لكن أبا حاتم سئل عن هذا الحديث بعينه فقال: «هذا حديث باطل، ومُخَيَّس وحفص مجهولان».2 وضعفه البيهقي،3 وقال ابن عساكر: «غريب الإسناد والمتن».4 وقال الذهبي في حديث مُخَيَّس هذا: «خبر منكر».5
المصادر والمراجع
1المقاصد الحسنة (ص70-71 رقم 140 ط الخانجي)
2علل الحديث لابن أبي حاتم (284/2 رقم 2354)
3شعب الإيمان (254/5 رقم 6568 ت محمد السعيد بسيوني زغلول)
4معجم الشيوخ لابن عساكر (751/2 رقم 936)
5ميزان الاعتدال (85/4)
تخريج الحديث
رواه الطبراني،1 والبيهقي،2 والخطيب،3 والقضاعي،4 وابن عساكر،5 من طريق هِشام بن عمار، عن مُخَيَّس بن تميم، عن حفص بن عمر، عن إبراهيم بن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا.
وهذا هو الطريق الذي يدور عليه الحديث، وليس تعدد هؤلاء المصنفين تعددًا لطرقه؛ فجميعهم يرجعون إلى هِشام بن عمار بهذا الإسناد. وقد نبه الطبراني إلى غاية غرابته فقال: «لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به هشام بن عمار».6
وموضع العلة دون هِشام؛ فالخبر يرويه عن مُخَيَّس بن تميم، عن حفص بن عمر، وقد سئل أبو حاتم عن هذا الإسناد نفسه فلم يكتف بقول: ضعيف أو مجهول، بل حكم على الحديث فقال: «هذا حديث باطل، ومخيس وحفص مجهولان».7 وهذه علة خاصة بالحديث مقدمة على محاولة تحسينه بجمع ألفاظ متفرقة من طرق أخرى.
والذهبي وافق أصل هذا النقد؛ فذكر مُخَيَّس بن تميم وقال: «مجهول، وكذا شيخه»، ثم قال: «روى عنه هشام بن عمار خبرًا منكرًا»، وساق هذا الحديث بعينه.8 فالنقد عند أبي حاتم والذهبي ليس جرحًا عامًا منفصلًا عن حديث الباب، وإنما تعلق بهذا الخبر نفسه.
وقد عيّن الطبراني حفص بن عمر فقال: هو حفص بن عمر بن أبي العَطَّاف المدني.9 فإن صح هذا التعيين فالعلة أشد؛ فإن حفص بن عمر بن أبي العطاف منكر الحديث عند البخاري وأبي حاتم، وضعفه النسائي، ولا يحتمل تفرده بمثل هذا الخبر. إلا أن أبا حاتم في الإسناد المعين عامل حفص المذكور هنا على أنه مجهول، فالأولى في نقد الطريق الوقوف عند حكمه الخاص بالإسناد: «هذا حديث باطل».
ووقع في تسمية شيخ حفص اختلاف في المصادر؛ فعند البيهقي: «إبراهيم بن عبد الله بن الزبير»10 وعند الطبراني: «إبراهيم بن عبد الله» ثم فسره بأنه إبراهيم بن عبد الله بن قارظ.11 وهذا لا يصنع طريقًا آخر؛ لأن الجميع يروونه عن هِشام بن عمار، عن مُخَيَّس، عن حفص، وإنما هو اختلاف في تسمية من فوق حفص.
وأما الشواهد التي ذكرها السخاوي فلا تنهض بهذا الإسناد الباطل. فمنها حديث أنس: «الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين»، من طريق خَلَّاد بن عيسى، عن ثابت، عن أنس. وقد أورد العقيلي خَلَّادًا وقال: «مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ»، ثم ساق حديثه.12 فهو لا يصلح شاهدًا معتبرًا، فضلًا عن أنه لا يحمل إلا الجملة الأولى من حديث ابن عمر. وهو في الديوان برقم: 2083.
وجاء عن أنس أيضًا حديث طويل فيه: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس... ونصف العلم حسن المسألة، والاقتصاد في المعيشة نصف العيش»، رواه البيهقي، ثم قال: «هذا إسناد ضعيف، والحمل فيه على العسكري والعمي».13 فهذا طريق شديد الضعف، وليس مما يقوى به حديث حكم أبو حاتم ببطلانه.
والأهم أن هذا المعنى معروف عن مَيمون بن مِهران من كلامه، فروى عنه يونس بن عُبيد أنه قال: «التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف الفقه، ورفقك في معيشتك يلقي نصف المؤونة». وقال البيهقي بعدما ذكره: «روي هذا من وجه آخر مرفوعًا، ورفعه ضعيف، وهو عن ميمون بن مهران معروف».14 فهذه قرينة نقدية مهمة؛ إذ يدل كلام البيهقي على أن رفع هذا النمط من الكلام غير محفوظ، وأن المعروف بعض معناه من كلام ميمون بن مهران.
وبهذا يظهر ضعف مسلك جمع الشواهد هنا؛ فبعضها لا يشهد إلا لجملة واحدة، وبعضها شديد الضعف، وبعض المعنى محفوظ من كلام ميمون بن مهران لا مرفوعًا. فلا يوجد طريق صحيح أو حسن مستقل يحمل هذا المتن الثلاثي نفسه ويتجاوز موضع علة طريق ابن عمر.
وأقوى حجة للتقوية أن السخاوي ذكر للحديث شواهد متفرقة: في الاقتصاد، والتودد، وحسن السؤال، وقد وردت هذه المعاني بألفاظ متقاربة في عدة روايات. لكن هذا إنما يثبت شيوع هذه الحكم والمعاني، ولا يثبت نسبتها بهذا التركيب إلى النبي ﷺ؛ لأن الشواهد نفسها ضعيفة، ولا يجتمع في طريق صالح منها متن الحديث كله، بل ثبت بعضه من كلام ميمون بن مهران.
وأقوى حجة للتضعيف حكم أبي حاتم على هذا الحديث بعينه بأنه «باطل»، مع انفراد الإسناد به، وجهالة من في موضع التفرد عنده، ثم موافقة الذهبي له في وصف الخبر بالنكارة، وكون الشواهد لا تخرج عن الضعف ولا تتجاوز علة الأصل.
فالراجح على طريقة أئمة العلل أن الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ، والحكم عليه بأنه «مرفوع باطل» أدق من تحسينه بمجموع الشواهد. ولا يصح أن يقال: إن طرقه يقوي بعضها بعضًا؛ إذ ليس للمتن طريق آخر صالح يحمل ألفاظه الثلاثة، والمعروف من بعض معناه إنما جاء من كلام ميمون بن مهران.
المصادر والمراجع
1المعجم الأوسط (25/7 رقم 6744 ط دار الحرمين)
2شعب الإيمان (254/5 رقم 6568 ت محمد السعيد بسيوني زغلول)
3الفقيه والمتفقه (63-64/2 رقم 699)
4مسند الشهاب (55/1 رقم 33 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
5معجم الشيوخ لابن عساكر (751/2 رقم 936)
6المعجم الأوسط (25/7 رقم 6744 ط دار الحرمين)
7علل الحديث لابن أبي حاتم (284/2 رقم 2354)
8ميزان الاعتدال (85/4)
9المعجم الأوسط (25/7 رقم 6744 ط دار الحرمين)
10شعب الإيمان (254/5 رقم 6568 ت محمد السعيد بسيوني زغلول)
11المعجم الأوسط (25/7 رقم 6744 ط دار الحرمين)
12الضعفاء الكبير للعقيلي (19/2)
13شعب الإيمان (255/6 رقم 8061 ت محمد السعيد بسيوني زغلول)
14المدخل إلى السنن الكبرى (268/1)
شرح الحديث
(الِاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ) الاقتصاد هو التوسط في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، فينفق الإنسان في مواضع الحاجة والمصلحة من غير تبذير ولا بخل (نِصْفُ الْمَعِيشَةِ) المراد أن حسن تدبير النفقة من أعظم أسباب استقامة عيش الإنسان وحفظ ماله، أما تحديد ذلك بأنه «نصف المعيشة» فلا يثبت عن النبي ﷺ بهذا الحديث (وَالتَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ) التودد هو حسن المعاملة، وبذل أسباب المحبة، ولين الجانب، وطلاقة الوجه، وما يحصل به تأليف القلوب من غير مداهنة في الدين (نِصْفُ الْعَقْلِ) المراد في ظاهر اللفظ أن حسن سياسة الناس ومعرفة طرق التعامل معهم من دلائل العقل، لكن تقدير ذلك بأنه نصف العقل لا يثبت مرفوعًا، وقد عرف هذا المعنى قريبًا من كلام ميمون بن مهران (وَحُسْنُ السُّؤَالِ) المراد إحكام المسألة، وفهم ما يريد السائل السؤال عنه، واختيار العبارة الواضحة التي تكشف موضع الإشكال ولا تشتت المسؤول (نِصْفُ الْعِلْمِ) المعنى أن جودة السؤال من أعظم أسباب تحصيل العلم؛ لأن من أحسن تصور المسألة وحسن السؤال عنها كان أقرب إلى فهم جوابها، أما جعله نصف العلم تحديدًا فلا يثبت عن النبي ﷺ بهذا الخبر.