قال علي بن المَديني: «حديث حسن، ورجاله معروفون».1 وأصلحه أبو داود،2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وكتب العدوي مع بعض الباحثين: «الحديث في طرقه مقال ولكنه يصح لشواهده. وحل لإناث فيها مقال».4 وحسنه ضياء الرحم،5 وصححه الألباني لغيره.6
لكن ابن القطان أعل إسناده بجهالة أبي أفلح، وقال في عبد الله بن زُرَير: مجهول الحال.7
المصادر والمراجع
1الأحكام الوسطى لعبد الحق الإشبيلي (184/4)
2سنن أبي داود (89/4 رقم 4057 ط مع عون المعبود)
3صحيح ابن حبان (250/12 رقم 5434 ت شعيب الأرناؤوط)
4سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (11/ 401)
5الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (12/ 81)
6التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (8/ 69 رقم 5410)
7بيان الوهم والإيهام (179/5)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وأبو داود،2 والنسائي،3 والطحاوي،4 من طريق اللَّيث بن سعد، عن يَزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن أبي أفلح الهَمداني، عن عبد الله بن زُرَير الغافقي، عن علي رضي الله عنه، مرفوعًا. وقد وقع في بعض روايات اللَّيث إسقاط عبد العزيز بن أبي الصعبة، وفي بعضها تسمية أبي أفلح: «أفلح» أو «أبو صالح»، فجمع النسائي الروايات ورجح رواية ابن المبارك عن اللَّيث بإثبات ابن أبي الصعبة والرجل الهَمداني، ثم قال: «وحديث ابن المبارك أولى بالصواب، إلا قوله أفلح، فإن أبا أفلح أشبه».5 فهذه عناية نقدية خاصة من النسائي بتعيين الوجه المحفوظ، لا مجرد تصحيح لظاهر الإسناد.
ورواه ابن ماجه،6 والطحاوي،7 من طريق محمد بن إسحاق، عن يَزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن أبي أفلح الهَمداني، عن عبد الله بن زُرَير، عن علي رضي الله عنه، مرفوعًا. وهذه متابعة قوية للوجه الذي رجحه النسائي؛ لأنها تثبت عبد العزيز بن أبي الصعبة وأبا أفلح بين يَزيد وابن زُرَير، فلا يكون ما وقع في بعض روايات اللَّيث من الإسقاط علة في أصل الحديث.
ورواه البزار من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن يَزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن أبي أفلح الهَمداني، عن عبد الله بن زُرَير، عن علي رضي الله عنه، مرفوعًا بنحوه.8 فاجتمع على هذا الوجه اللَّيث بن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، وهي المتابعة التي اعتمد عليها الدارقطني في تعيين الصواب.
وقد جمع الدارقطني اختلاف أصحاب يَزيد بن أبي حبيب؛ فذكر رواية اللَّيث، وعبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، عنه، عن عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن أبي أفلح، عن ابن زُرَير، عن علي، ثم ذكر الوجوه المخالفة: فرواية ابن لَهيعة أسقطت عبد العزيز بن أبي الصعبة، ورواية زيد بن أبي أُنيسة أسقطت رجلين، ورواية سفيان بن عُيينة عن ابن إسحاق أبهمت الرجلين، ورواية عُمر بن حبيب عن ابن إسحاق نقلت الحديث إلى إسناد آخر، فحكم الدارقطني على عُمر بن حبيب بالوهم، ثم قال: «والصحيح عن ابن إسحاق قول يَزيد بن هارون وجَرير عنه؛ لمتابعة عبد الحميد بن جعفر واللَّيث إياهما».9 وهذا هو تحرير العلة على طريقة المتقدمين: لم يرد الحديث بسبب الاختلاف، بل ميز الوجه الذي اجتمع عليه الحفاظ من الوجوه الوهمية.
وأما رواية أحمد من طريق يَزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن يَزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن عبد الله بن زُرَير، وفيها سقوط أبي أفلح،10 فهذه الصورة ليست المحفوظة عن ابن إسحاق؛ لأن أبا أفلح ثابت عنه من رواية غير واحد، وقد وافق ذلك رواية اللَّيث وعبد الحميد بن جعفر، فالسقوط في هذا الموضع لا يضر أصل الطريق.
وأما اعتراض ابن القطان بجهالة أبي أفلح وعبد الله بن زُرَير، فلا يقوى على إعلال الحديث. فعبد الله بن زُرَير وثقه العجلي وابن سعد، وروى عنه جماعة، فجهالته مدفوعة. وأما أبو أفلح فقد قال علي بن المَديني في إسناد الحديث نفسه: «رجاله معروفون»، وهو إمام في معرفة الرجال والعلل، فمعرفته به مقدمة على دعوى جهالته، ولا سيما مع إخراج أصحاب السنن للحديث وانتقاء النسائي لطريقه. ولهذا كان تحسين علي بن المديني للحديث موافقًا لبنية الروايات، لا حكمًا قائمًا على ظاهر سند واحد.
وأما زيادة: «حِلٌّ لإناثهم» فقد جاءت في بعض روايات محمد بن إسحاق،11 وجاءت من طريق ابن لَهيعة بلفظ قريب، لكن الطحاوي بيّن أن ابن لهيعة خالف اللَّيث ومحمد بن إسحاق في تسمية الرجل الهَمداني، وحكم على ذلك الوجه بفساد الإسناد، بينما اللفظ المحفوظ الذي اتفقت عليه الروايات الأقوى في حديث علي هو: «إن هذين حرام على ذكور أمتي».12 وأصل حل الذهب والحرير للنساء ثابت من طرق أخرى، فلا يحتاج إلى إثباته من كل لفظ مختلف فيه في حديث علي.
وأقوى حجة للتضعيف ما ذكره ابن القطان من جهالة أبي أفلح، مع الاختلاف الكثير على يَزيد بن أبي حبيب في رجال الإسناد. لكن الاختلاف هنا قد كشف النقاد وجهه ولم يبق مضطربًا بلا ترجيح؛ فالنسائي رجح طريق ابن المبارك عن اللَّيث، والدارقطني أثبت أن الوجه المحفوظ هو يَزيد، عن عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن أبي أفلح، عن عبد الله بن زُرَير، عن علي، لمتابعة اللَّيث وعبد الحميد بن جعفر ومحمد بن إسحاق بعضهم بعضًا.
وأقوى حجة للتحسين حكم علي بن المَديني نفسه بأن الحديث «حسن، ورجاله معروفون»، مع اتفاق عدة من أصحاب يَزيد بن أبي حبيب على الإسناد المحفوظ، وترجيح النسائي والدارقطني لهذا الوجه، وإخراج ابن حبان له في «صحيحه».
فالراجح أن الحديث مرفوع حسن، والاختلاف الواقع على يَزيد بن أبي حبيب لا يقدح فيه بعد تحرير الوجه المحفوظ؛ بل هو من المواضع التي يظهر فيها عمل أئمة العلل، إذ لم يسووا بين الروايات، وإنما رجحوا رواية عبد العزيز بن أبي الصَّعبة، عن أبي أفلح، عن عبد الله بن زُرَير، عن علي رضي الله عنه.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (250/2 رقم 935 ط الرسالة)
2سنن أبي داود (89/4 رقم 4057 ط مع عون المعبود)
3سنن النسائي (160/8 رقم 5144 ت عبد الفتاح أبو غدة)
4شرح مشكل الآثار (304-305/12 رقم 4815 ت شعيب الأرناؤوط)
5سنن النسائي (160-161/8 ت عبد الفتاح أبو غدة)
6سنن ابن ماجه (1189/2 رقم 3595 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7شرح معاني الآثار (250/4 رقم 6698 ط عالم الكتب)
8مسند البزار (102/3 رقم 887)
9علل الدارقطني (260-262/3 رقم 394 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
10مسند أحمد (146/2 رقم 750 ط الرسالة)
11سنن ابن ماجه (1189/2 رقم 3595 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
12شرح مشكل الآثار (305-306/12 رقم 4816-4817 ت شعيب الأرناؤوط)
شرح الحديث
(إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا) الحرير هو الثوب أو النسيج المصنوع من الحرير الطبيعي، فأخذه النبي ﷺ ليبين حكمه بالفعل والقول (فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ) وضع الحرير في إحدى يديه ليُريه من حضر ويتميز عن الذهب الذي أخذه في اليد الأخرى (وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ) أمسك الذهب في اليد الأخرى ليجمع في البيان بين نوعين من الزينة التي يختلف حكم الرجال فيها عن النساء (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ) الإشارة إلى الذهب والحرير اللذين أمسكهما أمام الصحابة، وفي ذلك زيادة إيضاح للحكم بالفعل مع القول (حَرَامٌ) التحريم هنا على أصله، فيدل على المنع الجازم لا مجرد الكراهة، وقد جاءت أحاديث صحيحة أخرى تؤكد منع الرجال من التحلي بالذهب ولبس الحرير الخالص، مع ما استثنته السنة من أحوال مخصوصة (عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) خص الرجال بهذا الحكم، فالذهب والحرير من زينة النساء في الأصل، أما الرجل فلا يجوز له التحلي بالذهب ولا لبس الحرير الطبيعي إلا فيما دل الدليل على استثنائه، ولا يدخل في ذلك مجرد ملك الذهب أو بيعه وشرائه، فالمقصود هنا اللباس والتحلي.
فوائد الحديث
يحرم على الرجال التحلي بالذهب ولبس الحرير الطبيعي، والأصل في لفظ «حرام» حمله على التحريم حتى يقوم دليل على الاستثناء. وجمع النبي ﷺ بين الذهب والحرير في بيان واحد يدل على اشتراكهما في أصل المنع على الرجال، مع بقاء التفاصيل والاستثناءات الواردة في النصوص الأخرى.
وفي الحديث جواز التعليم بالفعل مع القول، فإن النبي ﷺ أمسك الذهب والحرير ثم بين حكمهما، فيكون ذلك أبلغ في التصوير وضبط الحكم. كما يدل على أن الشريعة تفرق في بعض أبواب الزينة بين الرجال والنساء، وليس كل ما أبيح لأحد الجنسين يلزم أن يباح للآخر.