احتج به مسلم،1 وأورده ابن حبان في «صحيحه».2 وصححه الحاكم على شرط الشيخين.3 وصححه الألباني.4 وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على يحيى بن أبي كثير، ثم رجح طريق زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك، فقال: «وحديث أبي سلام أشبه بالصواب».5
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (2/ 644 رقم 934 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2صحيح ابن حبان (7/ 412 رقم 3143 ت شعيب الأرناؤوط)
3المستدرك على الصحيحين (1/ 539 رقم 1413 ت مصطفى عبد القادر عطا)
4سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 371 رقم 734، 4/ 595 رقم 1952 ط مكتبة المعارف)
5العلل الواردة في الأحاديث النبوية (7/ 26-27 رقم 1183 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 ومسلم،2 وأبو يعلى،3 وابن حبان،4 من طريق أبان بن يزيد العَطَّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام مَمطور الحَبشي، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، مرفوعًا.
وتابع أبانَ بن يزيد على هذا الوجه عليُّ بن المبارك؛ رواه أحمد،5 من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، مرفوعًا، بنحو الحديث. فليس الوجه المحفوظ عن يحيى من أفراد أبان، بل وافقه عليه علي بن المبارك.
واختلف على يحيى بن أبي كثير؛ فرواه ابن ماجه،6 من طريق عبد الرزاق، عن مَعمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن مُعانِق أو أبي مُعانِق، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب، قطع الله لها ثيابًا من قطران، ودرعًا من لهب النار».
فخالف مَعمر أبانَ العطار وعليَّ بن المبارك في شيخ يحيى؛ فجعله «ابن معانق أو أبا معانق»، بينما جعلاه «زيد بن سلام، عن أبي سلام». وهذا اختلاف في صلب الإسناد، فلا يصح إغفاله لمجرد صحة ظاهر أحد الوجهين.
وقد جمع الدارقطني هذا الاختلاف، فقال: «يرويه يحيى بن أبي كثير، واختلف عنه؛ فرواه أبان العطار، وعلي بن المبارك، عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك، وخالفهما معمر، فرواه عن يحيى، عن ابن معانق أو أبي معانق، عن أبي مالك الأشعري، وحديث أبي سلام أشبه بالصواب».7
وترجيح الدارقطني ظاهر القوة؛ فأبان بن يزيد وعلي بن المبارك اثنان، واتفقا على تفصيل الإسناد: يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك، بينما وقع الشك في رواية مَعمر نفسها: «ابن معانق أو أبي معانق»، فدل على عدم ضبط هذا الموضع على الوجه الذي ضبطه الآخران. ثم جاء إخراج مسلم للوجه الأول واحتجاجه به مؤيدًا لهذا الترجيح.
وقد وقع كلام للمتأخرين في سماع أبي سلام من أبي مالك الأشعري، بناء على القول بأن أبا مالك هو الصحابي المتقدم الوفاة في طاعون عمواس، وأن أبا سلام لم يدركه. وفي مقابل ذلك فرق جماعة بين أبي مالك المتقدم وبين الحارث بن الحارث الأشعري الذي تأخرت وفاته وروى عنه أبو سلام، ولهذا اضطربت عبارات أهل التراجم في تعيين أبي مالك الواقع في بعض هذه الأسانيد. ومهما يكن من هذا الخلاف، فإن محل حديثنا أقوى من مجرد عنعنة محتملة؛ لأن رواية مسلم جاءت بالتصريح بأن أبا مالك «حدث» أبا سلام، والدارقطني - مع استيعابه اختلاف الطريق - لم يرجح وجه مَعمر، بل جعل طريق أبي سلام «أشبه بالصواب».
وجاء أصل بعض خصال الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه من طرق أخرى، وفيها ذكر النياحة والطعن في الأنساب والأنواء، إلا أن حديث أبي مالك لا يحتاج في ثبوته إلى تلك الشواهد؛ لأن طريقه المحفوظ صحيح بنفسه، وإنما تستأنس بها في ثبوت أصل بقاء بعض خصال الجاهلية في الأمة.
وأما قوله: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها...» فقد جاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا بلفظ قريب في وعيد النائحة، لكن صحة هذا الشطر لا تتوقف عليه؛ فهو ثابت في الإسناد الصحيح نفسه عن أبي مالك.
وأقوى ما يمكن أن يعترض به على الحديث هو الاختلاف على يحيى بن أبي كثير بين طريق أبان وعلي بن المبارك، وطريق مَعمر، مع الكلام في تعيين أبي مالك وسماع أبي سلام منه. لكن الاختلاف نفسه قد حرره الدارقطني، فرجح طريق أبي سلام، وهو الذي اتفق عليه أبان وعلي بن المبارك، واحتج به مسلم، وجاء فيه التصريح بالتحديث.
وأقوى حجة للصحة أن الوجه الذي رجحه إمام العلل الدارقطني هو بعينه الوجه الذي احتج به مسلم، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير اثنان، أبان بن يزيد وعلي بن المبارك، واتفقا على إسناده، في حين انفرد مَعمر بالوجه المخالف مع الشك في اسم شيخه.
فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح، والمحفوظ عن يحيى بن أبي كثير: عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. ورواية مَعمر عن «ابن معانق أو أبي معانق» مرجوحة، كما رجح الدارقطني.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (537/37 رقم 22903 ط الرسالة)
2صحيح مسلم (644/2 رقم 934 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3مسند أبي يعلى (148/3 رقم 1577 ت حسين سليم أسد)
4صحيح ابن حبان (412/7 رقم 3143 ت شعيب الأرناؤوط)
5مسند أحمد (538/37 رقم 22904 ط الرسالة)
6سنن ابن ماجه (503/1 رقم 1581 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7العلل الواردة في الأحاديث النبوية (7/ 26-27 رقم 1183 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
شرح الحديث
(أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) المراد أربع خصال كانت معروفة في أهل الجاهلية قبل الإسلام، وسيبقى من يفعلها في هذه الأمة، وليس معنى نسبتها إلى الجاهلية أن فاعل كل واحدة منها يخرج من الإسلام، وإنما هي خصال محرمة أو مذمومة من أخلاق الجاهلية بحسب حالها. (لَا يَتْرُكُونَهُنَّ) ليس المراد أن كل أفراد الأمة يفعلونها، بل المعنى أنه لا يخلو من الأمة من يبقى متمسكًا بها، فتزول من أناس وتبقى في آخرين. (الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ) المراد تعاظم الإنسان على غيره بآبائه وقومه ومناقب أسرته، وجعل النسب سببًا للكبر واحتقار الناس، أما مجرد معرفة النسب وذكر محاسن الآباء بلا كبر ولا تنقص فليس هو المراد. (وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) المراد القدح في أنساب الناس وعيبها وانتقاصها أو نفي نسب صحيح بلا حق، وهو من الاعتداء على الأعراض. (وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ) المراد نسبة نزول المطر إلى النجوم والأنواء على طريقة أهل الجاهلية، كقولهم: مطرنا بنوء كذا، فإن اعتقد أن النجم هو الذي ينزل المطر استقلالًا فهذا شرك، وإن جعله سببًا لم يجعله الله سببًا ونسب إليه المطر فهو من المحرمات ومن ألفاظ الجاهلية، أما معرفة المواسم والحساب الفلكي من غير نسبة التأثير إلى النجوم فليس من ذلك. (وَالنِّيَاحَةُ) هي رفع الصوت على الميت بالبكاء المصحوب بتعداد محاسنه والتسخط والجزع ونحو ذلك، أما مجرد البكاء ودمع العين من غير نياحة ولا تسخط فليس محرمًا. (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا) فيه أن باب التوبة مفتوح من هذا الذنب، وأن الوعيد المذكور متعلق بمن ماتت مصرة عليه من غير توبة. (تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) المراد تبعث وتوقف للحساب والعقوبة على ما اقترفته. (وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ) السربال هو القميص أو اللباس، والقطران مادة شديدة الحرارة والنتن وسريعة الاشتعال، فتوعدت بلباس يزيد في عذابها وإيلامها. (وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) الدرع ما يحيط بالبدن من اللباس، والمراد أنها تكسى جربًا يغطي بدنها فيكون زيادة في العذاب والتشويه، وهذا من الوعيد الشديد على النياحة.
فوائد الحديث
الجاهلية ليست تاريخًا انقضى، بل أخلاق تتوارثها النفوس إذا ضعف فيها سلطان الوحي، فقد يُهدم صنم الحجر ويبقى صنم النسب، ويزول جاهل الأمس وتبقى جاهليته في عالم اليوم!.
والفخر بالأحساب من أعظم صور العجز عن صناعة المجد؛ فمن عجز عن أن يرفع نفسه بعمله، أراد أن يرفعها بعمل آبائه! والنسب لا يجعل الفاسق صالحًا، ولا الجاهل عالمًا، ولا الظالم عادلًا؛ ومن افتخر بصلاح آبائه وهو يخالف طريقهم، فقد جعل فضائلهم شاهدًا على نقصه.
والطعن في الأنساب من أخبث صور الكبر؛ لأن صاحبه يحتقر الإنسان بأمر لم يختره، ويتعالى عليه بفضل لم يصنعه! والعجيب أن الرجل يطلب لنفسه التعظيم بنسبه، ثم يعيب غيره بنسبه، وكأن الأنساب ترفع بميزان هواه وتخفض! ولو كان النسب يغني عن العمل لنفع أبا لهب قربه من رسول الله ﷺ.
والاستسقاء بالنجوم من فساد التوحيد؛ إذ يُصرف فضل الله إلى مخلوقاته، ويُنسى المنعم وتُذكر الأسباب. فالنجوم لا تملك قطرة من السماء، ولا تدفع عن نفسها قضاء، وإنما الذي ينزل الغيث هو الذي خلق النجوم. وليس من هذا معرفة أحوال الطقس، وإنما المذموم نسبة إنزال المطر إلى النجوم.
والنياحة تكشف أن بعض الناس إذا أُعطوا شكروا بألسنتهم، وإذا أُخذ منهم شيء سخطوا بأصواتهم! وليس الصبر موت الشعور، ولا البكاء اعتراضًا على القدر؛ فقد بكى رسول الله ﷺ، وإنما المحرم تحويل المصيبة إلى صياح وتسخط ونياحة. ولهذا جاء الوعيد على النائحة بسربال من قطران ودرع من جرب؛ فمَن جعل المصيبة سببًا لمعصية الله جمع إلى مصيبة الدنيا وعيد الآخرة.
وفي قوله ﷺ: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن» بيان أن بقاء الإسلام في الأمة لا يمنع بقاء شيء من أخلاق الجاهلية في أفرادها؛ فقد يحمل الرجل المصحف في يده، ويحمل عصبية الجاهلية في قلبه، ويُحسن الكلام عن التوحيد، ثم ينسب النعم إلى غير الله، ويتحدث عن الأخوة الإسلامية، ثم يحتقر الناس لأنسابهم!.
وليس الشأن أن تنتسب إلى أمة حاربت الجاهلية، وإنما الشأن أن تحارب ما بقي من جاهليتها في نفسك.
فكم من رجل يلعن جاهلية أبي جهل، وهو يُحيي بعض أخلاقها في نفسه، ولو كانت الجاهلية تُعرف بالأسماء والأزمنة لما حذّر منها النبي ﷺ أمته!.