تخريج حديث 2074: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ: الْوَسَائِدُ، وَالدُّهْنُ،…»
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:
ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ: الْوَسَائِدُ، وَالدُّهْنُ، وَاللَّبَنُ. والدهن يعني به الطيب.”
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:
ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ: الْوَسَائِدُ، وَالدُّهْنُ، وَاللَّبَنُ. والدهن يعني به الطيب.”
حسن ابن حجر إسناده فقال: «إسناده حسن إلا أنه ليس على شرط البخاري».1 وحسنه الألباني.2
لكن قال الترمذي: «هذا حديث غريب».3 وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث بعينه فقال: «هذا حديث منكر».4 وقال ابن القيم: «حديث معلول».5
رواه الترمذي،1 والطبراني،2 والبيهقي،3 من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك، عن عبد الله بن مسلم بن جُندب، عن أبيه مسلم بن جُندب، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا: «ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن». وقال الترمذي عقب روايته: «هذا حديث غريب، وعبد الله هو ابن مسلم بن جندب، وهو مدني».4
وجاء عند الطبراني بيان سبب تحديث ابن عمر به؛ فروى بالسند نفسه عن مسلم بن جُندب أنه دخل مع ابن عمر على ابن مُطيع، فألقيت لابن عمر وسادة، فقال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ثلاث لا ترد: اللبن، ولا الوسادة، ولا الدهن؛ ما جلست عليها».5 فهذا ليس طريقًا آخر، بل هو الطريق نفسه مفصلًا، ومداره على عبد الله بن مسلم بن جُندب عن أبيه.
وعبد الله بن مسلم بن جُندب ليس ساقط الحديث؛ فقد قال أبو زرعة فيه: «لا بأس به».6 ووثقه العجلي، وأبوه مسلم بن جُندب معروف بالرواية عن ابن عمر، وهو ثقة في الجملة.7 ولذلك نظر جماعة من المتأخرين إلى ظاهر الإسناد فحسنوه.
لكن هذا هو الموضع الذي يظهر فيه الفرق بين الحكم على الرجال والحكم على الحديث؛ فأبو حاتم كان يعرف الإسناد بعينه، وقد سأله ابنه: «عن حديث رواه ابن أبي فُديك، عن عبد الله بن مسلم بن جُندب، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ...» ثم ذكر المتن، فقال أبو حاتم بلا تردد: «هذا حديث منكر».8 فحكمه ليس جرحًا عامًا لعبد الله بن مسلم، بل نقد خاص لهذا الخبر، وهو مقدم على مجرد قول: رجال الإسناد مقبولون.
ووقع اشتباه في تعيين عبد الله بن مسلم؛ فقد أورد ابن حبان الحديث في ترجمة عبد الله بن مسلم بن هُرمز، وجعل الخبر من روايته، ثم ضعفه بأنه يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات.9 وهذا التعليل لا يستقيم في راوي هذا الطريق؛ لأن المحفوظ أنه عبد الله بن مسلم بن جُندب، لا ابن هرمز.
وقد تعقب الدارقطني ابن حبان في ذلك تعقبًا صريحًا فقال: «ابن أبي فُديك لم يسمع من عبد الله بن مسلم بن هرمز شيئًا، ولا روى عنه، وإنما روي هذا الحديث عن عبد الله بن مسلم بن جندب، لا شك فيه».10 فالعلة ليست أن راويه عبد الله بن مسلم بن هرمز الضعيف؛ فهذا وهم في تعيين الراوي، وإنما الراوي ابن جُندب الذي قيل فيه: «لا بأس به»، ومع ذلك حكم أبو حاتم على حديثه هذا بالنكارة. وهذا أدق وأقوى في باب العلل؛ لأن الناقد قد ينكر للراوي المقبول حديثًا بعينه من غير أن يكون الراوي ضعيفًا مطلقًا.
ورواه الرُّوياني من طريق العباس بن محمد، عن أبي الربيع سليمان بن داود الخُتَّلي، عن خالد بن زياد الدمشقي، عن زهير بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «ثلاثة لا ينبغي لأحد أن يردهن: اللبن، والدهن، والوسادة».11
وهذا الطريق لا يصلح أن يدفع حكم أبي حاتم ولا أن يكون متابعة معتبرة؛ فإن خالد بن زياد الدمشقي لا يعرف، وقد قال ابن عساكر فيه: «لا أعرف خالدًا».12 وفوق ذلك فهو شامي يروي هذا الخبر عن زهير بن محمد، وقد نص البخاري على أن ما رواه أهل الشام عن زهير مناكير، وقال أحمد في روايتهم عنه: «يرون عنه أحاديث مناكير»، وذكر أن رواية أصحابه العراقيين عنه هي المستقيمة.13 فهذه المتابعة نفسها واقعة في الموضع الذي حذر منه النقاد في حديث زهير، مع جهالة خالد بن زياد، فلا تصلح لمعارضة حكم أبي حاتم.
وروي وجه آخر جعله بعضهم متابعة؛ فأورده ابن حبان في «الثقات» من طريق محمد بن يزيد المُستملي، عن ابن أبي فُدَيك، عن ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جُندب، عن أبيه، عن ابن عمر.14 لكن هذا الطريق لا يثبت؛ لأن محمد بن يزيد المُستملي متهم بسرقة الحديث، فلا يجوز عد هذه الرواية طريقًا مستقلًا أو تقوية الحديث بها.15
فلم يبق للحديث طريق صالح يتجاوز موضع النكارة: الطريق المشهور فرد عن عبد الله بن مسلم بن جُندب عن أبيه، وقد حكم أبو حاتم على الحديث نفسه بالنكارة؛ وطريق نافع فيه مجهول، وهو من رواية شامي عن زهير بن محمد، وهي الرواية التي أنكرها النقاد؛ والوجه الآخر لا يثبت عن ابن أبي ذئب.
وأما أصل عدم رد الطيب فقد ثبت من غير حديث ابن عمر؛ ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب».16 وثبت أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح».17
فلا حاجة إلى تصحيح هذا الخبر لإثباته. وهذا أيضًا يمنع من جعل الحديث الصحيح في الطيب شاهدًا للمتن كله؛ لأنه إنما يشهد لواحد من الثلاثة، ولا يشهد لخصوص الوسائد واللبن ولا لجمعها في حكم واحد.
وأقوى حجة للتحسين أن ظاهر الطريق الأول جيد؛ فعبد الله بن مسلم بن جُندب قال فيه أبو زرعة: «لا بأس به»، وأبوه ثقة، وابن أبي فُدَيك صدوق، ولهذا حسن ابن حجر الإسناد.
لكن أقوى حجة للإعلال هي حكم أبي حاتم على هذا الحديث بعينه بأنه «منكر»، وهو حكم خاص لا يرد بتوثيق رجال السند؛ إذ معرفة العلل أخص من معرفة أحوال الرواة. ثم إن الطريق الآخر الذي قد يتوهم أنه يعضده لا يصلح للاعتبار؛ لاجتماع جهالة خالد بن زياد وكونه شاميًا يروي عن زهير بن محمد، وقد نص النقاد على نكارة رواية الشاميين عنه.
ولا يصح كذلك تعليل الحديث بعبد الله بن مسلم بن هرمز؛ لأن الدارقطني حسم هذا الاشتباه وبين أن الراوي هو عبد الله بن مسلم بن جُندب لا شك فيه. فالعلة الصحيحة ليست ضعف ابن هرمز، وإنما النكارة التي حكم بها أبو حاتم على هذا الفرد نفسه.
فالراجح على طريقة المتقدمين أن الحديث مرفوع منكر، ولا يثبت عن النبي ﷺ بهذا الجمع بين الوسادة والدهن واللبن. وتحسين ظاهر الإسناد لا يقوى على دفع حكم أبي حاتم الخاص بالحديث، ولا توجد متابعة صحيحة تزيل هذه النكارة.
(ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ) المراد ثلاثة أشياء إذا قدمت للإنسان إكرامًا وضيافةً فلا ينبغي له ردها، لما فيها من خفة المؤنة وقلة التكلف، لكن هذا الحكم بجمع هذه الثلاثة لا يثبت بهذا الحديث (الْوَسَائِدُ) جمع وسادة، وهي ما يوضع للجلوس أو الاتكاء عليه، والمقصود قبول ما يهيئه صاحب المنزل لضيفه من الوسادة إكرامًا له (وَالدُّهْنُ) فسره في الرواية بالطيب، والمراد ما يدهن به ويتطيب، وأصل عدم رد الطيب ثابت من أحاديث صحيحة مستقلة، فلا يتوقف على هذا الخبر (وَاللَّبَنُ) المراد اللبن الذي يقدمه المضيف لضيفه للشرب، وجعله مع الوسادة والطيب في الأشياء التي لا ترد لا يثبت مرفوعًا بهذا الحديث.