احتج به مسلم،1 وأورده ابن حبان في «صحيحه» من الوجه الذي أثبت الوسائط بين قَتادة ومُطرِّف.2
لكن البزار أعل رواية قَتادة المباشرة عن مُطرِّف، فقال عن طريق سعيد بن أبي عَروبة: «فلم نذكره؛ لأن حديث سعيد تُرك منه يزيد بن عبد الله والعلاء، وقتادة لم يسمعه من مطرف»، ثم اختار رواية هَمَّام التي أثبتت الوسائط.3 وهذه العلة محفوظة عن قَتادة نفسه، فقد سئل صراحة: هل سمع خطبة عِياض من مُطرِّف؟ فقال: «لا»، وذكر أنه حدثه بها جماعة عن مُطرِّف.4
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (2197/4 رقم 2865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (422/2 رقم 653 ت شعيب الأرناؤوط)
3البحر الزخار (421-422/8 رقم 3491)
4مسند أحمد (283/30 رقم 18340 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه أبو داود الطيالسي،1 وأحمد،2 ومسلم،3 من طريق هِشام الدَّستوائي، عن قَتادة، عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عِياض بن حِمار المُجاشعي رضي الله عنه، مرفوعًا بنحو المتن.
ورواه مسلم،4 والطحاوي،5 من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن مُطرِّف، عن عِياض رضي الله عنه، مرفوعًا. فظاهر هذين الوجهين أن قَتادة حمل الحديث مباشرة عن مُطرِّف.
ولهذا اعتنى مسلم بإزالة إشكال تدليس قَتادة، فأخرج بعد رواية هِشام قول يحيى بن سعيد القطان: «قال شُعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفًا في هذا الحديث».6 وهذه الرواية لو انفردت لكانت صريحة في الاتصال، وقد جعلها القاضي عياض حجة قوية لمسلم في دفع علة الحديث.7
لكن جاء عن قَتادة نفسه تفصيل أدق يكشف مخرج الخبر؛ فرواه أحمد،8 والبزار،9 وابن حبان،10 من طريق هَمَّام بن يحيى، عن قَتادة، قال: حدثني العَلاء بن زياد العَدوي، وحدثني يزيد بن عبد الله أخو مُطرِّف، وحدثني عُقبة، ورجل آخر، عن مُطرِّف، عن عِياض بن حِمار رضي الله عنه، مرفوعًا.
وحفظ هَمَّام القصة التي تبين سبب هذا الإسناد؛ فقد قال بعض أصحاب قَتادة - وذكر هَمَّام أنه يونس الإسكاف -: إن قَتادة لم يسمع حديث عِياض بن حِمار من مُطرِّف، فاستنكروا عليه ذلك، ثم سألوا قَتادة نفسه عن خطبة عِياض: أسمعتها من مُطرِّف؟ فقال: «لا، حدثني أربعة عن مطرف»، وسمى منهم العَلاء بن زياد، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، وعُقبة، ونسي هَمَّام الرابع.11 وروى أبو داود الطيالسي القصة نفسها عقب رواية الحديث، وفيها تصريح قَتادة بأنه لم يسمع هذه الخطبة من مُطرِّف.12
فهذه علة حقيقية لا يصح تجاوزها لمجرد أن مسلم أخرج صورة الإسناد: «قَتادة عن مُطرِّف». فالرواية المفصلة عن هَمَّام تحكي سؤال قَتادة نفسه عن هذا الحديث بعينه، وجوابه الصريح بالنفي، ثم تسمية من حدثه به عن مُطرِّف. وهذه قرينة خاصة مقدمة في تحرير مخرج الحديث على مجرد العنعنة.
ولهذا صنع البزار صنيع أئمة العلل؛ فلم يجعل رواية سعيد بن أبي عَروبة: «قَتادة عن مُطرِّف» هي الأصل، بل قال: «قتادة لم يسمعه من مطرف»، واختار طريق هَمَّام؛ لأنه أثبت الواسطة ووصل الخبر على الوجه المحفوظ.13
ولا يقتضي هذا تضعيف الحديث؛ لأن الواسطة لم تأت هنا مجهولة منفردة، بل صرح قَتادة بأنه أخذه عن جماعة من أصحاب مُطرِّف، وسمى منهم يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، والعَلاء بن زياد العَدوي، وعُقبة، وكلهم رووه عن مُطرِّف. فالعلة إنما تصيب صورة الإسناد المختصرة: «قَتادة عن مُطرِّف»، ولا تسقط أصل الحديث الذي ثبت من الطريق المفصل المتصل.
وهذا موضع دقيق: ليس الصواب أن نقول إن رواية مسلم باطلة؛ فإن أصل الحديث صحيح، وإنما الصواب أن الرواية المفصلة تفسر الرواية المجملة، وأن قَتادة كان يختصر الإسناد فيقول: «عن مُطرِّف» مع كون مخرجه في هذه الخطبة عن جماعة عنه.
وأما قول يحيى عن شُعبة: «قال قتادة: سمعت مطرفًا في هذا الحديث»، فهو معارض بالنقل المفصل الصريح عن قَتادة أنه لم يسمع حديث عِياض من مُطرِّف، وأنه سماه عن أربعة عنه. والتفصيل المباشر المتضمن تسمية الوسائط أقوى في تعيين مخرج هذا الخبر؛ ولا سيما أن البزار - وهو من أئمة هذا الشأن - اعتمد هذا الوجه نفسه وقال: «قتادة لم يسمعه من مطرف».
ولا يضر الحديث نسيان اسم الرابع؛ لأن أصل الخبر لم ينفرد به ذلك المجهول، بل سما قَتادة ثلاثة ممن حملوه عن مُطرِّف، والرواية محفوظة باجتماعهم.
ورواه البزار،14 من طريق عَوف، عن حَكيم الأَثرم، عن الحسن، عن مُطرِّف، عن عِياض بن حِمار رضي الله عنه، عن النبي ﷺ بنحوه. وذكر البزار أن حَكيمًا في حديثه شيء، ولذلك قدم طريق قَتادة، فلا يحتاج الحديث إلى هذا الطريق في إثبات صحته، وإنما يفيد أن أصل الخطبة لم يكن منحصرًا في الصورة المختصرة عن قَتادة.
ووقع اختلاف في بعض ألفاظ الحديث دون أن يقدح في أصله؛ ففي بعض الروايات: «مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ»، وفي رواية هَمَّام: «مُقْسِطٌ مُصَدِّقٌ مُوقِنٌ»، وفي بعضها: «رجل عفيف فقير متصدق»، وفي رواية مسلم: «عفيف متعفف ذو عيال». كما أن أبا غَسَّان لم يذكر جملة: «وأنفق فسننفق عليك»، وترك سعيد بن أبي عَروبة في بعض روايته: «كل مال نحلته عبدًا حلال».15 وهذه اختلافات في ألفاظ خطبة طويلة رواها الحفاظ بالمعنى أو اختصر بعضهم منها، ولا يظهر فيها ما يقدح في أصل الحديث.
وزاد طريق مَطر الوَرَّاق عن قَتادة: «وإن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد».16 وهي زيادة أخرجها مسلم في الصحيح من هذا الحديث.
وأقوى حجة لمن يصحح صورة الإسناد المباشرة «قَتادة عن مُطرِّف» أن مسلم احتج بها، وحكى عن يحيى بن سعيد، عن شُعبة، عن قَتادة قوله: «سمعت مطرفًا في هذا الحديث»، وهو تصريح بالسماع.
لكن أقوى حجة للإعلال هي الرواية المفصلة التي حكاها هَمَّام عن قَتادة نفسه في هذا الحديث بعينه، وفيها أنه سئل صراحة هل سمع خطبة عِياض من مُطرِّف فقال: «لا»، ثم سمى جماعة حدثوه بها عنه، وقد اعتمد البزار هذه العلة صراحة. والتفصيل هنا أقوى من الإجمال؛ لأنه يحدد مخرج الخبر ومن حمله إلى قَتادة.
فالراجح أن الحديث صحيح بلا ريب، لكن المحفوظ في مخرج قَتادة لهذه الخطبة أنه لم يسمعها مباشرة من مُطرِّف، وإنما حملها عن جماعة عنه، منهم يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، والعَلاء بن زياد، وعُقبة. وأما صورة «قَتادة عن مُطرِّف» فهي اختصار للإسناد، فلا يصح اتخاذها وحدها دليلًا على السماع المباشر. وبهذا يجتمع تصحيح الحديث مع حفظ العلة التي نبه عليها المتقدمون، ولا نضرب أحدهما بالآخر.
المصادر والمراجع
1مسند أبي داود الطيالسي (404/2 رقم 1175)
2مسند أحمد (32/29 رقم 17484 ط الرسالة)
3صحيح مسلم (2197/4 رقم 2865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4صحيح مسلم (2197/4 رقم 2865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5شرح مشكل الآثار (5/10 رقم 3875 ت شعيب الأرناؤوط)
6صحيح مسلم (2197/4 رقم 2865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7إكمال المعلم بفوائد مسلم (398/8)
8مسند أحمد (283/30 رقم 18340 ط الرسالة)
9البحر الزخار (419-422/8 رقم 3491)
10الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (422/2 رقم 653 ت شعيب الأرناؤوط)
11مسند أحمد (283/30 رقم 18340 ط الرسالة)
12مسند أبي داود الطيالسي (404/2 رقم 1175)
13البحر الزخار (421-422/8 رقم 3491)
14البحر الزخار (422-423/8 رقم 3492)
15صحيح مسلم (2197/4 رقم 2865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
16صحيح مسلم (2199/4 رقم 2865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ) كان هذا الكلام ضمن خطبة جامعة علَّم فيها النبي ﷺ أصحابه أصولًا من الاعتقاد والأخلاق وأحوال أهل الجنة والنار (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا) «ألا» للتنبيه، والمعنى أن الله أوحى إليه في ذلك اليوم علمًا أمره أن يبلغه للناس، وفيه أن الرسول ﷺ مبلغ عن ربه لا يتكلم في الدين من عند نفسه (كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ) النِّحلة العطية، والمعنى أن ما أعطى الله عباده من الأموال والمنافع فهو في أصل خلقه مباح لهم، وإنما يثبت التحريم بشرع من الله، فلا يجوز للبشر تحريم ما أحل الله بأهوائهم (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ) الحنيف المائل عن الشرك إلى التوحيد، والمقصود أن أصل الفطرة التي خلق الله الناس عليها الاستعداد للتوحيد والإقبال على الحق، لا الشرك والانحراف (وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ) اجتالتهم صرفتهم وأزالتهم، فالشياطين هي التي زينت للناس الانحراف عن الفطرة والحق حتى نقلتهم إلى الشرك والضلال (وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ) من إضلال الشياطين للبشر أن تحملهم على تحريم ما أحله الله، كما كان أهل الجاهلية يحرمون بعض الأنعام والطيبات بغير سلطان من الله (وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) حملتهم على اتخاذ الشركاء والأنداد وعبادة ما لم يقم الله عليه برهانًا، والشرك كله لا سلطان عليه من الله (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ) المقت أشد البغض، والمراد حال أهل الأرض قبل بعثة النبي ﷺ لما عم الشرك والتحريف والانحراف، وليس ذمًا للأجناس من حيث أنسابها (إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) استثنى من بقي متمسكًا بما لم يبدل من دين الأنبياء ولم يدخل في الشرك والتحريف العام (إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ) المراد أن الله يختبر رسوله بإقامة الرسالة والصبر والجهاد والبلاغ، ويختبر به الناس فيتميز المؤمن المطيع من الكافر والمعاند والمنافق، وليس الابتلاء لظهور علم لم يكن لله؛ فإن الله عالم بالأشياء قبل وقوعها، وإنما يظهر بالابتلاء ما علمه واقعًا من أفعال العباد (وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ) المراد القرآن، ومعنى «لا يغسله الماء» أنه ليس محفوظًا في الصحف وحدها حتى يذهب بذهابها أو غسلها، بل حفظه الله في الصدور، فيبقى محفوظًا متلوًا (تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ) يدل على شدة حفظه وثباته في صدر النبي ﷺ حتى يكون حاضرًا معه، وقيل المراد سهولة قراءته وحفظه في جميع الأحوال (وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا) المراد أمره بقتال من أصر منهم على الكفر والمحاربة حتى يكسر سلطان الشرك، وليس المقصود إحراق أجساد قريش بالنار على الإطلاق (رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) «يثلغوا» يشدخوا ويكسروا، والمعنى أن النبي ﷺ ذكر ما يتوقعه من شدة مقاومتهم وقتلهم له حتى يشدخوا رأسه كما تُكسر الخبزة (اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ) أخرجهم وقاتلهم جزاء ما أخرجوك من مكة وحاربوك (وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ) قاتلهم ونحن ننصرك ونعينك عليهم (وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ) أنفق في طاعة الله والجهاد والحق، والله يخلف عليك ويرزقك ويعينك (وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ) وعد بالنصر والإمداد، وأن الله يؤيد جند رسوله بما هو أعظم من عددهم وقوتهم (وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ) استعِن بأهل الإيمان والطاعة في قتال من عصى الله وحارب رسوله على الوجه الذي شرعه الله (وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ) المراد ذكر ثلاثة أصناف عظيمة من أصناف أهل الجنة، لا حصر جميع أهل الجنة في هذه الثلاثة (ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ) صاحب ولاية وسلطان يعدل بين الناس ولا يظلمهم، ويبذل الخير، وقد وفقه الله للحق؛ واجتماع القدرة والعدل والإحسان من أعظم منازل الولاة (وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ) من صفات أهل الجنة رحمة القلب ولينه للأقارب وللمسلمين، فلا يكون غليظًا قاسيًا متجردًا من الرحمة (وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ) رجل له من يعول ومع ذلك يصون نفسه عن الحرام والمسألة والطمع في أموال الناس، فحاجته وكثرة عياله لم تحمله على أكل الحرام أو إذلال نفسه (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ) ذكر خمسة أصناف غلبت عليهم خصال توجب الوعيد، وليس المراد حصر جميع أهل النار فيهم (الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ) «الزَّبر» العقل أو ما يزجر الإنسان ويمنعه مما لا ينبغي، فالمراد الضعيف الذي لا رأي له ولا عزم يردعه عن الشر، فيجري تابعًا لغيره بلا دين ولا مروءة (الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا) قوم يعيشون تابعين لغيرهم لا يطلبون نكاحًا يعفهم ولا مالًا حلالًا يستغنون به، وإنما يتبعون الناس ويتوصلون بذلك إلى شهواتهم بلا مروءة ولا تعفف (وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ) المراد من لا يظهر له أدنى مطمع يمكنه الوصول إليه إلا أدخل فيه الخيانة، فلا تمنعه دقة الشيء وصغره من الخيانة (وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ) جعل الخداع ديدنه صباحًا ومساءً، فيحتال للوصول إلى الأعراض والأموال بالباطل (وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ) شك بعض الرواة في الخصلة المذكورة هنا هل هي البخل أو الكذب، وكلاهما من الأخلاق المذمومة، فلا يجزم بأحد اللفظين من موضع الشك إلا برواية محفوظة (وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ) الشِّنظير السيئ الخلق، والفحاش كثير الفحش والبذاءة والقول القبيح، فجمع سوء الخلق وفحش اللسان (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ) بيان من مسلم لاختلاف الرواة في لفظ الخطبة، وأن أبا غَسَّان المِسمعي لم يذكر هذه الجملة في روايته، وهذا من دقة المحدثين في حفظ فروق الألفاظ وعدم دمج الروايات بعضها في بعض.
فوائد الحديث
خلق الله عباده حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، ولم تكتفِ بإيقاعهم في المعاصي، بل حرَّمت عليهم ما أحل الله، وأمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا؛ فالشيطان لا يريد من الإنسان أن يعصي الله فحسب، بل يريد منه أن يجعل معصيته دينًا، وأن يُلبس الباطل لباس الحق، حتى يُعبد الهوى من حيث يُظن أنه يُعبد الله!
وما بعث الله نبيه ﷺ ليُعفيه من البلاء، بل قال له: «إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ»؛ فالحق يُبتلى حامله، ويُبتلى به من بلغه، ولا تكون كثرة الأعداء دليلًا على بطلانه، ولا قلة الأنصار دليلًا على خذلانه.
ثم جعل من أهل الجنة سلطانًا يعدل حين يقدر، ورجلًا يرحم حين يخالط، وفقيرًا يتعفف حين يحتاج؛ وجعل من أهل النار من يبيع أمانته لأدنى طمع، ويخادع الناس في أموالهم وأعراضهم، ويطلق لسانه بالفحش.
فليست العبرة بما يملك المرء من سلطان أو مال، وإنما بما يحفظ من دين وأمانة؛ فقد يرفعه عدله وهو صاحب سلطان، وترفعه عفته وهو صاحب عيال، ويهوي به طمعه وهو لا يحتاج إلا إلى قليل!