احتج به مسلم،1 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (110/1 رقم 118 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن الترمذي (4/ 62) رقم 2195 ت بشار
3صحيح ابن حبان (رقم 6704 ت شعيب الأرناؤوط)
تخريج الحديث
رواه مسلم،1 من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». وقد رواه مسلم عن ثلاثة من شيوخه: يحيى بن أيوب، وقُتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجر، جميعًا عن إسماعيل بن جعفر.
ورواه الترمذي،2 وابن حبان،3 من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا، بنحوه.
ورواه أحمد،4 من طريق زُهير بن محمد، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا، وفي آخره: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل».
ورواه ابن أبي عاصم،5 من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي وعبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
فالعَلاء بن عبد الرحمن هو مدار الحديث، ولم ينفرد عنه راو واحد؛ بل رواه عنه إسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، وزُهير بن محمد، وعبد العزيز بن أبي حازم، وغيرهم، متفقين على أصله وإسناده، فلا يظهر فيه اختلاف في الرفع أو الوقف، ولا في الوصل أو الإرسال.
والعَلاء بن عبد الرحمن قد تكلم بعض النقاد في قوة حفظه؛ فقال أحمد: «ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء»، وقال ابن معين في رواية: «ليس حديثه بحجة»، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث» وأنكر من حديثه أشياء.6 فلا يصح أن يقال في كل فرد من أفراده: صحيح لمجرد ثقته، بل ينظر في الحديث نفسه.
وهذا الحديث ليس من أفراد العَلاء التي قامت قرينة على نكارتها؛ فقد رواه عنه جماعة من أصحابه على وجه واحد، وانتقاه مسلم فاحتج به في «صحيحه»، وصححه الترمذي، ولم أقف على إمام من أئمة العلل أعله بعلة خاصة. وهذا فرق بين حديث انفرد به العلاء وخالف فيه، وبين حديث تتابع عنه الحفاظ على روايته ولم يظهر فيه اضطراب.
واختلاف الروايات في زيادة «قليل»، أو في العطف بـ«أو» بين قوله: «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا» و«يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا»، اختلاف يسير لا يمس أصل الحديث ولا معناه، ولا يدل على اضطراب قادح.
وجاء معنى الفتن التي يصبح فيها الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا من أحاديث أخرى، لكن الحديث لا يحتاج إلى تلك الشواهد في ثبوته؛ فطريق أبي هريرة من رواية العَلاء عن أبيه صحيح قائم بنفسه، وإنما تذكر تلك الأحاديث لتأكيد أصل المعنى لا لتقوية هذا الإسناد.
وأقوى ما يمكن أن يورد على الحديث الكلام المعروف في حفظ العَلاء بن عبد الرحمن، وأن بعض الأئمة لم يجعله في الطبقة العليا من المحتج بهم. لكن هذا جرح عام لا يكفي لإعلال حديث بعينه بعد أن اتفق جماعة من الثقات على روايته عنه، ولم يظهر اختلاف مؤثر فيه، واحتج به مسلم، وصححه الترمذي.
فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح، ومداره العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، والطريق محفوظ عنه من رواية جماعة من أصحابه، ولا تظهر فيه علة قادحة.
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (110/1 رقم 118 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن الترمذي (4/ 62) رقم 2195 ت بشار
3صحيح ابن حبان (رقم 6704 ت شعيب الأرناؤوط)
4مسند أحمد (400/13 رقم 8030 ط الرسالة)
5الزهد لابن أبي عاصم (ص111 رقم 218)
6تهذيب الكمال (522/22 ت بشار عواد معروف)
شرح الحديث
(بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ) المراد سارعوا إلى الأعمال الصالحة ولا تؤخروها؛ لأن العبد لا يضمن بقاء القدرة عليها ولا سلامة قلبه من الموانع والفتن (فِتَنًا) المعنى سابقوا بالأعمال وقوع فتن عظيمة تشغل القلوب وتصد الناس عن الحق، فنصب «فتنًا» على معنى الحذر منها والمبادرة قبل وقوعها (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) شُبهت الفتن بأجزاء الليل الشديد الظلمة لما فيها من التباس الحق بالباطل، وشدة الحيرة، وخفاء طريق النجاة على كثير من الناس (يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا) يدل على شدة سرعة تقلب القلوب في الفتن، حتى يدخل الإنسان يومه على الإيمان ثم يقع فيما يخرجه منه قبل المساء، وليس المراد مجرد ضعف الطاعة في كل صورة، بل ظاهر اللفظ الانتقال إلى الكفر حقيقة (أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا) تأكيد لسرعة التغير، وأن الفتنة قد تقلب حال الإنسان في زمن يسير، فلا يغتر المرء بثباته الحاضر بل يسأل الله الثبات ويأخذ بأسبابه (يَبِيعُ دِينَهُ) شبّه تركه لدينه وأحكامه بالبيع؛ لأنه يترك أغلى ما يملك مقابل شيء يختاره من الدنيا (بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) العَرَض هو المتاع الزائل، والمقصود أنه يقدم مصلحة دنيوية عارضة من مال أو جاه أو منصب أو سلامة متوهمة على دينه، فتهون عليه العقيدة والطاعة مقابل حظ عاجل يفنى.
فوائد الحديث
ومن تأمل زماننا أدرك شيئًا من معنى هذا الحديث؛ فإن أخطر الفتن ليست التي تُذهب المال، وإنما التي تُذهب الدين، ترى الرجل يعرف الحق حتى إذا هدد الحقُّ منصبَه كتمه، ويعرف الحرام حتى إذا صار فيه رزقُه التمس له المخارج، وينكر الباطل حتى إذا صار الباطل في مصلحته وجد له ألف عذر. وما تغير الحق، ولكن تغيرت المصلحة! وهذه من أعظم صور الفتنة؛ أن يصبح الدين تابعًا للدنيا، يُشدَّد فيه على الضعيف، ويُتسامح فيه مع القوي، ويُظهر منه المرء ما ينفعه، ويكتم ما يضره.
وليس كل من عصى أو ضعف أمام الفتنة كافرًا، فالتكفير له ضوابطه، ولكن الحديث يكشف خطورة الطريق الذي قد ينتهي بصاحبه إلى الكفر. وتأمل قوله ﷺ: «يبيع دينه بعرض من الدنيا»؛ فلم يقل يبيع دنياه بدينه، لأن المصيبة ليست في خسارة الدنيا لأجل الدين، وإنما في خسارة الدين لأجل الدنيا. وما أرخص الدين في قلب من لا يحتاج الشيطان لإخراجه منه إلا أن يرفع له الثمن!.