1صحيح مسلم (2178/4 رقم 2834 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2صحيح ابن حبان (436/16 رقم 7420 ت شعيب الأرناؤوط)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 ومسلم،2 من طريق إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيوب السَّختياني، عن مُحمد بن سِيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث.
ورواه أحمد،3 ومسلم،4 وابن حبان،5 من طريق سفيان بن عُيينة، عن أيوب السَّختياني، عن مُحمد بن سِيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، بنحوه. وفي رواية مسلم: «اختصم الرجال والنساء: أيهم في الجنة أكثر؟ فسألوا أبا هريرة».
ورواه أحمد،6 من طريق يزيد بن هارون، عن هِشام بن حسان، عن مُحمد بن سِيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: «لكل رجل منهم زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهما من وراء الحلل، والذي نفس محمد بيده ما فيها من أعزب».
فهِشام بن حسان تابع أيوب عن مُحمد بن سِيرين، وهذه متابعة حقيقية تجاوزت مدار أيوب، فتؤكد حفظ الحديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة. وليس الحديث من أفراد أيوب حتى يبحث في غرابته عنه، بل رواه عن ابن سيرين غيره أيضًا.
وطريق أيوب نفسه محفوظ؛ فقد رواه عنه إسماعيل بن عُلَيَّة وسفيان بن عُيينة، وهما إمامان حافظان، واتفقا على أصل الخبر، ولم يقع بينهما اختلاف مؤثر في رفعه أو اتصاله، وإنما اختلفت بعض الألفاظ اليسيرة التي لا تغير معناه.
ومُحمد بن سِيرين معروف بالسماع من أبي هريرة رضي الله عنه، وقد جاءت رواية هِشام عنه صريحة في اتصاله بأبي هريرة، فلا علة في الاتصال، ولا يوجد في هذا الطريق إرسال أو راو مبهم أو اختلاف في رفع ووقف يستدعي الترجيح.
وجاء أصل وصف أول زمرة تدخل الجنة عن أبي هريرة من طرق صحيحة أخرى غير طريق ابن سيرين، إلا أن طريق ابن سيرين مستقل صحيح بنفسه، فلا يحتاج في إثباته إلى الشواهد، ولا يقال هنا: صح بمجموع طرقه؛ بل الأصل الذي معنا صحيح في ذاته.
وأما استدلال أبي هريرة بهذا الحديث في مسألة كثرة الرجال والنساء في الجنة، فالرواية المحفوظة عنه تدل على أنه احتج بكون كل رجل له زوجتان. لكن لا يلزم من ذلك أن نساء بني آدم في الجنة أكثر من رجال بني آدم؛ لأن رواية هِشام بن حسان صرحت بقوله: «زوجتان من الحور العين».7 فالحديث يدل يقينًا على كثرة جنس النساء في الجنة، أما نسبة نساء الدنيا إلى رجال الدنيا فتحتاج إلى دليل آخر ولا تحسم بمجرد هذا اللفظ.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (64/12 رقم 7152 ط الرسالة)
2صحيح مسلم (2178/4 رقم 2834 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3مسند أحمد (331/12 رقم 7375 ط الرسالة)
4صحيح مسلم (2178/4 رقم 2834 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5صحيح ابن حبان (436/16 رقم 7420 ت شعيب الأرناؤوط)
6مسند أحمد (349/16 رقم 10593 ط الرسالة)
7مسند أحمد (349/16 رقم 10593 ط الرسالة)
شرح الحديث
(إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا) شك من الراوي في وصف ما جرى في المجلس: هل كان على سبيل المفاخرة أم مجرد المذاكرة والمباحثة (الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟) كان البحث في أي الجنسين أكثر عددًا في الجنة، فاحتج أبو هريرة بما حفظه عن النبي ﷺ (أَوَ لَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ) استفهام تقرير، يريد تذكيرهم بالحديث النبوي الذي استدل به على المسألة، وأبو القاسم كنية رسول الله ﷺ (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ) الزمرة الجماعة، والمراد أول جماعة من أهل الجنة تدخلها (عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) المراد في كمال الإشراق والحسن والضياء، وليلة البدر هي الليلة التي يكتمل فيها نور القمر (وَالَّتِي تَلِيهَا) الجماعة التي تأتي بعدها في الدخول والمنزلة (عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ) يكون نورهم وحسنهم كأشد الكواكب المضيئة إشراقًا، و«الدري» شديد التلألؤ والضياء (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ) لكل رجل من هذه الزمرة زوجتان، وقد صرحت رواية أخرى عن مُحمد بن سيرين بأنهما من الحور العين، فلا يصح جعل هذا اللفظ وحده دليلًا على أن نساء الدنيا في الجنة ضعف رجالها (يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ) «السوق» جمع ساق، والمعنى بلوغهن في الصفاء والحسن مبلغًا يرى معه مخ عظام الساق من وراء اللحم، وهو وصف غيبي لجمال نساء الجنة لا يقاس بأحوال أجساد أهل الدنيا (وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) الأعزب من لا زوج له، والمراد أن أهل الجنة لا يبقى فيهم من هو بلا زوج، وهذا من تمام نعيمهم وكمال سرورهم.
فوائد الحديث
أهل الجنة يتفاوتون في منازلهم وأنوارهم، كما تفاوتوا في الدنيا في إيمانهم وأعمالهم؛ فأولهم كالقمر ليلة البدر، ومن بعدهم كالكوكب الدري. ومن تفاوت في طاعة الله في الدنيا، تفاوت في كرامته في الآخرة، فلا يستوي السابق إلى الطاعات والمتأخر عنها.
وفيه أن جمال أهل الجنة ليس كجمال أهل الدنيا؛ فإن الله وصف من صفاء أبدانهن أن مخ سوقهن يُرى من وراء اللحم، وهذا من كمال الخلق والحسن، لا من نقص البدن. وإذا كان هذا جمال المخلوق في دار الجزاء، فكيف بما أعده الله لعباده مما لم تره عين ولم تسمع به أذن! وفي قوله ﷺ: «وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ» بيان لكمال نعيم الجنة، فإن الدنيا دار نقص وحرمان، قد يشتهي العبد فيها النكاح ولا يقدر عليه، أما الجنة فدار تمام النعيم، لا يُحرم أهلها ما أعده الله لهم من الأزواج.
فما فات المؤمن من نعيم الدنيا وصبر عنه ابتغاء مرضاة الله، فنعيم الآخرة أعظم وأبقى. وقد استدل أبو هريرة رضي الله عنه بذكر الزوجتين على كثرة النساء في الجنة، وهو ظاهر استدلاله، لكن وقع خلاف في المراد بالنساء؛ لأن في الجنة نساء بني آدم والحور العين، فلا يُجزم بنسبة نساء الدنيا إلى رجالها من مجرد ذكر الزوجتين 1.
وفي رجوع المتذاكرين إلى أبي هريرة، واحتجاجه عليهم بقول النبي ﷺ، بيان أن مسائل الغيب لا تُحسم بالمفاخرة ولا بكثرة الأقوال، وإنما تُعرف بالوحي؛ فالعقل لا يستقل بمعرفة ما وراء الموت، وإنما يهتدي فيه بخبر من لا ينطق عن الهوى.
ومن أعظم الغبن أن يتنافس الناس في جمال يفنى، ويتكاسلوا عن طاعة تورث جمالًا لا يفنى؛ فإن جمال الدنيا يذهب بذهاب الشباب، وأما جمال الجنة فلا يدركه هرم، ولا يقطعه موت.