء الخالص للميت، فيسأل الله له المغفرة والرحمة والنجاة، فالدعاء للميت هو أعظم مقصود صلاة الجنازة (وَلَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ) لا يعيد قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، وإنما ينتقل بعد ذلك إلى الصلاة على النبي ﷺ والدعاء (ثُمَّ يُسَلِّمُ) يختم صلاة الجنازة بالتسليم، وقد جاءت الروايات عن أبي أُمامة بالتسليم الخفي، وصحح الحاكم هذا الطريق في التسليمة الواحدة.
فوائد الحديث
مشروعية قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، ومحلها بعد التكبيرة الأولى.
السنة الإسرار بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، والجهر بها أحيانًا للتعليم لا يغير أصل السنة.
مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة بعد القراءة.
المقصود الأعظم بعد ذلك إخلاص الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة.
لا تكرر قراءة الفاتحة بعد سائر التكبيرات، وإنما تقرأ مرة واحدة.
تختم صلاة الجنازة بالتسليم.
قول الصحابي في وصف عبادة: «من السنة» له حكم الرفع إذا كان المقام لا يحتمل مجرد الاجتهاد، وقد فسرت طرق هذا الحديث أن الصفة مأخوذة عن أصحاب رسول الله ﷺ.