قال الهيثمي في طريق أحمد: «رجاله ثقات».1 وحسنه الألباني.2
لكن الهيثمي قال في طريق أبي يعلى: «في إسناده ليث بن أبي سليم وهو مدلس».3 وأشار المنذري إلى علته فقال: «فيه ليث بن أبي سليم».4 وضعفه السناري،5 وحسين أسد.6
المصادر والمراجع
1مجمع الزوائد (218/4)
2صحيح الجامع الصغير وزيادته (رقم 2543)
3مجمع الزوائد (218/4)
4الترغيب والترهيب (24/4)
5مسند أبي يعلى - ت السناري (2/ 308 رقم 1000)
6مسند أبي يعلى (2/ 283 ت حسين أسد رقم 1000)
تخريج الحديث
رواه أبو يعلى،1 والطبراني،2 والبيهقي،3 والخطيب،4 من طريق عبد الأعلى بن حماد النَّرسي، عن يَعقوب بن عبد الله القُمِّي، عن لَيث بن أبي سُلَيم، عن مُجاهد، عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، مرفوعًا. وقال الطبراني عقب الحديث: «لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به يعقوب القمي».5
فمدار هذا الوجه على يَعقوب القُمِّي، عن لَيث بن أبي سُلَيم، والمشكلة ليست في يَعقوب وحده، وإنما في لَيث؛ فقد قال أحمد: «مضطرب الحديث»، وقال يحيى بن معين: «ليس حديثه بذاك، ضعيف»، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث»، وقال أبو زرعة: «لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث».6 فهذا ليس ضعفًا يسيرًا يغفل عند تفرد الرجل بمثل هذا السياق الطويل.
وقد وقع الاختلاف في إسناد هذا الطريق نفسه؛ فرواه ابن الضُّريس،7 من طريق يوسف بن واقد وأبي الربيع الزَّهراني، كلاهما عن يَعقوب بن عبد الله، عن لَيث، عن أبي سعيد الخدري، فأسقط مُجاهدًا من الإسناد. بينما رواية عبد الأعلى النَّرسي عن يَعقوب أثبتت مُجاهدًا بين لَيث وأبي سعيد، وهذا الاختلاف لا يطمأن معه إلى ضبط لَيث لهذا الإسناد، ولا سيما أن الاضطراب وسوء الحفظ هما أصل كلام المتقدمين فيه.
ورواه أحمد،8 من طريق حُسين بن محمد، عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن الحجاج بن مَروان الكَلاعي وعَقيل بن مُدرك السُّلَمي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رجلًا جاء أبا سعيد فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض».
ورواه ابن المبارك،9 وابن أبي عاصم،10 من طريق إسماعيل بن عَيَّاش، عن عَقيل بن مُدرك، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري. ولفظ ابن المبارك أتم، وفيه: «وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك به تغلب الشيطان».
وهذا الطريق لا يصح إسناده إلى أبي سعيد؛ فعَقيل بن مُدرك من أتباع التابعين، ولم يدرك أبا سعيد، وتعبير ابن المبارك نفسه: «يرفعه إلى أبي سعيد» يكشف عدم الاتصال. وأما الحجاج بن مَروان الكَلاعي الذي قرنه أحمد بعقيل فقد قال الحسيني فيه: «ليس بالمشهور»، ولم يعرف له إلا هذا الحديث تقريبًا.11 فإضافته لا ترفع الانقطاع ولا تجعل الطريق صحيحًا.
ومع ذلك فبين هذا الطريق وطريق لَيث تشابه ظاهر في أصل الوصايا: التقوى، والجهاد، والذكر والقرآن، وحفظ اللسان؛ لكنه ليس تشابهًا يكفي وحده للحكم بالحسن، لأن الطريق الأول يدور على لَيث المضطرب وقد اختلف عليه في الإسناد، والطريق الثاني منقطع، والواسطة الساقطة فيه مجهولة، ومعه الحجاج غير المشهور.
كما أن الألفاظ نفسها غير مستقرة؛ ففي طريق لَيث: «جماع كل خير»، وفي طريق عَقيل: «رأس كل شيء»، وفي الأول: «رهبانية المسلمين»، وفي الآخر: «رهبانية الإسلام»، وفي الأول: «نور لك في الأرض وذكر لك في السماء»، وفي الآخر: «روحك في السماء وذكرك في الأرض». وهذا يدل على أن أصل الوصايا قد يكون معروفًا، لكن ألفاظ السياق بتمامها لم تحفظ على وجه واحد.
وجاءت وصايا قريبة من حديث أبي ذر رضي الله عنه،12 وفيها التقوى والقرآن والذكر والجهاد وحفظ اللسان، لكن طريقها يدور على إبراهيم بن هِشام الغَساني عن أبيه، وقد قال أبو حاتم فيه: «أظنه لم يطلب العلم، وهو كذاب»، ووافقه علي بن الحسين بن الجنيد فقال: «ينبغي أن لا يحدث عنه».13 فلا يصلح طريق أبي ذر شاهدًا يقوي حديث أبي سعيد.
وأقوى حجة للتحسين أن الخبر جاء عن أبي سعيد من مخرجين مختلفين: مخرج لَيث عن مُجاهد، ومخرج إسماعيل بن عَيَّاش عن عَقيل بن مُدرك، واتفقا على أكثر معاني الوصايا، ولهذا ذهب بعض المتأخرين إلى تحسينه بمجموعهما.
لكن هذه الحجة لا تكفي على طريقة المتقدمين؛ فطريق لَيث ليس مجرد طريق فيه راو صدوق خفيف الضبط، بل لَيث مضطرب الحديث عند أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة، وقد ظهر اضطرابه هنا بإثبات مُجاهد وإسقاطه. والطريق الآخر منقطع لا تعرف واسطته إلى أبي سعيد، والحجاج المقرون بعقيل غير مشهور. فلا توجد متابعة صحيحة أو حسنة تجاوز موضع العلة، ولا يصلح طريق أبي ذر شاهدًا لشدة سقوطه.
فالراجح أن الحديث بهذا السياق مرفوع ضعيف. وأصل كثير من معانيه صحيح ثابت بأدلة مستقلة، لكن ذلك لا يثبت هذه الوصايا مجموعة بهذا اللفظ عن النبي ﷺ.
المصادر والمراجع
1مسند أبي يعلى (283/2 رقم 1000 ت حسين سليم أسد)
2المعجم الصغير للطبراني (156/2 رقم 949)
3الآداب للبيهقي (ص336 رقم 835)
4تاريخ بغداد (397/8 ت بشار عواد معروف)
5المعجم الصغير للطبراني (156/2 رقم 949)
6الجرح والتعديل (178-179/7 رقم 1014)
7فضائل القرآن لابن الضريس (ص49 رقم 68)
8مسند أحمد (297/18 رقم 11774 ط الرسالة)
9الزهد والرقائق لابن المبارك (ص289 رقم 840 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
10الجهاد لابن أبي عاصم (189/1 رقم 34)
11تعجيل المنفعة (431/1 رقم 188)
12الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (2/ 76 رقم 361)
13الجرح والتعديل (139/2)
شرح الحديث
(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي) طلب من النبي ﷺ وصية جامعة تنفعه في دينه (عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ) الزم تقوى الله بفعل ما أمر وترك ما نهى، وهي وصية الله للأولين والآخرين (فَإِنَّهُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ) «جماع» ما يجمع الشيء ويضم أفراده، فالمراد أن أبواب الخير ترجع إلى تقوى الله، وهذا المعنى صحيح وإن لم يثبت بهذا اللفظ (عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ) الزمه حيث شرعه الله واستكملت شروطه وضوابطه (فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ) الرهبانية ما كان عند الأمم من الانقطاع والتجرد للعبادة، والمراد على فرض ثبوت الحديث أن الإسلام لم يجعل طريق التعبد في ترك الدنيا والانعزال عن الناس، وإنما شرع من الأعمال العظيمة ما يجاهد فيه العبد نفسه وماله في طاعة الله (عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ) ملازمة ذكر الله وقراءة القرآن، وهما من أجل الطاعات الثابت فضلها بالنصوص الصحيحة (فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ) المراد أن القرآن والذكر يهديان القلب ويضيئان للعبد طريقه في الدنيا، وهذا المعنى ثابت في أصل الشرع (وَذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ) المراد رفعة شأن العبد وذكره في الملأ الأعلى بسبب طاعته، على فرض ثبوت هذا اللفظ (وَاخْزُنْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ) «اخزن» بمعنى احفظ وامنع، فلا تطلق لسانك فيما لا ينفع، ولا تتكلم إلا بخير (فَإِنَّكَ بِذَاكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ) لأن كثيرًا من أبواب الشر تدخل على الإنسان من لسانه، فحفظه عن الحرام والباطل من أسباب السلامة من مداخل الشيطان، لكن نسبة هذا التعليل بخصوصه إلى النبي ﷺ لا تثبت بهذا الحديث.